المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تسلط القرامطة على المعطلة



الرئيسي
07-13-2004, 03:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي الصادق الأمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أما بعد، لما نفت المعطلة صفات الله، وقالت: "إن صفات الله عين الذات، فالله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم" وهكذا، اعتقاداً منهم بأن إثباتها تشبيه الله بالجسمانيين وأن لا تكون عبادة الله إلا بالتنزيه عن التجسيم، تسلط عليهم القرامطة، إذ زعمت إذا كان الإثبات تشبيهاً له بالجسمانيين، فكذلك النفي تشبيهاً له بالروحانيين، وهي العقول والنفوس عندهم أنها موصوفة عندهم بالنفي دون الإثبات، فلا يكون التوحيد – بزعمهم - إلا بالقول: "لا موصوف ولا لا موصوف".

وبهذا تمكنت القرامطة الزنادقة الملاحدة من التسلط على المعطلة وألزموهم بلازم قولهم حتى قرروا التعطيل المحض، قال القرمطي: "ومن أعظم ما أتت به طائفة من أهل هذه النحلة في إقامة رأيهم من أن المبدع سبحانه غير موصوف ولا منعوت أنهم أثبتوا له الأسامي التي لا تتعرى عن الصفات والنعوت فقالوا إنه سميع بالذات بصير بالذات عالم بالذات ونفوا عنه السمع والبصر والعلم ولم يعلموا أن هذه الأسامي إذا لزمت ذاتاً من الذوات لزمته الصفات التي من أجلها وقعت الأسامي، إذ لو جاز أن يكون الجاهل مع عدم العلم عالماً، والأعمى مع فقد البصر بصيراً والأصم مع غيبوبة السمع سميعاً، فلما لم يجز ما وصفناه صح أن العالم إنما صار عالماً لوجود العلم والبصير لوجود البصر والسميع لوجود السمع..."

وتابع القرمطي: "فإن قال قائل منهم: إنما نفينا عن البصير البصر إذ كان اسم البصير متوجهاً نحو ذات الخالق لأنا هكذا شاهدنا أن من كان اسمه البصير لزمه من أجل البصر أن يجوز عليه العمى، ومن كان اسمه السميع يلزمه من أحل السمع أن يجوز عليه الجهل، والله تعالى لا يلحق به الجهل والعمى والصمم فنفينا عنه ما يلزم بزواله ضده، يقال له: ليس علة وجوب العمى البصر، ولا علة وجوب الصمم السمع، ولا علة وجوب الجهل العلم، ولو كانت العلة فيه ما ذكرناه كان واجباً أنه متى وجد البصر وجد العمى، أو متى وجد السمع وجد الصمم أو متى وجد العلم وجد الجهل، فلما وجد البصر في بعض ذوي البصر من غير ظهور عمى به، ووجد السمع كذلك في بعض ذوي السمع من غير وجود صمم يتبعه ووجد العلم في بعضهم من غير وجود جهل به صح أن العلة في ظهور الجهل والصمم والعمى ليس هو العلم والسمع والبصر بل في قبول إمكان الآفة في بعض ذوي العلم والسمع والبصر، والله تعالى ذكره ليس بمحل الآفات، ولا الآفات بداخلة عليه فهو إذا كان اسم العالم والسميع والبصير يتوجه نحو ذاته ذا علم وسمع وبصر فتعالى الله عما أضاف إليه الجهلة المغترون من هذه الأسامي بأنها لازمة له لزوم الذوات بل هذه الأسامي مما تتوجه نحو الحدود المنصوبة من العلوي والسفلي والروحاني والجسماني لمصلحة العباد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً".

قال – والكلام لازال للقرمطي -: "ويقال لهم إن كان الاستشهاد الذي استشهدتموه صحيحاً فإن الاستشهاد الآخر الذي لا يفارق الاستشهاد الأول مثله في باب الصحة لأنكم إن كنتم هكذا شاهدتم أن من كان عالماً من أجل علمه أو سميعاً من أجل سمعه أو بصيراً من أجل بصره جاز عليه الجهل والعمى والصمم، فنحن كذلك شاهدنا أن من كان عالماً فإن العلم سابقه، ومن كان بصيراً فإن البصر قرينه، ومن كان سميعاً كان السمع شهيده، فإن جاز لكم أن تتعدوا حكم الشاهد على الغائب في أحدهما فتقولوا أن يكون في الغائب عالم بغير علم وبصير بعير بصر وسميع بغير سمع جاز لنا أن نتعدى حكم الشاهد على الغائب في الباب الآخر فنقول إنا وإن كنا لم نشاهد عالماً بعلم إلا وقد جاز عليه الجهل، وبصيراً ببصر إلا وقد جاز عليه العمى، وسميعاً بالسمع إلا وقد جاز عليه الصمم أن يكون في الغائب عالم بعلم لا يجوز عليه الجهل وبصير بالبصر لا يجوز عليه العمى وسميع بالسمع لا يجوز عليه الصمم، وإلا فما الفصل ولا سبيل لهم إلا التفصيل بين الاستشهادين فاعرفه".

قال ابن تيمية: "فليتدبر المؤمن العليم كيف ألزم هؤلاء الزنادقة الملاحدة المنافقون الذين هم أكفر منا ليهود والنصارى ومشركي العرب كالمعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات نفي أسماء الله الحسنى…".

وقال القرمطي: "وأيضاً فمن نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت ولم يجرده عما لا صفة له ولا حد ولا نعت فقد أثبته بما لم يجرده عنه وإذا كان إثباته لمعبوده بنفي الصفة والحد والنعت فقد كان إثباته مهملاً غير معروف لأن ما لا صفة له ولا حد ولا نعت ليس هو الله بزعمه فقط بل هو والنفس والعقل وجميع الجواهر البسيطة من الملائكة وغيرهم.

والله تعالى أثبت من أن يكون إثباته مهملاً غير معلوم، فإذا الإثبات الذي يليق بمجد المبدع ولا يلحقها الإهمال هو نفي الصفة ونفي أن لا صفة ونفي الحد ونفي أن لا حد، لتبقى هذه العظمة لمبدع العالمين إذ لا يحتمل أن يكون معه لمخلوق شركة في هذا التقديس وامتنع أن يكون الإثبات من هذه الطريق مهملاً فاعرفه".

وتابع القرمطي: "فإن قال إن من شريطة القضايا المتناقضة أن يكون أحد طرفيها صدقاً والآخر كذباً فقولكم لا موصوفة ولا لا موصوفة قضيتان متناقضتان لابد لأحدهما من أن تكون صادقة والأخرى كاذبة.

يقال له – والكلام للقرمطي -: غلطت في معرفة القضايا المتناقضة وذلك أن القضايا المتناقضة أحد طرفي النقيض منه موجب والآخر سالب، فإن كانت القضية كلية موجبة كان نقيضها جزئية سالبة كقولنا كل إنسان حي وهي قضية كلية موجبة، نفيضه لا كل إنسان حي، فلما كان من شرط النقيض من أنه لابد من أن يكون أحد طرفيها موجبة والآخر سالبة رجعنا إلى قضيتنا في المبدع هل نجد فيها هذه الشريطة فوجدناها في كلتا طرفيها لم يوجب له شيئاً بل كلتا طرفيها سالبتان وهي قولنا لا موصوف ولا لا موصوف، فهي إذا لم يناقض بعضها بعضاً وإنما تناقض القضية في هذا الموضوع أن نقول له صفة وأن ليس له صفة أو نقول له حد وأن لا حد له، أو إنه في مكان وإنه لا في مكان، فيلزمنا حينئذ إثبات لاجتماع طرفي النقيض على الصدق، فأما إذا كانت القضيتان سالبتين إحداهما سلب الصفة اللاحقة بالجسمانيين والأخرى نفي الصفة اللازمة للروحانيين كان من ذلك تجريد الخالق عن سمات المربوبين وصفات المخلوقين".

وختم القرمطي مقالته بالقول: "فقد صح أن من نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت، واقع في التشبيه الخفي كما أن من وصفه وحده نعته واقع في التشبيه الجلي" اهـ.

من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: (شرح العقيدة الأصفهانية ص144-149، بتصرف)

يقال لهذا القرمطي: لا يشترط في نفي النقيضين أن يكون أحدهما سالباً والآخر إيجاباً؛ لأن الاصطلاح لا يغير حقائق الأشياء فإن كلمة (لا لا موصوف) تساوي كلمة (موصوف) في المعنى ضرورة أنه ما اجتمع نفيين إلا وتساقطا، كما في القاعدة المشهورة: "نفي النفي إثبات"؛ مثاله قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} فبدأت الآية باستفهام ونفي: {أَلَمْ} والجمع بين الاستفهام بالهمز والنفي يفيد التقرير (قد) والسبب في ذلك لأن الهمز يتضمن النفي، فاجتمع نفيان فتساقطا. وهذا أكبر دليل على فشل المنطق في فهم القواعد النحوية العربية المناظرة الكبرى بين متى بن يونس المتشبع بمنطق اليونان وبين أبي سعيد السيرافي؛ وهي مناظرة مشهورة ممتعة ذكرها التوحيدي في (الإمتاع والمؤانسة 1/108-129)، وعنه ياقوات في (معجم الأدباء 2/894-908) في ترجمة أبي سعيد السيرافي، وقارئها يتضح له إفلاس متى بن يونس، وعدم قدرته على فهم كلام العرب؛ لأنه اعتمد على المنطق ولم يعتمد على الأصل الصحيح لتلقي اللغة؛ وهو السماع ثم، الاستنباط؛ ومن ذلك أن أبا سعيد سأله: "إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟
قال: نعم.
قال: أخطأت، قل في هذا لموضع: بلى.
قال متى: بلى، أنا أقلدك في مثل هذا".
فلم يفهم مَتَّى أن نفي النفي إثبات، وهذا حد عقلي بحت.

وهذا ما لا يقدر المعطل أن يرد بمثله، إذ إن في هذا الكلام رداً على المعطلة أنفسهم التي تعتقد في الله بأنه "لا داخل العامل ولا خارجه، لا منفصل عنه ولا متصل به" ونحوها من رفع النقيضين، لذلك تسلطت القرامطة على المعطلة في المسألتين: قولهم بأن إثبات الصفات تشبيه الله بالجسمانيين، ونفي الصفات أيضاً تشبيه الله بالروحانيين، هذه مسألة. وبالتالي أوجبوا القول في الله بأنه لا موصوف ولا لا موصوف، وهذه المسألة الأخرى وهي لازمه للأولى.

وأسأل الله جل جلاله أن ينفعنا به، وأن يُقِرَّ العلم في قلوبنا، وأن لا يحجبه عنا ولا عن أحبابنا بذنوبنا ومعاصينا، كما أسأله سبحانه أن يلهمنا جميعاً كلمة التقوى، وأن يجعلنا من الدعاة إلى دينه وشريعة نبيه عليه الصلاة والسلام للناس أجمعين، إنّه سبحانه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله الطاهرين، وصحبه أجمعين، ومن تبعهم إلى يوم الدين.

هذا والله تعالى أعلم.

أخوكم/ أبو إبراهيم الرئيسي

الحجاج
08-20-2004, 11:19 AM
رائع بارك الله فيكم ونفع بكم.

المنهج
08-30-2004, 01:40 AM
بالصور.. كعبة القرامطة الموجودة قرب القطيف

http://www.sd-sunnah.com/vb/showthread.php?9809-%C8%C7%E1%D5%E6%D1..-%DF%DA%C8%C9-%C7%E1%DE%D1%C7%E3%D8%C9-%C7%E1%E3%E6%CC%E6%CF%C9-%DE%D1%C8-%C7%E1%DE%D8%ED%DD