المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على أهل تخليد الموحدين من أهل الكبائر في النار



فهّاد
07-15-2004, 06:46 PM
قد اختلفت الروايات في الكبيرة، فروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها تسعة: الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وقذف المحصنة والزنا والفرار عن الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين والإلحاد في الحرم، وزاد أبو هريرة: أكل الربا، وزاد علي رضي الله عنه: السرقة وشرب الخمر.

وقيل: كل ما كان مفسدته مثل مفسدة شيء مما ذكر أو أكثر منه.

وقيل: كل ما توعد عليه الشرع بخصوصه.

وقيل: كل معصية أصر عليها العبد فهي كبيرة، وكل ما استغفر عنها فهي صغيرة.

وقال صاحب الكفاية: الحق أنهما اسمان إضافيان لا يعرفان بذاتيهما، فكل معصية إذا أضيف إلى ما فوقها فهي صغيرة، وإن أضيفت إلى ما دونها فهي كبيرة، والكبيرة المطلقة هي الكفر، إذ لا ذنب أكبر منه.

وبالجملة المراد هاهنا أن الكبيرة التي هي غير الكفر ((لا تخرج العبد المؤمن من الإيمان))، لبقاء التصديق الذي هو حقيقة الإيمان، خلافاً للاباضية فإنهم ذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة بل الصغيرة أيضاً كافر، وأنه لا واسطة بين الكفر والإيمان.

لنا وجوه: الأول: ما سيجيء من أن حقيقة الإيمان هو التصديق القلبي، فلا يخرج المؤمن عن الاتصاف به إلا بما ينافيه، ومجرد الإقدام على الكبيرة لغلبة شهوة أو حمية أو أنفة أو كسل خصوصاً إذا اقترن به خوف العقاب ورجاء العفو والعزم على التوبة لا ينافيه، نعم إذا كان بطريق الاستحلال والاستخفاف كان كفراً لكونه علامة للتكذيب، ولا نـزاع في أن من المعاصي ما جعله الشارع أمارة للتكذيب وعلم كونه كذلك بالأدلة الشرعية كسجود للصنم وإلقاء المصحف في القاذورات والتلفظ بكلمات الكفر ونحو ذلك مما يثبت بالأدلة أنه كفر.

وبهذا ينحل ما قيل: إن الإيمان إذا كان عبارة عن التصديق والإقرار ينبغي أن يلا يصير المقر المصدق كافراً بشيء من أفعال الكفر وألفاظه ما لم يتحقق منه التكذيب أو الشك.

الثاني: الآيات والأحاديث الناطقة بإطلاق المؤمن على العاصي، كقوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى))، وقوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً))، وقوله تعالى: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)) الآية، وهي كثيرة.

الثالث: إجماع الأمة من عصر النبي عليه السلام إلى يومنا هذا بالصلاة على من مات من أهل القبلة من غير توبة والدعاء والاستغفار لهم مع العلم بارتكابهم الكبائر بعد الاتفاق على أن ذلك لا يجوز لغير المؤمن.

وقولهم أنه ليس بمؤمن لقوله تعالى: ((أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً)) جعل المؤمن مقابلاً للفاسق، وقوله عليه السلام: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا إيمان لمن لا أمانة له))، ولا كافر لما تواتر من أن الأمة كانوا لا يقتلونه ولا يجرون عليه أحكام المرتدين ويدفنونه في مقابر المسلمين.

والجواب:

أن المراد بالفاسق في الآية هو الكافر، فإن الكفر من أعظم الفسوق، والحديث وارد على سبيل التغليظ والمبالغة في الزجر عن المعاصي بدليل الآيات والأحاديث الدالة على أن الفاسق مؤمن، حتى قال عليه السلام لأبي ذر لما بالغ في السؤال: ((وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر)).

واحتجت الاباضية بالنصوص الظاهرة في أن الفاسق كافر، كقوله تعالى: ((ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون))، وقوله تعالى: ((ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون))، وكقوله عليه السلام: ((من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر)) وفي أن العذاب مختص بالكافر، كقوله تعالى: ((أن العذاب على من كذب وتولى))، وقوله تعالى: ((لا يصلاها إلا الأشقى الذي كتب وتولى)) وقوله تعالى: ((إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين)) إلى غير ذلك.

والجواب: أنها متروكة الظاهر للنصوص الناطقة على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر والإجماع المنعقد على ذلك على ما مر، والاباضية خوارج عما انعقد عليه الإجماع، فلا اعتداد بهم.


(والله لا يغفر أن يشرك به) بإجماع المسلمين لكنهم اختلفوا في أنه هل يجوز عقلاً أم لا ؟

فذهب بعضهم إلى أنه يجوز عقلاً وإنما علم عدمه بدليل السمع، وبعضهم إلى أنه يمتنع عقلاً لأن قضية الحكمة التفرقة بين المسيء والمحسين والكفر نهاية في الجناية لا يحتمل الإباحة ورفع الحرمة أصلاً، فلا يحتمل العفو ورفع الغرامة.

وأيضاً الكافر يعتقده حقاً ولا يطلب له عفو أو مغفرة فلم يكن العفو عنه حكمة.

وأيضاً هو اعتقاد الأبد فيوجب جزاء الأبد، هذا بخلاف سائر الذنوب.


(ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من الصغائر والكبائر) مع التوبة أو بدونها، خلافاً للاباضية وفي تقرير الحكم ملاحظة للآية الدالة على ثبوته، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

ولو قال قائل منهم انهم يخصونها بالصغائر وبالكبائر المقرونة بالتوبة،وتمسك بوجهين مثل المعتزلة : الأول: الآيات والأحاديث الواردة في وعيد العصاة.

والجواب: أنها على تقدير عمومها إنما تدل على الوقوع دون الوجوب، وقد كثرت النصوص في العفو فيخصص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد.

ولو وزعم بعضهم أن الخلف في الوعيد كرم، فيجوز من الله تعالى، والمحققون على خلافه، كيف وهو تبديل للقول، وقد قال الله تعالى: ((ما يبدل القول لدي)).

الثاني: أن المذنب إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريراً له على الذنب وإغراء للغير عليه، وهذا ينافي حكمة إرسال الرسل.

والجواب: أن مجرد جواز العفو لا يوجب ظن عدم العقاب فضلاً عن العلم، كيف والعمومات الواردة في الوعيد المقرونة بغاية من التهديد ترجح جانب الوقوع بالنسبة إلى كل واحد، وكفى به زاجراً.

(ويجوز العقاب على الصغيرة) سواء اجتنبت مرتكبها الكبيرة أم لا لدخولها تحت قوله تعالى: ((ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء))، ولقوله تعالى: ((لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)) والإحصاء إنما يكون بالسؤال والمجازاة إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.

وذهب بعضهم على أنه إذا اجتنب الكبائر لم يجز تعذيبه لا بمعنى أن يمتنع عقلاً بل بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لقيام الأدلة السمعية على أنه لا يقع، لقوله تعالى: ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)).

وأجيب: بأن الكبيرة المطلقة هي الكفر، لأنه الكامل، وجمع الاسم بالنظر إلى أنواع الكفر، وإن كان الكل ملة واحدةٍ في الحكم، أو إلى أفراده القائمة بأفراد المخاطبين على ما تمهد من قاعدة أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد بالآحاد،كقولنا: ركب القوم دوابهم ولبسوا ثيابهم.


(والعفو عن الكبيرة) هذا مذكور فيما سبق إلا أنه أعاده ليعلم أن ترك المؤاخذة على الذنب يطلق عليه لفظ العفو كما يطلق عله لفظ المغفرة، وليتعلق بقوله: (إذا لم تكن عن استحلال، والاستحلال كفر) لما فيه من التكذيب المنافي للتصديق، وبهذا تؤول النصوص الدالة على تخليد العصاة في النار أو على سلب اسم الإيمان عنهم.


(وأهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار)

وإن ماتوا من غير توبة، لقوله تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره)) ونفس الإيمان عمل خير لايمكن أن يرى جزاءه قبل دخول النار ثم يدخل النار فيخلد، لأنه باطل بالإجماع، فتعين الخروج من النار.

ولقوله تعالى: ((وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار))، ولقوله تعالى: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نـزلاً)) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على كون المؤمن من أهل الجنة مع ما سبق من الأدلة القاطعة على أن العبد لا يخرج بالمعصية عن الإيمان.

وأيضاً الخلود في النار من أعظم العقوبات وقد جعل جزاء الكفر الذي هو أعظم الجنايات فلو جوزي به غير الكافر كان زيادة على قدر الجناية، فلا يكون عدلاً.

وذهبت الاباضية إلى أن من أدخل النار فهو خالد فيها لأنه إما كافر أو صاحب كبيرة مات بلا توبة غذ المعصوم والتائب وصاحب الصغيرة إذا اجتنب الكبائر ليسوا من أهل النار على ما سبق من أصولهم، والكافر مخلد بالإجماع وكذا صاحب الكبيرة بلا توبة، لوجهين: أحدهما: أنه يستحق العذاب وهو مضرة خالصة دائمة فينافي استحقاق الثواب الذي هو منفعة خالصة دائمة.

والجواب: منع قيد الدوام، بل منع الاستحقاق بالمعنى الذي قصدوه وهو الاستيجاب، وإنما الثواب فضل منه والعذاب عدل، فإن شاء عفا وإن شاء عذبه مدة ثم يدخله الجنة.

الثاني: النصوص الدالة على الخلود، كقوله تعالى: ((ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً)) وقوله تعالى: ((ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله ناراً خالداً فيها)) وقوله تعالى: ((من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)).

والجواب: أن قاتل المؤمن لكونه مؤمناً لا يكون إلا الكافر، وكذا من تعدى جميع الحدود وكذا من أحاطت به خطيئته وشملته من كل جانب.

ولو سلم فالخلود قد يستعمل في المكث الطويل كقولهم: سجن مخلد، ولو سلم فمعارض بالنصوص الدالة على عدم الخلود كما مر.




(والإيمان) في اللغة التصديق، أي إذعان حكم المخبر وقبوله وجعله صادقاً، إفعال من الأمن، كان حقيقة آمن به آمنه من التكذيب، والمخالفة يتعدى باللام كما في قوله تعالى حكاية: ((وما أنت بمؤمن لنا)) أي مصدق، وبالباء كما في قوله عليه السلام: ((الإيمان أن تؤمن بالله..)) الحديث أي تصدق.

وليس حقيقة التصديق أني قع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو الـمخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرح به الإمام الغزالي.

وبالجملة هو المعنى الذي يعبر عنه بالفارسية بكرويدن، وهو معنى التصديق المقابل للتصور حيث يقال في أوائل علم الميزان: العلم إما تصور وإما تصديق، صرح بذلك أحد علماء المعتزلة الذين هم أصل هذه الفريه ابن سينا، وإن حصل هذا المعنى لبعض الكفار كان إطلاق اسم الكافر عليه من جهة أن عليه شيئاً من أمارات التكذيب والإنكار،كما إذا فرضنا أن أحداً صدق بجميع ما جاء به النبي عليه السلام وسلمه وأقر به وعمل، ومع ذلك شد الزنار بالاختيار أو سجد للصنم بالاختيار نجعله كافراً لما أن النبـي عليه السلام جعل ذلك علامة التكذيب والإنكار.

وتحقيق هذا المقام على ما ذكرت يسهل لك الطريق إلى حل كثير من الإشكالات الموردة في مسألة الإيمان.

وإذا عرفت حقيقة معنى التصديق فاعلم أن الإيمان في الشرع:

(هو التصديق بما جاء به من عند الله تعالى) أي تصديق النبـي عليه السلام بالقلب في جميع ما علم بالضرورة مجيئه به من عند الله تعالى إجمالاً وأنه كاف في الخروج عن عهدة الإيمان، ولا تنحط درجته عن الإيمان التفصيلي، فالمشرك المصدق بوجود الصانع وصفاته لا يكون مؤمناً إلا بحسب اللغة دون الشرع، لإخلاله بالتوحيد، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ((وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)).


(والإقرار به) أي باللسان، إلا أن التصديق ركن لا يحتمل السقوط أصلاً، والإقرار قد يحتمله كما في حالة الإكراه.

فإن قيل: لا يبقى التصديق كما في حالة النوم والغفلة.

قلنا: التصديق باق في القلب والذهول إنما هو عن حصوله، ولو سلم فالشارع جعل المحقق الذي لم يطرأ عليه ما يضاده في حكم الباقي، حتى كان المؤمن اسماً لمن آمن في الحال أو في الماضي ولم يطرأ عليه ما هو علامة التكذيب.

هذا الذي ذكره من أن الإيمان هو التصديق والإقرار مذهب بعض العلماء وهو اختيار الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام رحمهما الله.

وذهب جمهور المحققين إلى أنه التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، لما أن التصديق بالقلب أمر باطن لا بد له من علامة، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله وإن لم يكن مؤمناً في أحكام الدنيا، ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق فبالعكس، وهذا هو اختيار الشيخ أبي منصور رحمه الله، والنصوص معاضدة لذلك، قال الله تعالى: ((أولئك كتب في قلوبهم الإيمان)) وقال تعالى: ((ولما يدخل الإيمان في قلوبكم))، وقال عليه السلام: ((اللهم ثبت قلبي على دينك وطاعتك)) وقال عليه السلام لأسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله: ((هلا شققت عن قلبه)).

فإن قلت: نعم الإيمان هو التصديق، لكن أهل اللغة لا يعرفون منه إلا التصديق باللسان، والنبـي عليه السلام وأصحابه كانوا يقنعون من المؤمنين بكلمة الشهادة ويحكمون بإيمانه من غير استفسار عما في قلبه.

قلت: لا خفاء في أن المعتبر في التصديق عمل القلب، حتى لو فرضنا عدم وضع لفظ التصديق لمعنى أو وضعه لمعنى غير التصديق القلبي لم يحكم أحد من أهل اللغة والعرف بأن المتلفظ بكلمة صدّقت مصدق للنبـي عليه السلام ومؤمن به، ولهذا صح نفي الإيمان عن بعض المقرين باللسان، قال الله تعالى: ((ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين))، وقال تعالى: ((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)).

وأما المقر باللسان وحده فلا نـزاع في أنه يسمى مؤمناً لغة ويجري عليه أحكام الإيمان ظاهراً، وإنما النـزاع في كونه مؤمناً فيما بينه وبين الله تعالى، والنبي عليه السلام ومن بعده كما كانوا يحكمون بإيمان من تكلم بكلمة الشهادة كانوا يحكمون بكفر المنافق، فدل على أنه لا يكفي في الإيمان فعل اللسان.

وأيضاً الإجماع منعقد على إيمان من صدق بقلبه وقصد الإقرار باللسان ومنعه مانع من خرس ونحوه، فظهر أن ليس حقيقة الإيمان مجرد كلمتي الشهادة على ما زعمت الكرامية.

ولما كان مذهب جمهور المتكلمين والمحدثين والفقهاء على أن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان كما أشار إلى نفي ذلك بقوله:

(فأما الأعمال) أي الطاعات (فهي تتزايد في نفسها والإيمان لا يزيد ولا ينقص)

فها هنا مقامان: الأول أن الأعمال غير داخلة في الإيمان لما مر من أن حقيقة الإيمان هو التصديق، ولأنه ق ورد في الكتاب والسنة عطف الأعمال على الإيمان، كقوله تعالى: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) مع القطع بأن العطف يقتضي المغايرة وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه.

وورد أيضاً جعل الإيمان شرط صحة الأعمال، كما في قوله تعالى: ((ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن)) مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء بنفسه.

وورد أيضاً إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال، كما في قوله تعالى: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)) على ما مر، مع القطع بأنه لا يتحقق الشيء بدون ركنه.

ولا يخفى أن هذه الوجوه إنما تقوم حجة على من يجعل الطاعات ركناً من حقيقة الإيمان، بحيث أن تاركها لا يكون مؤمناً كما هو رأي الاباضية لا على مذهب من ذهب على أنها ركن من الإيمان الكامل بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان كما هو مذهب الشافعي.

وقد سبق تمسكات الاباضية بأجوبتها فيما سبق.

المقام الثاني: أن حقيقة الإيمان لا تزيد ولا تنقص، لما مر من أنه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، حتى إن من حصل له حقيقة التصديق فسواء أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه باق على حاله لا تغير فيه أصلاً.

والآيات الدالة على زيادة الإيمان محمولة على ما ذكره أبو حنيفة رحمه الله من أنهم كانوا آمنوا في الملة ثم يأتي فرض بعض فرض فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص.

وحاصله أنه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به، وهذا لا يتصور في غير عصر النبي عليه السلام، وفيه نظر، لأن الاطلاع على تفاصيل الفرائض ممكن في غير عصر النبي صلى الله عليه وسلم، والإيمان واجب إجمالاً فيم علم إجمالاً وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، ولا خفاء في أن التفصيلي أزيد بل أكمل، وما ذكر من أن الإجمال لا ينحط عن درجته فإنما هو في الاتصاف بأصل الإيمان.

وقيل: إن الثبات والدوام على الإيمان زيادة عليه في كل ساعة، وحاصله أنه يزيد بزيادة الأزمان، لما أنه عرض لا يبقى إلا بتجدد الأمثال، وفيه نظر، لأن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون من الزيادة في شيء كما هو في سواد الجسم مثلاً.

وقيل: المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره وضيائه في القلب، فإنه يزيد بالأعمال وينقص بالمعاصي.

ومن ذهب إلى أن الأعمال من الإيمان فقبوله الزيادة والنقصان ظاهر، ولهذا قيل: إن هذه المسألة فرع مسالة كون الطاعات من الإيمان.

وقال بعض المحققين: لا نسلم أن حقيقة التصديق لا يقبل الزيادة والنقصان، بل تتفاوت قوة وضعفاً، للقطع بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبـي عليه السلام، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: ((ولكن ليطمئن قلبـي)).

بقي هاهنا بحث آخر، وهو أن بعض القدرية ذهب إلى أن الإيمان هو المعرفة، وأطبق علماؤنا على فساده، لأن أهل الكتاب كانوا يعرفون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم مع القطع بكفرهم لعدم التصديق، ولأن من الكفار من كان يفرق الحق يقيناً وإنما كان ينكر عناداً واستكباراً، قال الله تعالى: ((وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)) فلا بد من بيان الفرق بين معرفة الأحكام واستيقانها وبين التصديق بها واعتقادها ليصح كون الثاني إيماناً دون الأول.

والمذكور في كلام بعض المشايخ أن التصديق عبارة عن ربط القلب على ما علم من إخبار المخبر وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق ولذا يثاب عليه ويجعل رأس العبادات، بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب، كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر، وهذا ما ذكره بعض المحققين من أن التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقاً وإن كان معرفة.

وهذا مشكل، لأن التصديق من أقسام العلم، وهو من الكيفيات النفسانية دون الأفعال الاختيارية، لأنا إذا تصورنا النسبة بين الشيئين وشككنا في أنها بالإثبات أو النفي ثم أقيم البرهان على ثبوتها فالذي يحصل لنا هو الإذعان والقبول لتلك النسبة، وهو معنى التصديق والحكم والإثبات والإيقاع، نعم تحصيل تلك الكيفية يكون بالاختيار في مباشرة الأسباب وصرف النظر ورفع الموانع ونحو ذلك، وبهذا الاعتبار يقع التكليف بالإيمان، وكأن هذا هو المراد بكونه كسبياً اختيارياً.

ولا تكفي المعرفة في حصول التصديق لأنها قد تكون بدون ذلك، نعم يلزم أن تكون المعرفة اليقينية المكتسبة بالاختيار تصديقاً، ولا بأس بذلك لأنه حينئذ يحصل المعنى الذي يعبر عنه بالفارسية بكرويدن، وليس الإيمان والتصديق سوى ذلك، وحصوله للكفار والمعاندين المستكبرين محال، وعلى تقدير الحصول فتكفيرهم يكون بإنكارهم باللسان وإصرارهم على العناد والاستكبار، وما هو من علامات التكذيب والإنكار.


(والإيمان والإسلام واحد)

لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد بمعنى قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق على ما مر.

ويؤيده قوله تعالى: ((فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)).

وبالجملة لا يصح في الشرع الحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن.

ولا نعني بوحدتهما سوى هذا، وظاهر كلام المشايخ أنهم أرادوا عدم تغايرهما بمعنى أنه لا ينفك أحدهما عن الآخر لا الاتحاد بحسب المفهوم لما ذكر في الكفاية من أن الإيمان هو تصديق الله تعالى فيما أخبر به من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع للألوهية، وذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكماً فلا يتغايران، ومن أثبت التغاير يقال له: ما حكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن ؟

فإن أثبت لأحدهما حكماً ليس بثابت للآخر منهما فبها ونعم، وإلا فقد ظهر بطلان قوله.

فإن قيل: قوله تعالى: ((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)) صريح في تحقيق معنى الإسلام بدون الإيمان.

قلنا: المراد به أن الإسلام المعتبر في الشرح لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى الانقياد الظاهر من غير انقياد الباطن، بمنـزلة المتلفظ بكلمة الشهادة من غير تصديق في باب الإيمان.

فإن قيل: قوله عليه السلام: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)) دليل على أن الإسلام هو الأعمال لا التصديق القلبـي.

قلنا: المراد أن ثمرات الإسلام وعلاماته ذلك، كما قال عليه السلام لقوم وفدوا عليه: ((تدرون ما الإيمان بالله وحده ؟)) فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس)) وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)).


(وإذا وجد من العبد التصديق والإقرار صح له أن يقول: أنا مؤمن حقاً) لتحقيق الإيمان له.

(ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله) لأنه إن كان للشك فهو كفر لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، أو للشك في العاقبة والمآل لا في الآن والحال، أو للتبرك بذكر الله تعالى أو التبرئ عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركه لما أنه يوهم بالشك ولهذا قال: ولا ينبغي دون أن يقول: لا يجوز، لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين، وليس هذا مثل قولك: أنا شاب إن شاء الله، لأن الشباب ليس من الأفعال المكتسبة ولا مما يتصور البقاء عليه في العاقبة والمآل، ولا مما يحصل به تزكية النفس والإعجاب، بل مثل قوله: أنا زاهد متق إن شاء الله.

وذهب بعض المحققين إلى أن الحاصل للعبد هو حقيقة التصديق الذي يه يخرج عن الكفر، لكن التصديق في نفسه قابل للشدة والضعف، وحصول التصديق الكامل المنجي المشار إليه بقوله تعالى: ((أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم)) إنما هو في مشيئة الله تعالى.

ولما نقل عن بعض الأشاعرة أنه يصح أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله بناء على أن العبرة في الإيمان والكفر والسعادة الشقاوة بالخاتمة حتى إن المؤمن السعيد من مات على الإيمان وإن كان طول عمره على الكفر والعصيان وأن الكفار الشقي من مات على الكفر نعوذ بالله وإن كان طول عمره على التصديق والطاعة على ما أشير إليه بقوله تعالى في حق إبليس: ((وكان من الكافرين))، وبقوله عليه السلام: ((السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه))، أشار إلى إبطال ذلك بقوله:

(والسعيد قد يشقى) بأن يرتد بعد الإيمان نعوذ بالله، (والشقي قد يسعد) بأن يؤمن بعد الكفر (والتغيير يكون على السعادة والشقاوة دون الإسعاد والإشقاء وهما من صفات الله تعالى) لما أن الإسعاد تكوين السعادة والإشقاء تكوين الإشقاء.

(ولا تغير على الله تعالى ولا على صفاته) لما مر من أن القديم لا يكون محلاً للحوادث.

والحق أنه لا خلاف في المعنى لأنه إن أريد بالإيمان والسعادة مجرد حصول المعنى فهو حاصل في الحال، وإن أريد به ما يترتب عليه النجاة والثمرات فهو في مشيئة الله تعالى لا قطع بحصوله في الحال، فمن قطع بالحصول أراد الأول ومن فوّض إلى المشيئة أراد الثاني.

وأحب ان أذكر في نهاية هذا المقال
سؤال ساله الشيخ ابو الحسن الأشعري قال الشيخ :لأستاذه أبي علي الجبائي: ما تقول في ثلاثة أخوة، مات أحدهم مطيعاً والآخر عاصياً والثالث صغيراً ؟

فقال: إن الأول يثاب بالجنة، والثاني يعاقب بالنار، والثالث لا يثاب ولا يعاقب.

قال الأشعري: فإن قال الثالث: يا ربُّ أمتني صغيراً وما أبقيتني إلى أن أكبر فأومن بك وأطيعك فأدخل الجنة !! ماذا يقول الرب تعالى.

فقال: يقول الرب: إني كنتُ أعلم أنك لو كبرتَ لعصيتَ فدخلتَ النار، فكان الأصلح لك أن تموت صغيراً.

قال الأشعري: فإن قال الثاني: يا رب لمَ لمْ تمتني صغيراً لئلا أعصي فلا أدخل النار ؟! فماذا يقول الرب ؟

فبهت الجبائي، وترك الأشعري مذهبه واشتغل هو ومن تبعه بإبطال رأي تخليد اهلالكبائر في النار وإثبات ما ورد به السنة ومضى عليه الجماعة، فسموا أهل السنة والجماعة.

المنهج
08-29-2004, 08:49 PM
بارك الله فيك