المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أول الخلق أم خير الخلق؟



سلفي بكل فخر
04-26-2006, 11:29 AM
الأحاديث موضع البحث:
- (أنا أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً).
- (إن الله خلقني قبل النبيين وبعثني بعدهم فبدأ بي قبلهم).
- (إني عند ربي لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته).
- وسئل (صلى الله عليه وسلم) (متى كنت نبياً) قال (وآدم بين الماء والطين).
- (وأول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).

أما الحديث الأول: (أنا أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً). وهو مثل الحديث الآخر: (إن الله خلقني قبل النبيين وبعثني بعدهم فبدأ بي قبلهم)، ذكره بعض أهل العلم بمعنى قريب منه (انظر تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير 3/470) فالكلام فيهما واحد.
فالمرفوع منه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ضعيف، والأشبه أنه مرسل من قتادة رحمه الله ، ومع ذلك فلأهل العلم في بيان معناه كلام معروف لا إشكال معه.

وهذه الألفاظ جاءت في رواية الإمام أبي جعفر ابن جرير الطبري، في تفسير سورة سبحان، من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- في بعض روايات أحاديث الإسراء وهي مطولة جداً، قال ابن كثير –رحمه الله-: "وفيها غرابة" (تفسير القرآن العظيم 3/18)، وقد ساقها ابن جرير في تفسيره (15/6) من حديث:
علي بن سهل، حدثنا حجاج، حدثنا أبوجعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره. وقد ساق الأثر أيضاً في تهذيب الآثار من نفس الطريق برقم (727) 1/422.
وقد روى هذا الأثر أيضاً ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (3/373) من طريق جعفر بن أحمد بن عاصم ثنا هشام بن عمار ثنا بقية حدثني سعيد بن بشير حدثني قتادة عن الحسن عن أبي هريرة، ثم قال ابن عدي: "وهذا يرويه عن قتادة سعيد بن بشير وخليد بن دعلج، وقد ذكر رواية خليد بن دعلج له في الكامل من طريق البزار (3/49) عندما ذكر خليداً بلفظ (كنت أول الناس). ولكنه في سياق تفسير قول الله تعالى: (وإذ أخذ الله من النبيين ميثاقهم) الآية.

قال ابن كثير (التفسير 3/470): "قال ابن أبي حاتم, حدثنا أبو زرعة الدمشقي, حدثنا محمد بن بكار, حدثنا سعيد بن بشير, حدثني قتادة, عن الحسن, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم). سعيد بن بشير فيه ضعف؛ وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفاً والله أعلم".
وذكروا أن ابن أبي حاتم رواه في تفسيره كما ذكر السيوطي في الدر المنثور في الأحاديث المشتهرة، ولم أجده عنده في تفسير الآية، فليحقق.

وفي هذين السياقين ذكر أهل العلم الحديث فرواه أبوالقاسم الطبراني في مسند الشاميين (4/34) من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعاً.
ورواه تمام بن يحيى الرازي في فوائده (2/15) من طريق بشير, عن قتادة ,عن الحسن, عن أبي هريرة.
وراه الخلال في كتاب السنة (1/187) من طريق أبي جعفر الرازي.
ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/149) قال: أخبرنا عبدالوهاب بن عطاء ,عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال وأخبرنا عمر بن عاصم الكلابي, أخبرنا أبو هلال, عن قتادة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر نحوه (كنت أول الناس) هكذا مرسلاً، وكذلك ابن أبي شيبة روى نحوه (بدء بي في الخير وكنت آخرهم في البعث) مرسلاً عن قتادة (المصنف 6/322).
وهكذا رواه أبو نعيم في الدلائل ص6 مرسل عن قتادة وانظر البداية والنهاية 2/298.
أما الموقوف على قتادة فقد رواه ابن جرير في تفسير الآية 21/126:
فقال: حدثنا محمد بن بشار، قال ثنا سليمان، قال ثنا أبوهلال، قال: كان قتادة... وهذا إسناد جيد كالمرسل ولاتعارض بينهما، فقد كان قتادة رحمه الله من أئمة التفسير، فربما فسر الآية مراراً لمن حضره، وربما أرسل أحياناً.

ورواه غيرهم، وكلهم من إحدى الطريقين السابقين.
وبهذا يتبين أن موضع الشاهد جاء مرفوعاً من طريقين:
الأول طريق أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في زياداته على حديث الإسراء الطويل، وقد روى أبو جعفر الرازي عن الربيع مناكير، قال في مشاهير علماء الأمصار (1/126): "الربيع بن أنس بن زياد البكري سكن مرو، سمع أنس بن مالك، وكان راوية لأبى العالية، وكل ما في أخباره من المناكير إنما هي من جهة أبى جعفر الرازي".
قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (3/207): "ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في أحاديثه عنه اضطراباً كثيراً" وكلام ابن حبان –الذي أشار إليه الحافظ- في الثقات (4/228).
أما أبوجعفر وهو عيسى بن ماهان الرازي، فقد اختلف كلام أئمة الشأن فيه، بين مصحح ومضعف، والذي يظهر –والله أعلم- أن أحسن أحواله أن يكون كما قال الحافظ ابن حجر وهو أنه: "صدوق سيء الحفظ" (التقريب 629)، هذا في الجملة، ولكنه ضعيف في من أثرت له مناكير عنهم كأبي العالية، وقد قال ابن حبان: "كان ممن يتفرد بالمناكير عن المشاهير" (السير 7/348).
وهذا الحديث لم يروه عن الربيع بن أنس غيره، فلا يقبل تفرده به، فلربما أخطأ سيء الحفظ فأدخل طرفاً من حديث رجل في حديث آخر، فلهذا لايقبل تفرده، بل لابد أن يروي الأثر عن من رواه عنه آخر أقل أحواله أنه يكتب عنه، كيف وقد نص الحفاظ بأن كل رواية لأبي العالية منكرة فإنها من طريقه! ومن هنا يتبين وجه قول ابن كثير عن الأثر: "وفيه غرابة".

أما الطريق الأخرى المرفوعة فهي في معرض تفسير الآية: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم..) الآية، وهي أيضاً ضعيفة كما ذكر الحافظ ابن كثير، ولا تصلح شاهداً للأخرى، فهي من رواية خليد بن دعلج، وسعيد بن بشير عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، وهي طريق مليئة بالعلل القادحة، وإليك بعضها:
خليد بن دعلج ضعيف، ولاسيما إذا حدث عن قتادة فقد أثرت عنه مناكير (انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3/384)، وقد ضعفه أحمد ويحيى بن معين, وقال الدارقطني متروك، وقال ابن حبان كثير الخطأ، ورجح ابن حجر ضعفه, وكذلك الذهبي وغيرهم فمثله لايتابع على حديثه.
أما سعيد بن بشير, فالقول ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر. قال في التقريب 234: "لعل الأرجح فيه أنه ضعيف في روايته عن قتادة, ليس بالقوي، يكتب حديثه عن غيره" وقد قال ابن نمير (الجرح والتعديل 4/6) : "سعيد بن بشير منكر الحديث، وليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروى عن قتادة المنكرات"، وبهذا علم ضعف الأثر المرفوع من طريق قتادة، فسعيد ليس بشيء فيه، فلا ينجبر برواية غيره عنه، فكيف إذا كان الراوي الآخر عنه منكر حديثه عنه مع ضعفه.
ومن العلل في هذه الطريق أيضاً مخالفة خليد وسعيد لمن رووا هذا الأثر عن قتادة ممن هم أوثق منهما، كأبي هلال وسعيد بن أبي عروبة ، فخالف هؤلاء الثقات فرفعوه وبهذا تتحقق نكارة ماذكرا.
ومن علل هذا الحديث -التي يضعف بها ولو صح عن قتادة، وهو بعيد عند أهل الصناعة- أنه من رواية الحسن عن أبي هريرة، وقد نص الحفاظ على أنه لم يسمع منه (انظر سير أعلام النبلاء 4/566)، قال أبو زرعة الرازي -كما في المراسيل ص36: "لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره. فقيل له: فمن قال حدثنا أبو هريرة؟ قال: يخطىء.
وقال الإمام أحمد بن حنبل ( العلل ومعرفة الرجال ص144): "ثنا عفان، ثنا وهيب، قال: قال أيوب: لم يسمع الحسن من أبي هريرة" وقد ذكر غيرهم أنه سمع حديثاً واحداً فقط، وأما ما يذكر من تصريحه بالتحديث عمن قرر الأئمة عدم سماعه منهم، كأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم، فبعض المحققين من الأئمة على أنه خطأ منه أو من غيره، وبعض أئمة الشأن ذكر أنه كان يتأول التحديث عن أصحابه، وليس هذا موضع بسط الكلام في هذا، الشاهد لايدرى من أسقط الحسن بينه وبين أبي هريرة هنا ليقال يتقوى بغيره، فضلاً عن أنه لم يرد غيره مما يصلح للتقوي به، والله أعلم.
فالذي يظهر للمتأمل –والله أعلم بالصواب- أن الحديث بهذه الألفاظ ضعيف بل هو منكر، وقد ضعفه الألباني –رحمه الله- في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة2/115رقم(661).
ويظهر أنه مرسل من قتادة كما رواى الثقات عنه، وصح أيضاً عنه موقوفاً، وهو من تفسيره للقرآن، وقد كان قتادة من أئمة التفسير.
أما معنى الأثر:
أما معناه فقد قال أهل العلم فيه أقوالاً من أظهرها وأرجحها:
أن المراد بالخلق التقدير لا الإيجاد، وهو من معاني الخلق اللغوية المعروفة (انظر مختار الصحاح ص78 خ ل ق: يقال خلق الأديم إذا قدره قبل القطع، بل الأصل في معنى خلق قدر واستعمل في الإبداع[انظر التعريفات 1/324]). وهو الذي اختاره الغزالي قال المناوي (فيض القدير5/53): " وأما قول الحجة: المراد بالخلق التقدير لا الايجاد فإنه قبل ولادته لم يكن موجودا"، وهو قول جمع ممن يأتي بيانهم عند الكلام على الأحاديث التالية، وقد تعقبه السبكي –رحمه الله- (انظر فيض القدير للمناوي 5/53 و كشف الخفاء للعجلوني 2/170) فقال: "إن كان كذلك لم يختص". وهذا التعقب ليس بشيء, فلئن كان في السبق بالإيجاد العيني مزية واختصاص فالتقدير مثله، ولئن لم تكن له مزية سقط الاعتراض بالاختصاص، كما أن الاختصاص هنا له وجهه, فإنه مع التقدير والكتابة رفع ذكره-صلى الله عليه وسلم- وأظهر اسمه للملأ في ذلك الوقت كما سيأتي في كلام أهل العلم، وهذا وجه تشريف.
وقد زعم السبكي بعد أن أشار إلى رد القول بوجود النبي -صلى الله عليه وسلم- بجسمه في ذلك الوقت، أشار إلى أن المراد روحه، لما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد، وهذا غير مسلم به، يحتاج إلى إثبات ، وقد علمه أبوحامد الغزالي, وقرر غيره ورده، هذا وقد اعترف بعضهم بأنه لاسبيل لإثبات أن الروح سبقت الجسم بالأدلة العقلية ، فعلم بذلك أنه لاسبيل لتقرير هذا الزعم، بالشرع ولابالعقل، فالشرع أتى بخلافه، فإن الذي ثبت في حديث الصادق المصدوق, أن الروح تنفخ بعد أن يجمع الخلق ويستتم أربعين ثم أربعين ثم أربعين . كما أن الإنسان قبل خلقه ليس بشيء, والروح شيء، كما قال تعالى (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً).فالصواب ما ذكره أبوحامد الغزالي –رحمه الله- في معنى هذا الحديث, وسيأتي بإذن الله مزيد بيان لهذا الوجه عند ذكر الأحاديث الأخرى.
وأبعد من هذا, قول ابن عربي محي الدين, صاحب الفصوص والفتوحات المكية، وقد ساقه المناوي في فيض القدير (5/53), والتمس له تأويلاً بما يشبه القول الثاني الآتي, والذي ذكره أهل العلم في مثل هذا الأثر، وتأويل المناوي لكلام ابن عربي وجه غير الذي أراده ابن عربي، ومعنى غير الذي قرره في فصوصه وفتوحاته، والذي بناه على اعتقاد وحدة الحقيقة الوجودية، ولعله تأتي الإشارة إليه عند الكلام على حديث جابر (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).
القول الآخر في معنى هذا الحديث، ذكره الخلال بعد أن ساق الأثر, وهو قول الإمام أحمد قال: "أول النبيين يعني خلقاً (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) فبدأ به" (السنة للخلال 1/188) قال مجاهد: "هذا في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام" (تفسير القرطبي 14/127)، ذكره القرطبي بعد أن ذكر قول قتادة، وقد جاء في بعض طرق حديث (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد) الآتي، قوله صلى الله عليه وسلم: "حين أخذ مني الميثاق" (انظر طبقات ابن سعد 1/148 وقد أشار إليه في كشف الخفاء وفيض القدير والدر المنثور وغيرهم).

ولم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخلوقاً بجسده وروحه, موجوداً قبل ولادته فضلاً عن خلق الخلائق، ولو قاله لرد ولعازه الدليل الصحيح، بل الأدلة على خلاف هذا، وليس في ذلك نقص من مقامه-صلى الله عليه وسلم- كما أنه ليس لمن خلق أولاً فضل على من بعده لمجرد هذا.

سلفي بكل فخر
04-26-2006, 11:30 AM
أما الحديث الثالث: (إني عند ربي لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته).
وهو حديث العرباض بن سارية السلمي، وهو حديث مختلف في ثبوته بين الأئمة، قال ابن حجر في تعجيل المنفعة في ترجمة سعيد بن سويد الكلبي من رواة هذا الحديث 1/152: "وقال البخاري لم يصح حديثه يعني الذي رواه معاوية عنه مرفوعا(ً إني عبد الله وخاتم النبيين في أم الكتاب وآدم منجدل في طينته) وخالفه بن حبان والحاكم فصححاه". وقد قال الذهبي في تاريخ الإسلام: "وقد روينا بإسناد حسن- إن شاء الله- ثم ذكر الحديث" وقال شيخه ابن تيمية (الفتاوى 10/728): "وكذلك في حديث العرباض ابن سارية الذي رواه أحمد وهو حديث حسن عن النبى -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:( إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته) الحديث".
أما تأويله فواضح بيّن يأتي بعد بيان حكمه بإذن الله.
والذي يظهر للباحث المتأمل من طرق الحديث وألفاظه وما جاء في معناه أن فيه ضعفاً، ولكن موضع الشاهد بمعناه حسن، فقد جاء من حديث الترمذي وغيره (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)، وهو غير الحديث الآخر الباطل الذي فيه( وآدم بين الماء والطين) أو( ولا ماء ولا طين) فهو من وضع بعض الجهال، ويأتي بيانه بإذن الله.

تنبيه:
أما الجزء الأخير من الحديث الذي جاءت فيه هذه الألفاظ وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم..) فهو صحيح جاء بأسانيد جيدة، بغير الزيادة التي جاءت في بعض الروايات: (وهكذا أمهات الأنبياء يرين).

وقد روى هذا الحديث جمع من أهل العلم بألفاظ متقاربة منهم:
الإمام أحمد في المسند (4/127 و 128) قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا معاوية يعني ابن صالح, عن سعيد بن سويد الكلبي, عن عبد الله بن هلال السلمي, عن عرباض بن سارية قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:( إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته. وسأنبئكم بأول ذلك. دعوة أبي إبراهيم, وبشارة عيسى بي, ورؤيا أمي التي رأت, وكذلك أمهات النبيين ترين) حدثنا أبو العلاء وهو الحسن بن سوار قال: حدثنا ليث, عن معاوية, عن سعيد بن سويد, عن عبد الأعلى ابن هلال السلمي, عن عرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:( إني عبد الله وخاتم النبيين) فذكر مثله, وزاد فيه أن أم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام. وقد جاءت روايات أخرى (عند الله لخاتم النبيين...)، والأكثرون يروونه (إني عبدالله)، وهو الأقرب، وكأن (عبد) تصحفت إلى (عند) عند بعضهم.

وقد رواه أيضاً الحاكم في مستدركه 2/656، وابن حبان في صحيحه 14/313، وذكره الهيثمي في موارد الظمآن 1/512، والطبراني في الكبير 18/252 وفي مسند الشاميين 2/340، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/236، والطبري في تفسيره 1/556 كذلك 28/87، والبيهقي في الشعب 2/134، ورواه ابن أبي عاصم في السنة 1/179، وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير 6/68 والصغير 1/13والأوسط، وأبونعيم في الحلية 6/90، وابن سعد في الطبقات الكبرى 1/190، ورواه النميري في أخبار المدينة 1/335، والفسوي في المعرفة والتاريخ 2/201، ورواه أبوالقاسم في تاريخ مدينة دمشق 1/168 و 21/99، ورواه البزار، وابن مرداويه، وهو عند جمع غير هؤلاء، كلهم من إحدى طريقي الإمام أحمد أعني سعيد بن سويد عن عبدالله أو عبدالأعلى، أو من طريق سعيد بن سويد عن العرباض بغير واسطة، ورواه ابن شاهين في دلائل النبوة عن الأوزاعي مرسلاً، وكذلك روى أبو نعيم بسند منكر أنه جواب لسؤال عمر، بنحو الحديث التالي، ولكن لفظه (وآدم منجدل في طينته). وقد ذكر الأخيرين ابن كثير في البداية والنهاية.
أما طريق سعيد بن سويد عن عبدالأعلى فهو في روايات معاوية بن صالح عنه (وقد رواه عنه الليث بن سعد، وعبدالرحمن بن مهدي، وعبدالله بن وهب وعبدالله بن صالح)، وجاءت كذلك في رواية عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد، وهي غريبة ذكرها في تاريخ مدينة دمشق والتفرد في هذا الطريق في كل الطبقات، وعامة الرواة يذكرونها عن معاوية بن صالح أو ابن أبي مريم، وفي جميع الطرق عن معاوية بن صالح جاء بلفظ (إني عبد الله) إلاّ في طريق عبدالله ابن وهب عند الطبري (28/87)، وابن حبان في الصحيح (14/312)، والذي يظهر أن هذا تصحيف، فقد ذكره ابن حبان في الثقات (5/128) بلفظ (عبدالله) في ترجمة عبدالأعلى، كما أن حرملة بن يحيى وإبراهيم بن المنذر روياه عن ابن وهب بلفظ (عبدالله) كما في تاريخ مدينة دمشق (21/99) و أخبار المدينة للنميري (1/335).
وهو في تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (1/185، 3/495، 4/361) بلفظ (عند الله) معزواً لمسند أحمد من الطريق التي ذُكرت في المسند (4/127)، ولعل هذا تصحيف آخر من النساخ فما في اليمنية المثبت المطبوع هو (عبدالله)، كما أن الإمام أحمد رواه في موضعين آخرين بلفظ (عبدالله). والخلاف يسير فالمعنى قريب إن شاء الله.

أما أبوبكر بن أبي مريم فأسقط في روايته عبدالأعلى، فكل من روى الحديث من طريقه لم يذكره فدل ذلك على ابن أبي مريم هو من أسقط عبدالأعلى.والأصح رواية معاوية بن صالح وهو ابن حيدر بن سعيد بن سعد بن فهر الحضرمي الشامي الحمصي، فهو من الثقات بخلاف بكير بن عبدالله بن أبي مريم فهو ضعيف (انظر الجرح والتعديل 2/404).

وأما عبدالله أو عبدالأعلى بن هلال السلمي، وهو الصواب في اسمه كما قاله عبدالله بن الإمام أحمد (المسند 4/128) وكذا قال ابن حجر في إتحاف المهرة (11/145).
فقد ذكره ابن حبان في الثقات (5/128) برقم 4186، ولم أجد من وثقه، بل وجدت الحسيني يذكر أنه مجهول (الإكمال للحسيني 1/251).

ومعروفٌ ابن حبان بتفرده عن الجمهور بتوثيق من لم يعرف فيه جرح، وهو المجهول أو مستور الحال عند الجمهور، ولكن الذي يخفف من وطأة هذا هو أن الراوي إذا روى عنه ثقتان فالأظهر انتفاء الجهالة عنه أو كانت جهالته يسيرة كما قرر جمع من الحفاظ وقد نص على ذلك ابن القيم في زاد المعاد 5/38، وذكره الإمام الدار قطني في سننه3/174 وغيرهم جمع من المتقدمين والمتأخرين كالمزي والذهبي، ورجح ابن حجر أنه إذا روى عنه ثقتان ولم يوثق فمستور الحال، وهذه مسألة شائكة؛ أعني من روى عنه الثقات ولم يؤثر فيه كلام بجرح أو تعديل ولم يأت بما يستنكر ويخالف هل يكون مستور الحال كما قال ابن حجر (النزهة 53) وعليه جل المتأخرين، أو ترتفع عنه الجهالة مطلقاً كما نص عليه جمع من الأئمة والنقاد، وبغض النظر عن الراجح في مثل هذا؛ أعجبتني كلمة للشريف حاتم العوني، قال في (المرسل الخفي 1/375-377): " وإذا لم نجد في شيوخ التابعين أو المخضرمين توثيقا، ولا تجريحا، منصوصا عليه فإن لهذه الطبقة العليا، والصدر الأول من التابعين، ميزة على غيرهم، لعدم فشو الكذب فيهم، ولجلالة طبقتهم ، إلى قول ابن الصلاح: "يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي ، في كثير من كتب الحديث المشهورة ، في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم ، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم".
ثم قال: "ولا يشك من لاحظ سياق ابن الصلاح ، أن (العمل) الذي جاء في كلامه ، أو كما قال: (العمل على هذا الرأي) هو رأي من احتج برواية المستور. حيث ذكر ابن الصلاح قبل كلامه السابق كلاما لسليم بن أيوب الرازي (ت 447هـ) في الاستدلال لمن احتج بحديث المستور.
لذلك أقول: إن من فهم كلام ابن الصلاح على غير الذي ذكرناه، وفسر (العمل) الوارد بغير الاحتجاج فإنه واهم! ((انظر رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل لعداب محمود الحمش 222)).
وهذا الفهم لكلام ابن الصلاح سبق إليه الحافظ المحقق عماد الدين ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) وكفى به.
وسيأتي كلام ابن كثير بعد أسطر.
ونعود إلى مسألة الاحتجاج بكبار التابعين فهذا الإمام الذهبي يقول في آخر كتابه (ديوان الضعفاء): "وأما المجهولون من الرواة: فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أواسطهم ، احتمل حديثه ، وتلقي حديثه بحسن الظن ، إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ. وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين ، فيتأنى في رواية خبره ، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي عنه، وتحريه، وعدم ذلك. وإن كان المجهول من أتباع التابعين، فمن بعدهم فهو أضعف لخبره سيما إذا انفرد به".
فهذا كلام في معاملة المجاهيل ، وطبقاتهم في الاحتجاج يكتب بماء الذهب ويفرح به الحديثي فرحاً جماً!
وقال الحافظ ابن كثير أيضا في (اختصار علوم الحديث): "فأما المبهم الذي لم يسم, أو من سمي ولا تعرف عينه, فهذا ممن لا يقبل روايته أحد علمناه ، ولكنه إذا كان في عصر التابعين ، والقرون المشهود لهم بالخير فإنه يستأنس بروايته ، ويستضاء بها في مواطن".
قلت: وتنبه -أخي- أنه يتكلم عن (مجهول العين) ومع ذلك جعله ممن يستأنس بروايته ، فإذا كان من مجهولي الحال ومن التابعين, فلا شك أنه سيرتفع عند ابن كثير عن مجرد الاستئناس.
والمسألة لم تزل في حاجة إلى دراسة تستجلي بقية جوانبها ، وتضع لنا قاعدة واضحة في حكم الجهالة في طبقة كبار التابعين.
وكل ما أستطيع الجزم به هنا, هو أن لهذه الطبقة –من كبار التابعين- ميزة لا يصح معها أن يلحق الرواي عنهم لوم أو عيب في أقل تقدير!!"أهـ عن المرسل الخفي 1/375-377.
فمثل هذا مما يستأنس به هنا وبخاصة أن عبدالأعلى من الطبقة الوسطى من التابعين وهؤلاء يشملهم كلام الذهبي السابق وابن كثير.
ولكن إذا تجاوز الباحث –بشق الأنفس كما ترى- ما قرره المتأخرون في مثل عبدالأعلى، فإنه مضطر للوقوف أمام البخاري وابن عدي، لما قرراه في سعيد بن سويد الكلبي، قال ابن حجر (لسان الميزان 3/33): " سعيد بن سويد روى عنه عمرو بن مرة، ذكره بن عدى مختصراً وقال البخاري لا يتابع في حديثه انتهى، وذكره بن حبان في الثقات وقال يروى عنه معاوية قلت قال بن أبي حاتم روى عن عمر بن عبد العزيز وعبد الأعلى بن هلال وعنه معاوية بن صالح وأبو بكر بن أبي مريم" (وانظر ميزان الاعتدال للذهبي 3/212) وقد ذكر قول البخاري ابن عدي في الكامل في الضعفاء (3/408)، بالإضافة لكونه روى ما لايتابع عليه كما قال البخاري في حديث صلى بنا معاوية الجمعة بضحى (انظر التاريخ الكبير رقم (1594) 3/477).
فالذي يظهر أن الأقرب فيه ما ذكره البخاري رحمه الله.
أما معنى الحديث:
(لمنجدل في طينته): منجدل: أي ملقى على الجدالة, وهي الأرض (انظر غريب الحديث لابن الجوزي 1/144). ولذلك قال الخطابي:( أي مطروح على وجه الأرض, صورة من طين) (انظر غريب الحديث للخطابي 2/156).
ولا يفهم من قوله (عبدالله لخاتم النبيين) أو (عند الله لخاتم) أنه مخلوق، فلم يقل النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه: (مخلوق عند الله)، ولم يفهم هذا المعنى أحد من أهل العلم ولا قالوا به، ولو كان هو المراد لما كان لقوله:( خاتم النبيين معنى) ولأصبح المعنى (أنا مخلوق عندالله خاتم النبيين) فيه حشو وركاكة بذكر ختام النبوة ظاهر، وكيف يكون المراد أنه -صلى الله عليه وسلم- موجود نبياً مرسلاً، وخليل الرحمن إبراهيم- عليه السلام- يجهل هذا ويدعو: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم)!
ولكن المعنى أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- عند الله عزوجل مقدر ومكتوب أنه نبي, بل خاتم النبيين وآدم في تلك الحال, ومنذ ذلك الوقت أعلن اسمه ورفع ذكره، وبهذا جاء النص الذي لامحيد عنه: (عند الله مكتوب) كما في لفظ هذا الحديث عند ابن حبان, والطبري الذي ساقه في التفسير. وجاء أيضاً عنده (عندالله في أم الكتاب) وهو كذلك في حلية الأولياء لأبي نعيم وكذلك في السنة وغيرها، وفي المستدرك (عند الله في أول الكتاب). الشاهد أن هذه التقيدات للنص تحكم بأن قوله (عند الله) أو (عبدالله لخاتم النبيين) إنما هو في التقدير والكتابة في أم الكتاب لنبوته- صلى الله عليه وسلم-. وهذا ضرب من وجود الأعيان في الصحف كتابة, وهو غير وجودها في الخارج، ومثاله كتابة رزق المولود يوم أن يستتم جمعه في بطن أمه، ومثاله أيضاً قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، فلم يقل عاقل أنه كان موجوداً بعينه في الخارج يوم أنزلت التوراة، وبهذا يزول الإشكال وهو الذي جاء به النص، فإن قيل أن الله قدر محمداً –صلى الله عليه وسلم- نبياً قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في الصحيح: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء)، فكيف يقال قدر ثانية! فيجاب على ذلك بأنه قد تقرر أن التقدير منه ما هو عمري ومنه ماهو سنوي ومنه ما هو يومي ، ومنه أنواع أخرى ثم إن هذا التقدير لحكمة، قال شيخ الإسلام (الفتاوى 12/387): "والتقدير والكتابة تكون تفصيلاً بعد جملة فالله تعالى لما قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة،لم يظهر ذلك التقدير للملائكة، ولما خلق آدم قبل أن ينفخ فيه الروح أظهر لهم ما قدره، كما يظهر لهم ذلك من كل مولود كما في الصحيح عن ابن مسعود عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقى أو سعيد) وفي .. وفى رواية (ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات؛ فيقال اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح) فأخبر في هذا الحديث الصحيح أن الملك يؤمر بكتابة رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد بعد خلق جسد بن آدم وقبل نفخ الروح فيه فكان ما كتبه الله من نبوة محمد الذي هو سيد ولد آدم، بعد خلق جسد آدم، وقبل نفخ الروح فيه من هذا الجنس، كما في الحديث الآخر الذي في المسند وغيره عن العرباض بن سارية عن الني صلى الله عليه وسلم، قال: (إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته)".
وإليك طرف من كلام أهل العلم في هذا:
قال ابن كثير- رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم) الآية، (التفسير 1/185): " وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد -صلوات الله وسلامه عليه- رسولا في الأميين, إليهم وإلى سائر الأعجميين من الإنس والجن, كما قال الإمام أحمد" ثم ذكر الحديث الآنف. وذكر كذلك في البداية والنهاية في كتاب مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما في الملأ الأعلى ، فقد كان أمره مشهورا مذكورا معلوما من قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام كما قال الإمام أحمد" وذكر الحديث.
قال ابن حبان في صحيحه 14/312 عند ذكر هذا الحديث: باب كتابة الله عنده محمداً -صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين.
وفي شعب الإيمان للبيهقي 2/134: " قال البيهقي- رحمه الله- ورواه أبو بكر بن أبي مريم, عن سويد بن سعيد, عن العرباض, عن النبي- صلى الله عليه وسلم-:( إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين) وإنما أراد- والله أعلم- أنه كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون آدم عليه السلام".
قال ابن القيم في الجواب الصحيح 3/381-382: " ومراده أن الله كتب نبوته وأظهرها وذكر اسمه, ولهذا جعل ذلك في ذلك الوقت بعد خلق جسد آدم, وقبل نفخ الروح فيه,كما يكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقي هو أو سعيد بعد خلق جسده, وقبل نفخ الروح فيه". وانظر هداية الحيارى لابن القيم 1/66.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية 2/149: " ومحمد سيد ولد آدم, فهو أعظم الذرية قدرا,وأرفعهم ذكرا, فأخبر أنه كتب نبيا حينئذ, وكتابة نبوته هو معنى كون نبوته، فإنه كون في التقدير الكتابي، ليس كوناً في الوجود العيني، إذ نبوته لم يكن وجودها حتى نبأه الله تعالى على رأس أربعين سنة من عمره، كما قال تعالى له: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان)، وقال: (ألم يجدك يتيما فآوى  ووجدك ضالاً فهدى)، وقال: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين)، ولذلك جاء هذا المعنى مفسراً فى حديث العرباض بن سارية" ثم ذكره وذكر طرقه، وقال أيضاً في الفتاوى(10/728) معلقاً على الحديث: " فكتب الله وقدر في ذلك الوقت وفى تلك الحال أمر إمام الذرية, كما كتب حال المولود من ذرية آدم بين خلق جسده ونفخ الروح فيه, كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود".
ونصوص أهل العلم في هذا المعنى كثيرة وفيما ذكر كفاية.

ومما يزيد الأمر جلاءً حديث: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)، وهو حديث صحيح ، بخلاف الحديث الآخر: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)، والآخر (كنت نبياً ولا ماء ولاطين)، أو (كنت نبياً وآدم منحل في طينته) فإنها لاأصل لها.
الشاهد قوله- صلى الله عليه وسلم-:( كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد) جاء جواباً لسؤال توضحه رواية الترمذي للأثر. قال:( عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قالوا يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ قال: (وآدم بين الروح والجسد).
ومعنى الحديث:
كالذي قبله، قال عبدالله الصديق الغماري في رسالته مرشد الحائر معلقاً على هذا الحديث: "وهو يفيد أن معنى كونه نبيًّا: إظهار ذلك في العالم العلوي قبل نفخ الروح في آدم عليه السلام.
وقد بيَّن الحديث أيضًا سر إعلان نبوته في ذلك العهد وانه يرجع إلى أمرين اختص بهما:
أحدهما: أنه سيد ولد آدم.
والآخر: أنه خاتم الأنبياء، وأيَّد ذلك بما ذكره من بشارة إبراهيم وعيسى به عليهم الصلاة والسلام.
والأنبياء جميعًا نبوتهم ثابتة في تقدير الله وقضائه، لكن لم يَرد في خبر أن الله تعالى أظهر نبوة أحد منهم بالتعيين قبل خلق ءادم، فلم يكن ذلك إلاّ لنبيّنا صلى الله عليه وسلم وهذا سر قوله: "كنت نبيًّا وءادم بين الروح والجسد" أي أن حملة العرش والملائكة عرفوا اسمه ونبوته قبل خلق آدم عليه السلام، وهم لم يعرفوا آدم إلاّ بعد خلقه.
وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 10/56: " قوله متى وجبت لك النبوة أي: ثبتت، قال:( وآدم بين الروح والجسد)، أي وجبت لي النبوة, والحال أن آدم مطروح على الأرض صورة بلا روح، والمعنى أنه قبل تعلق روحه بجسده. قال الطيبي: هو جواب لقولهم متى وجبت؟ أي وجبت في هذه الحالة. فعامل الحال وصاحبها محذوفان".
وهذا الإيجاب بما كتب في القدر. فقد جاء الحديث في بعض طرقه بلفظ (متى كتبت نبياً) كما عند الطبراني، ومسند الروياني، وغيرها.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (18/369) :" وقوله: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)، وفى لفظ (كتبت نبياً) كقوله: (إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته)، فإن الله بعد خلق جسد آدم، وقبل نفخ الروح فيه، كتب وأظهر ما سيكون من ذريته، فكتب نبوة محمد وأظهرها، كما ثبت في الصحيحين عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات؛ فيقال أكتب رزقه, وأجله, وعمله, وشقى أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)، فقد أخبر أنه بعد أن يخلق بدن الجنين في بطن أمه، وقبل نفخ الروح فيه، يكتب رزقه, وأجله, وعمله, وشقى أو سعيد. فهكذا كتب خبر سيد ولد آدم، وآدم منجدل في طينته قبل أن ينفخ الروح".
تنبيه:
روى هذا الحديث هدبة بن خالد فقال: نا حماد بن سلمة, نا خالد الحذاء, عن عبدالله بن شقيق, عن رجل بلفظ: (متى بعثت نبياً) قال: (وآدم بين الروح والجسد). [انظر الآحاد والمثاني 5/347 و السنة 1/179].
والذي يظهر للباحث المتأمل أن هذه اللفظة (بعثت) خطأ شذ به هدبة بن خالد -رحمه الله- لم يتابعه فيه أحد، فهدبة, وإن كان ثقة لم يضعفه غير النسائي, وتضعيف النسائي له غريب، فقد خالفه الجماعة ممن رووا هذا الحديث عن حماد بن سلمة، منهم سريج بن النعمان كما في المسند 4/66 و 5/379، وعفان بن مسلم, وعمرو بن عاصم كما طبقات ابن سعد الكبرى 1/148، فهؤلاء ثلاثتهم خالفوا هدبة في روايتهم عن حماد,فرواه سريج بلفظ (متى جعلت نبياً) ، ورواه الآخران بلفظ (متى كنت نبياً) وهكذا رواه جمع من غير طريق حماد بن سلمة، وحديث سريج بمعناه، والله أعلم.
ولو صح أن لفظ (بعثت) محفوظ فيفسر معناه الأحاديث الأخرى فيكون المعنى: متى أبرز اسمك, وأعلنت نبوتك؟ فأجاب- صلى الله عليه وسلم-: (وآدم بين الروح والجسد). أي كنت نبياً مقدراً ومكتوباً أعلن ذلك وأذيع، وآدم في تلك الحال. كما صحت بذلك الروايات الأخرى. فتكون مبينة لهذه، والله أعلم.

سلفي بكل فخر
04-26-2006, 11:31 AM
أما الحديث الآخر الذي يروونه بلفظ: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)، ومثله (كنت نبياً ولا آدم ولا ماء ولاطين) فحديث باطل موضوع لا أصل له, ولايستقيم مع عقل.
وقد زعم العلقمي في شرح الجامع الصغير أنه صحيح. ولعله اختلط عليه مع حديث (وآدم بين الروح والجسد)، كما اختلط على المناوي في فيض القدير, فظن أن معناهما واحد, فصححه به. والصحيح أن حديث (وآدم بين الماء والطين) أو (ولا آدم ولا ماء ولا طين) ليس له سند, ولم يخرجه من أهل العلم أحد.
وهذا بعض كلام أهل العلم فيه:
قال السخاوي في المقاصد الحسنة: "وأما الذي على الألسنة بلفظ: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) فلم نقف عليه بهذا اللفظ، فضلاً عن زيادة: (كنت نبياً ولا آدم ولا ماء ولا طين)".
قال المباركفوري بعد أن نقل كلام السخاوي في التحفة عن المرقاة 10/56: "وقال الزركشي: لا أصل له بهذا اللفظ" وكلام الزركشي نقله أيضاً علي القاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص142، ثم ذكر صاحب التحفة كلام السيوطي, وهو في الدر المنثور في الأحاديث المشتهرة قائلاً: "قال السيوطي: وزاد العوام (ولا آدم, ولا ماء, ولا طين) ولا أصل له أيضاً" .
مما قيل في بطلان معناه:
قال شيخ الإسلام (الفتاوى 2/147): " وأما ما يرويه هؤلاء الجهال كابن عربى فى الفصوص، وغيره من جهال العامة (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين)، (كنت نبيا ولا آدم, ولا ماء, ولا طين)، فهذا لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين، ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ، بل هو باطل. فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الله خلقه من تراب، وخلط التراب بالماء حتى صار طيناً، وأيبس الطين حتى صار صلصالاً كالفخار، فلم يكن له حال بين الماء والطين مركب من الماء والطين، ولو قيل بين الماء والتراب لكان أبعد عن المحال، مع أن هذه الحال لا اختصاص لها وإنما قال: (بين الروح والجسد)، وقال: (وإن آدم لمنجدل في طينته) لأن جسد آدم بقى أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه، كما قال تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً)، وقال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)، وقال تعالى: (الذى أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين  ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين  ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون)..."

قال عبدالله الغماري في مرشد الحائر بعد أن نبه على أن هذا الحديث لا أصل له:
"وما يوجد في كتب المولد النبويّ من أحاديث لا خطام لها ولا زمام، هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فتحرم قراءة تلك الكتب، ولا يقبل الاعتذار عنها بأنّها في الفضائل لأن الفضائل يتساهل فيها برواية الضعيف، أمّا الحديث المكذوب فلا يقبل في الفضائل إجماعًا، بل تحرم روايته إلا مع بيان أنه موضوع.
والنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: (من حدّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)
يرى بضم الياء: معناه يظن.
ويقول: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)
وفضل النبي صلى الله عليه وسلم ثابت في القرءان الكريم، والأحاديث الصحيحة، وهو في غنى عما يقال فيه من الكذب والغلو، وقال صلى الله عليه وسلم: (لاتطروني كما أطرت النصارى عيسى فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)." أهـ كلام الغماري.
أما الحديث الأخير: (وأول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)، والمنسوب لمصنف عبدالرزاق كذباً وزوراً، فهو حديث موضوع، نبه على ذلك جمع وكتبوا فيه.
مع العلم أن في هؤلاء المؤلفين فيهم السلفي والأشعري ومن فيه تجهم! وكلهم على وضعه، ولم يقل به إلاّ دعاة وحدة الوجود، والاتحادية، ومن قلدهم من الجهال، وممن نبه على وضعه:
عبدالله الصديق الغماري، في رسالة بعنوان: "مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر".
وحسن السقاف، وله إرشاد العاثر لوضع حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر.
وكذلك هناك رسالة لأبي عمر محمد العطايا، حول هذا الحديث، وقد استفدت منها في النقل هنا.
ومحمد أحمد عبدالقادر الشنقيطي، في تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق.
وكذلك رسالة (النور المحمدي) لعداب الحمش.
وهناك من تعرض له في معرض حديثه كالصادق محمد إبراهيم في رسالته " خصائص المصطفى بين الغلو والجفا".
أما نص الحديث فهو: عن جابر-رضي الله عنه-قال : سألت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عن أول شئ خلقه الله تعالى؟ فقال: ((هو نور نبيك يا جابر؛ خلقه الله ثم خلق فيه كل خير وخلق بعده كل شئ ، وحين خلقه أقامه قدامه من مقام القرب اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أقسام: فخلق العرش من قسم، والكرسي من قسم، وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم .
وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثني عشر ألف سنة ، ثم جعله أربعة أقسام: فخلق القلم من قسم ، واللوح من قسم ، والجنة من قسم ، وأقام القسم الرابع في مقام الخوف اثني عشر ألف سنة ، ثم جعله أربعة أجزاء : فخلق الملائكة من جزء ، والشمس من جزء ، القمر والكواكب من جزء .
وأقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثني عشر ألف سنة ، ثم جعله أربعة أجزاء : فخلق العقل من جزء ، والعلم والحكمة من جزء ، والعصمة والتوفيق من جزء .
وأقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثني عشر ألف سنة ، ثم نظر الله -عز وجل- إليه، فترشح النور عرقاً ، فقطر منه مائة ألف أربعة وعشرون ألف قطرة من النور ، فخلق الله من كل قطرة روح نبي أو روح رسول ، ثم تنفست أرواح الأنبياء ، فخلق الله من أنفاسهم الأولياء والشهداء والسعداء والمطيعين إلى يوم القيامة ، فالعرش والكرسي من نوري ، والكروبيون من نوري ، والروحانيون والملائكة من نوري ، والجنة وما فيها من النعيم من نوري ، وملائكة السموات السبع من نوري ، والشمس والقمر والكواكب من نوري ، والعقل والتوفيق من نوري ، وأرواح الرسل والأنبياء من نوري ، والشهداء والسعداء والصالحون من نتاج نوري .
ثم خلق الله اثني عشر ألف حجاب فأقام الله نوري، وهو الجزء الرابع في كل حجاب ألف سنة ، وهي مقامات العبودية والسكينة والصبر والصدق واليقين ، فغمس الله ذلك النور في كل حجاب ألف سنة ، فلما أخرج الله النور من الحجب ركبه الله في الأرض ، فكان يضيء منها ما بين المشرق والمغرب كالسراج في الليل المظلم .
ثم خلق الله آدم من الأرض فركب فيه النور في جبينه ، ثم انتقل منه إلى شيث ، وكان ينتقل من طاهر إلى طيب ، ومن طيب إلى طاهر إلى أن أوصله الله صلب عبد الله بن عبد المطلب ، ومنه إلى رحم أمي آمنة بنت وهب ، ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين, وخاتم النبيين ، ورحمة للعلمين ، وقائد الغر المحجلين.
هكذاكان بدء خلق نبيك يا جابر)) .
قال عبدالله الغماري: وقد ذكره بتمامه ابن العربي الحاتمي في كتاب "تلقيح الأذهان ومفتاح معرفة الإنسان"، والديار بكري في كتاب "الخميس في تاريخ أنفس نفيس". وعزْوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ، لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره. وقال الحافظ السيوطي في الحاوي:"ليس له إسناد يعتمد عليه" أ.هـ.، وهو حديث موضوع جزمًا، وفيه اصطلاحات المتصوفة، وبعض الشناقطة المعاصرين ركّب له إسنادًا فذكر أن عبد الرزاق رواه من طريق ابن المنكدر عن جابر وهذا كذب يأثم عليه.
قلت: وممن أخطأ فعزاه لعبدالرزاق العجلوني في كشف الخفاء، وقد اعتمد على إحالة صاحب المواهب .
وقال أبو عمر –في بحثه المشار إليه- : " وعزاه لـ(مصنف عبد الرزاق) : السيوطيُّ في الخصائص الكبرى والقسطلاني وابن عربي الصوفي وأحمد رضا البريلوي ومحمد عثمان عبده البرهاني وجماعة آخرون من المتصوفة ، وذكره الديار بكري في "الخميس في سيرة أنفس نفيس" .
ولم أقف عليه في شيء من كتب الحديث حتى كتب الموضوعات بل مصنف عبد الرزاق فالعزو إليه إما وَهم، وإما خلط بحديث آخر يأتي ذكره –إن شاء الله تعالى- في موضوع مستقل ، وإما محض كذب وافتراء . والله أعلم".
قال السيوطي في الحاوي (1/223-225): والحديث المذكور في السؤال ليس له إسناد يعتمد عليه.
وعقب على هذا الكلام عبدالله الغماري (في ملحق قصيدة البردة ص75) قائلاً: " وهو تساهل قبيح بل الحديث ظاهر الوضع ، واضح النكارة … "إلى أن قال: "والعجب أن السيوطي عزاه إلى عبد الرزاق مع أنه لا يوجد في مصنفه ولا تفسيره ولاجامعه وأعجب من هذا أن بعض الشناقطة صدق هذا العزو المخطيء فركب له إسناداً من عبد الرزاق إلى جابر، ويعلم الله أن هذا كله لا أصل له فجابر -رضي الله عنه- بريء من رواية هذا الحديث وعبد الرزاق لم يسمع به"، وذكر في الحاشية أن المنصوص عن عبدالرزاق في تفسيره أن أول الأشياء وجوداً الماء.
وقال أحمد بن الصديق الغماري: مستدركاً على السيوطي-أيضاً-: (وهو حديث موضوع لو ذكره بتمامه لما شك الواقف عليه في وضعه، وبقيته تقع في ورقتين من القطع الكبير؛ مشتملة على ألفاظ ركيكة، ومعان منكرة) .
ووافقه على وضعه الأستاذ عبد الله الهرري بعد أن أورد عبارة أحمد الغماري في كتابه الدليل القويم ص/180 وقال عقبه: "وهو جدير بكونه موضوعًا".
وبعض الدجاجلة ينسبه لمسند أحمد، ولا أخاله من الألف ألف حديث التي اختار منها المسند، وبعضهم يزعم أنه حصل عليه عن طريق الكشف، وقد علق الغماري على ذلك بقوله: "وقد ادعى بعضهم أيضًا أن هذا الحديث أي حديث جابر المفتعل صحّ كشفًا. فهذا كلام لا معنى له لأن الكشف الذي يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عبرة به". وقد بين مخالفته للقرآن والسنة بقوله:"أقول: هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم)، ومخالف للحديث الذي رواه البخاري والبيهقي وابن الجارود عن عمران بن حصين أن أهل اليمن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله جئناك لنتفقّه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان، قال: "كان الله ولم يكن شىء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شىء، ثم خلق السموات والأرض"، وللحديث الذي رواه ابن ماجه وابن حبّان أن أبا هريرة قال: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرَّت عيني فأنبئني عن كل شىء قال: "إن الله تعالى خلق كل شىء من الماء"، وللحديث الذي رواه السُّدّي الكبير عن ابن عبّاس موقوفًا: "ما خلق الله تعالى شيئًا مما خلق قبل الماء".
الشاهد أن هذا الحديث لاسند له إلاّ سند مركب محدث، لاوجود له في كتب أهل العلم المسندة، لا صحيحها ولا ضعيفها..
ولم يقل بما فيه أحد من أهل العلم سلفيهم، وأشعريهم، بل ومن فيهم شيء من التجهم والاعتزال.
ما قال به إلاّ الجهمية الكبرى من أهل وحدة الوجود ومن قلدهم من جهال المتصوفة أو نقل عنهم، وهو دليل عندهم على أن كل ما في الوجود واحد في أصله، ومن هؤلاء ابن عربي محي الدين صاحب فصوص الحكم، والفتوحات المكية، والإدريسية، فقد تمسك بهذا الحديث الموضوع وخلطه بموضوعات أخرى مثل حديث (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) الذي سبقت الإشارة إليه، واستدل به على مذهبه، فزعم أن حديث( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) إشارة إلى أن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة, فلما انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى وجود جسمه, وارتباط الروح به, انتقل حكم الزمان في جريانه إلى الاسم الظاهر, فظهر بذاته جسما وروحا" ولو اكتفى بهذا لصح التماس العذر له في أن مراده قولاً قريباً من قول السبكي كما زعم المناوي- رحمه الله- ولكنه صرح عن مراده بقوله في الفتوحات: " فكان الحكم له باطنا أو في كل ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل ثم صار الحكم له ظاهرا فنسخ كل شرع أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين وإن كان الشرع واحدا, وآدم بين الروح والجسد" ثم زاد في التصريح فقال: " فكل بني آدم من لدن آدم إلى آخر نبي, ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود, وهو قوله كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" ثم ضرب مثالاً قائلاً: " وبهذا العلم سمي شيث لأنه معناه هبة الله فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها ونسبها, فإن الله وهبه لآدم أول ما وهبه, وما وهبه إلا منه, لأن الولد سر أبيه فمنه خرج وإليه عاد, فما أباه غريب لمن عقل عن الله. وكل عطاء في الكون على هذا المجرى. فما في أحد من الله شيء, وما في أحد من سوى نفسه شيء وإن تنوعت عليه الصور" ثم صرح بمراده بأبين من هذا لمّا قال: " فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقى إليه ما لم يكن عنده من المعارف وتحنه ما لم يكن قبل ذلك في يده فتلك الصورة عينه لا غيره, فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه" وقد قال في الفتوحات: "ولما رأينا أن النهاية أشرف من البداية، قلنا من عرف نفسه عرف ربه، والاسم سلم للمسمى، ولما علمنا أن روح الرحيم عمل في روح (باسم) لكونه نبياً وآدم بين الماء والطين، علمنا أن (باسم) هو الرحيم، فانعدمت البداية والنهاية والشرك والتوحيد، وظهر عز الاتحاد وسلطانه، فمحمد للجمع وآدم للتفريق".
وقال في الإدريسية: " فهو العلي لذاته, أو عن ماذا وما هو إلا هو؟ فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجوات. فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها, وليست إلا هو. فهو العلي لا علو إضافة, لأن الأعيان التي لها العدم, الثابتة فيه, ما شمت رائحة من الوجود فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات, والعين واحدة من المجموع في المجموع".
ثم قال: " ومن عرف ما قررناه في الأعداد, وأن نفيها عين إثباتها, علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه, وإن كان قد تميز الخلق من الخالق بالأمر الخالق المخلوق, والأمر المخلوق الخالق, كل ذلك من عين واحدة, لا بل هو العين الواحدة, وهو العيون الكثيرة.( فانظر ماذا ترى؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر) والولد عين أبيه, فما رأى يذبح سوى نفسه, (وفداه بذبح عظيم) فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان، وظهر بصورة والد لا بل بحكم ولد، والوالد من هو عين الوالد، وخلق منها زوجها فما نكح سوى نفسه فمنه الصاحبة والولد, والأمر واحد في العدد" بل صرح ابن عربي بأن النبي –صلى الله عليه وسلم- هو الذي استوى على عرش الله حيث يقول بالنص "بدء الخلق هباء, وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية الموصوفة بالاستواء على العرش الرحماني, وهو العرش الإلهي "(الفتوحات المكية 1/152)، وقد شرح هذه العبارات القاشاني شارح فصوص الحكم، وقرر أن النبي هو قبة الكون، وهو أول الوجود، وأنه جزء من نور الله, تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ويربط ذلك بعقيدتهم في وحدة الوجود حديث جابر المفترى.
وهذا الكلام من أعظم الكفر وأظهره، بناه على خلط عظيم بين أنواع الوجود، وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي‏، فضلاً عن التفريق بين أنواع الوجود الواحد، وقد تتبعه شيخ الإسلام وبين خلطه وخطله في غير موضع ، بل ذكر بأسانيده كلام بعض الأعلام من المتصوفة فيه, وتكفيرهم له, كأبي العباس الشاذلي تلميذ الشيخ أبي الحسن الشاذلي –رحمهم الله- وغيرهم.
قال شيخ الإسلام (الفتاوى 2/238): " وما يروى في هذا الباب من الأحاديث هو من هذا الجنس مثل كونه كان نوراً يسبح حول العرش، أو كوكباً يطلع في السماء، ونحو ذلك كما ذكره ابن حمويه صاحب ابن عربي، وذكر بعضه عمر الملا في وسيلة المتعبدين، وابن سبعين وأمثالهم ممن يروى الموضوعات المكذوبات باتفاق أهل المعرفة بالحديث، فإن هذا المعنى رووا فيه أحاديث كلها كذب حتى إنه اجتمع بي قديماً شيخ معظم من أصحاب ابن حمويه، يسميه أصحابه سلطان الأقطاب، وتفاوضنا في كتاب الفصوص وكان معظماً له ولصاحبه، حتى أبديت له بعض ما فيه فهاله ذلك، وأخذ يذكر مثل هذه الأحاديث فبينت له أن هذا كله كذب".
الشاهد لايقول بهذا الحديث الباطل إلاّ من يزعم ويدعي هذا الباطل، أو من تلقفه عنه وهو لايدري.
تنبيه:
زعم بعض المعاصرين أنه عثر على الجزء المفقود من مصنف عبدالرزاق ووجد فيه هذا الحديث وركب له سنداً.
وقد بين بعض الفضلاء أن ما يسمونه الجزء المفقود من مصنف عبدالرزاق الذي طبع مؤخراً منحول باطل النسبة له لايوجد ما يوثقه، بل هو من وضع بعض مبتدعة الهند، فلا يعبء به ولايتلفت إليه، وليعلم المسلم أنه إن اعتمد على مثل ما ذكروا لهدم ركن السنة وعمود الدين، فمن لك بملحد يجيء غداً فيضع جزاً فيقول هو مسند ابن مخلد، أو غيره من الفقود بغير بينة ولابرهان والله والمستعان.



آثار أخرى:
هذا وفي الباب آثار أخرى يذكرها بعض أهل الأهواء، أكتفي بالتنبيه على بعضها والإشارة إليه، فمنها:
- "كنت نورًا بين يدي ربي قبل أن يخلق ادم بأربعة عشر ألف عام" وهو كذب.
- ومنها ما ذكره عبدالله الغماري قائلاً: " ومن الكذب السخيف ما يقال إن إحدى أمهات المؤمنين أرادت أن تلف إزارًا على جسد النبيّ- صلى الله عليه وسلم- فسقط الإزار أي لأنه نور، وهذا لا أصل له".
- وقال أيضاً: "وروي في بعض كتب المولد النبوي عن أبي هريرة قال: سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم جبريلا- عليه السلام- فقال: يا جبريل كم عمّرتَ من السنين؟ فقال: يا رسول الله لست أعلم، غير أن في الحجاب الرابع نجمًا يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيته ثنتي وسبعين ألف مرة، فقال النبيّ: وعزة ربي أنا ذلك الكوكب. وهذا كذب قبيح، قبّح الله من وضعه وافتراه"، وقد ذكره محمد عثمان عبده البرهاني في كتابه تبرئة الذمة في نصح الأمة: ولما رأى النبي- صلى الله عليه وسلم- استغراب سيدنا جبريل- عليه السلام- مما قاله لجابر "إن أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر "سأل الرسول- صلى الله عليه وسلم- جبريلا- عليه السلام- قائلا:( يا جبريل كم عَمّرت من السنين ؟)فقال جبريل- عليه السلام- :( يا رسول الله لست أعلم غبر أنه في الحجاب الرابع نجم يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة ورأيته سبعين ألف مرة، فقال- صلى الله عليه وسلم-:( وعزة ربي أنا ذلك الكوكب) . . ثم سأل الرسول- صلى الله عليه وسلم- جبريلا-عليه السلام- عن المكان الذي يأتي منه الوحي؟ فقال:(حينما أكون في أقطار السموات والأرض, أسمع صلصلة جرس فأسرع إلى البيت المعمور فأتلقى الوحي, فأحمله إلى الرسول أو النبي. فقال الرسول-صلى الله عليه وسلم له-: (اذهب إلى البيت المعمور الآن واتل نسبي) فذهب جبريل مسرعاً إلى البيت المعمور, وتلا نسب النبي قائلا "محمد بن عبد الله بن عبد المطلب …فانفتح البيت المعمور ,ولم يسبق أن فتح من قبل ذلك. فرأى جبريل النبي بداخله! فتعجب, فعاد مسرعا إلى الأرض, فوجد الرسول- صلى الله عليه وسلم- في مكانه كما تركه مع جابر, فعاد بسرعة خارقة إلى البيت المعمور فوجده- صلى الله عليه وسلم- هنالك، ثم عاد مسرعا إلى الأرض فوجده مازال جالسا مع جابر, فسأل جبريل -عليه السلام- جابرا قائلا:( هل ترك رسول الله مجلسه هذا؟)فقال جابر:( كلا يا أخا العرب) فإننا لم ننته بعد من الحديث الذي تركتنا فيه !فقال جبريل- عليه السلام- للنبي- صلى الله عليه وسلم- :( إذا كان الأمر منك وإليك فلماذا تَعَبِي؟)فرد عليه صلى الله عليه وسلم قائلاً:( للتشريع يا أخي جبريل)، وتلا قوله تعالى (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ) وأضاف "كل هذه الأدلة توضح أن القرآن وهو أكبر معجزة للنبي- صلى الله عليه وسلم- كان عند النبي- صلى الله عليه وسلم- قبل البيت المعمور, وقبل جبريل, وهو والخلق جزء من كل أ. هـ. تبرئة الذمة ص 100 –101"، قال عبدالرحمن عبدالخالق بعد أن ذكره: وليس بعد هذا الكفر والزندقة كفر ولا زندقة، بل ولا هذيان وكل هذا الذي جعلوه أحاديث ما هو إلا افتراءات لا أصل لها, ولا توجد في ديوان معلوم من دواوين السنة.
- وهناك حديث يتداول بين القصاص وهو: (أول ما خلق الله نوري) وهو أيضاً باطل لا أصل له.
- ومن الباطل الموضوع: "إن اللّه تعالى خلق نور محمد قبل خلق‏ السموات, والارض, والعرش, والكرسي, واللوح, والقلم, والجنة, والنار, والملائكة, والانس‏, والجن. وكان نوره في فضاء وعالم القدس (الجنة) فيامره اللّه تعالى تارة بالسجود، وتارة‏بالتسبيح والتقديس".
- ومن وضع بعض الرافضة السخيف: عن جابر بن يزيد قال : قال لي أبو جعفر: يا جابر إن الله أول ما خلق خلقني وعترته الهداة المهتدين ، فكانوا أشباح نور بين يدي الله، قلت: وما الأشباح؟ قال: ظل النور، أبدان نورانية بلا أرواح، وكان مؤيداً بروح واحدة وهي روح القدس، فبه كان يعبد الله وعترته، ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل، ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون. الكافي 1/442. ورواه البحراني في حلية الأبرار 1/ 19.
- ومن كذب بعض الرافضة ما ذكره صاحب حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين 1/244 قائلاً: "وروى عن كعب الأحبار قال لما أراد الجليل جل جلاله أن يخلق محمداً أمر جبريلاً أن يأتيه بالطينة البيضاء التي هي قلب الأرض، وبهاء الأرض، ونور الأرض، قال فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرفيق الأعلى فقبض قبضة رسول الله من موضع قبره وهي يومئذ بيضاء، فعجنت بماء التسنيم وجعلت كالدرة البيضاء وغمست في كل أنهار الجنة، وطيف بها في السموات والأرض والبحار، فعرفت الملائكة محمداً وفضله قبل أن تعرف آدم وفضله، فلما خلق الله آدم سمع من تخطيط أسارير جبهته نشيشاً كنشيش الطير فقال سبحانك ما هذا قال الله يا آدم هذا تسبيح خاتم النبيين وسيد ولدك من المرسلين، قال فكان نور محمد يرى في دائرة غرة آدم كالشمس في دوران فلكها، والقمر في ديجور ليلة ظلماء، وقال الله لآدم خذه يعني النور النبوي بعهدي وميثاقي على أن لا تضعه إلا في الأصلاب الطاهرة، والمحصنات الزاهرة، قال: نعم يا إلهي وسيدي قد أخذته بعهدك، على أن لا أودعه إلا في المطهرين من الرجال، والمحصنات من النساء ،قال وكانت الملائكة يقفون خلف آدم صفوفاً، فقال آدم أي رب ما للملائكة يقفون صفوفاً خلفي فقال الله ينظرون إلى نور خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك قال رب أرنيه فأراه الله تعالى إياه فآمن به وصلى عليه مشيراً بأصبعه فكان آدم كلما أراد أن يغشي حواء تطيب وتطهر ويأمرها أن تفعل ذلك ويقول يا حواء تطهري فعسى هذا النور المستودع في ظهري ووجهي عن قليل يستودعه الله تعالى طهارة بطنك فلم تزل حواء كذلك حتى انتقل النور إلى وجهها فعلم أنها علقت بشيث والنور مفقود من وجهه وصار وجه حواء يتلألأ ويزداد كل يوم حسنا فلما حملت حواء بشيث عليه السلام بقي آدم لا يقربها لطهارتها وطهارة ما في بطنها وصارت تأتيها الملائكة كل يوم بالتحيات من رب العالمين".
- ومن كذب الرافضة أيضاً: "كنت أنا وعلى نوراً بين يدى الله، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزئين، فجزء أنا وجزء علي". (انظر الطرائف للسيد ابن طاووس الحسيني ص15-16). ولم يتورع في نسبة هذا الكذب والزور لمسند أحمد!

فهذا ونحوه كله من الكذب الذي ليس سند يعول عليه.


فتاوى بعض أهل العلم:
هي كثيرة أكتفي منها بما يلي:
فتوى الشيخ القرضاوي، وهي منقولة من موقع الإسلام أون لاين، وهذا محلها:
http://www.islam-online.net/iol-arabic/info/fatwa-12-11/fatwa-2.asp
ونص السؤال:
هل صحيح أن النبي -عليه السلام- أول خلق الله؟ وأنه خلق من نور؟ نرجو رأيكم مؤيدًا بالأدلة من الكتاب والسنة.
الإجابة لصاحب الفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي -حفظه الله-
.. شاع بين العامة مما يتلى عليهم من قصص الموالد المعروفة أن الله قبض قبضة من نوره، وقال لها: كوني محمدًا، فكانت أول ما خلق الله، ومنها خلق السماوات الأرض…إلخ. ومن هذا شاع قولهم: "الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله" حتى ألصقها بعضهم بالأذان الشرعي كأنها جزء منه.
وهذا كلام لم يصحّ به نقل، ولا يقره عقل، ولا ينتصر له دين، ولا تنهض به دنيا..
فأوليته -عليه السلام- لخلق الله لم تثبت، ولو ثبتت ما كان لها أثر في أفضليته -عليه الصلاة والسلام- ومكانه عند الله، وحينما مدحه الله تعالى في كتابه مدحه بمناط الفضل الحقيقي فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) .
والثابت بالتواتر أن نبينا -عليه الصلاة والسلام- هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي المولود من أبويه عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب بمكة في عام الفيل، ولد كما يولد البشر، ونشأ كما ينشأ البشر، وبعث كما يبعث من قبله أنبياء ومرسلون، فلم يكن بدعًا من الرسل، وعاش ما عاش ثم اختاره الله إليه (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَّيِّتُونَ)، وسيسأل يوم القيامة كما يسأل المرسلون: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ).
ولقد أكد القرآن بشرية محمد -عليه السلام- في غير موضع، وأمره الله أن يبلغ ذلك للناس في أكثر من سورة: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)، (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً)، فهو بشر مثل سائر الناس لا يمتاز إلا بالوحي والرسالة..
وأكد النبي -عليه الصلاة والسلام- معنى بشريته وعبوديته لله، وحذر من اتباع سنن من قبلنا من أهل الأديان في التقديس والإطراء: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله ورسوله" -رواه البخاري-.
وإذا كان النبي العظيم بشرًا كالبشر، فليس مخلوقا من نور، ولا من ذهب، وإنما خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب. هذا من حيث المادة التي خلق منها محمد -عليه الصلاة والسلام-.
أما من حيث رسالته وهدايته فهو نور من الله وسراج وهاج. أعلن ذلك القرآن فقال يخاطبه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، وقال يخاطب أهل الكتاب: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) ، فالنور في الآية هو رسول الله، كما أن القرآن الذي أنزل عليه نور، قال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا)، (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)، وقد حدد الله وظيفته بقوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).
وقد كان دعاؤه -عليه السلام-: (اللهم اجعل لي في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً وفي لحمي نوراً وفي عظمي نوراً وفي شعري نوراً وعن يميني نوراً وعن شمالي نوراً..) -متفق عليه من حديث ابن عباس-، فهو نبي النور ورسول الهداية، جعلنا الله من المهتدين بنوره المتبعين لسنته، آمين.

فتوى الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز وهي في موقعه على الإنترنت:
http://www.binbaz.org.sa/last_resault.asp?hID=4471
نص السؤال:
نسمع في بعض خطب الجمعة عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخلوق من نور، وليس من تراب كسائر الناس. نسأل عن صحة هذا الكلام؟
الجواب: هذا كلام باطل وليس له أصل، فالله خلق نبينا صلى الله عليه وسلم مثل ما خلق بقية البشر؛ من ماء مهين، من ماء أبيه عبد الله وأمه آمنة، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) [السجدة: 8] فمحمد صلى الله عليه وسلم من نسل آدم، وجميع نسل آدم كلهم من سلالة من ماء مهين وهو منهم.
أما ما يروى أنه خلق من النور فهذا لا أصل له، وهو حديث موضوع مكذوب باطل لا أصل له، وبعضهم يعزوه إلى مسند أحمد عن جابر، وهذا لا أصل له، وبعضهم يعزوه لمصنف عبد الرزاق وهذا لا أصل له. والمقصود أنه حديث باطل لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما خلقه الله مما خلق منه بني آدم، وخلق منه الأنبياء جميعا، وهو من ماء الرجل وماء المرأة، هذا هو الأمر المعلوم، وأما ما يدعيه بعض الغلاة، وبعض الجهلة أنه خلق من النور فهذا باطل لا أصل له.
وهو نور صلى الله عليه وسلم، جعله الله نورا للناس بما أوحى الله إليه من الهدى، من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، كما قال الله سبحانه وتعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) [المائدة: 15] هذا النور هو محمد صلى الله عليه وسلم بما أوحى الله إليه من النور، سماه الله نورا؛ لأن الله جعله نورا بما أوحى إليه من الهدى، كما قال في الآية الأخرى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب: 45 ، 46]. فهو السراج المنير، وهو نور لما أعطاه الله من الوحي العظيم من القرآن والسنة، فإن الله أنار بهما الطريق، وأوضح بهما الصراط المستقيم، وهدى بهما الأمة إلى الخير، فهو نور وجاء بالنور عليه الصلاة والسلام، وليس معناه أنه خلق من نور، إنما خلق من ماء مهين، لكنه نور بما أوحى الله إليه من الهدى، وما أعطاه الله من العلم الذي علمه الناس صلى الله عليه وسلم، فالرسل نور، والعلماء نور؛ علماء الحق، لما أعطاهم الله من الهدى، فهم نور للعالم بما اقتبسوه مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام.

سلفي بكل فخر
04-26-2006, 11:33 AM
[1]  حديث المغيرة بن شعبة، وهو صحيح رواه الإمام مسلم في المقدمة من صحيحه 1/8، ورواه غيره، قال الإمام النووي (شرح مسلم له 1/64): "ضبطناه يرى بضم الياء، والكاذبين بكسر الباء وفتح النون على الجمع، وهذا هو المشهور في اللفظتين،... وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء في يرى وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء فمعناه يظن، وأما من فتحها فظاهر، ومعناه وهو يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يظن أيضا فقد حُكى رأى بمعنى ظن،وقيد بذلك لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذباً، أما ما لا يعلمه ولا يظنه فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذباً أو علمه، وأما فقه الحديث فظاهر ففيه تغليظ الكذب والتعرض له، وأن من غلب على ظنه كذب ما يرويه فرواه كان كاذباً وكيف لا يكون كاذبا وهو مخبر بما لم يكن".
[2]  متفق عليه من حديث أبي هريرة، عند البخاري 1/52 برقم (110)،وعند مسلم 1/10 برقم (3) ومن حديث المغيرة، وقد عده بعض أهل العلم مما بلغ حد التواتر.
[3]  مرسل قتادة له حكم الحديث المعضل، وهو ضعيف.
[4]  هو الخفاف وقد جعل ابن حجر عبدالوهاب من المرتبة الخامسة، ولعل هذا حكماً عاماً، فقد كان من أعلم الناس بحديث سعيد خاصة وأرواهم عنه كما نقل عن الإمام أحمد وذكره ابن عدي وغيره، وقد كتب عنه قديماً قبل اختلاط سعيد، وقد نص غير واحد على أن سماعه منه قديم، ومنهم أبوداود ونقله عن أحمد (تهذيب الكمال 22/282، تاريخ بغداد 11/23، وتهذيب التهذيب 6/399)، وقد ميز الخفاف اختلاط سعيد فقد نقل الذهلي عنه في ترجمة سعيد من تهذيب التهذيب أنه سنة ثمان وأربعين فدل ذلك على أن الخفاف فارق سعيداً إلى بغداد بعد أن حمل عنه وهو صحيح ثم لقيه بعد أن اختلط بزمن فذكر اختلاطه. وإلاّ فلا يخفى على ملازم لسعيد أمر اختلاطه ثلاث سنوات مع شدته.
[5]  صدوق سيء الحفظ عند الحافظ ابن حجر تشير إلى أن الراوي من الخامسة عنده وهي المرتبة التي اختلفت فيها أفهام الباحثين، فمنهم من يراها أدنى القبول ومنهم من يراها أول الرد كأحمد شاكر وعبدالفتاح أبوغدة، ومنهم من يفصل فإن قيل صدوق يهم فهو مقبول، وإن قيل صدوق سيء الحفظ فهو رد، والذي يظهر للمتأمل المتتبع لمن أطلقت لهم هذه المرتبة أن من جعل من أهلها فهو (صدوق)  فحديثه حسن وعلى هذا الإطلاق جل المتأخرين، فإذا قيد بأن له أوهام، وجب أن تراجع تراجمه المطولة لمعرفة ما إذا أخطأ أو خالف في الحديث المعني بعينه، أو أنه لايقبل في تفرده عن رواة بعينهم، وهذا وإن كان يرد حتى عن الثقات لكنه في هذه الطبقة أكثر، فالفرق بين الخامسة: (صدوق له أوهام ونحوها) والرابعة: (الصدوق) أن احتمال الخطأ والوهم في الخامسة وارد وهو قوي  وكثير، لكنه لايخرجه عن دائرة الحسن ولهذا قيل صدوق ثم قيد بيهم، هذا ما يظهر والله أعلم.
[6]  وهو من عقيدة الشيعة، فهم يرون عن الصادق قوله: "إن الله آخى بين الأرواح قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام" انظر الاعتقدات للصدوق ص26، والفقيه 4/352، وبحار الأنوار 6/249. وهو اعتقاد الراجح عند أهل السنة خلافه.
[7]  ومن هؤلاء السياغي، حيث قال في تحفة المشتاق إلى شرح أبيات المولى إسحاق ص13: "وأما الاعتضاد بالدليل العقلي فالحق ما ذكره بعض المحققين أن وجود النفس قبل البدن لم يحصل بذلك دليل عقلي".
[8]  وما يرونه من أحاديث كحديث عتبة بن السكن (المتروك) وأرطأ بن المنذر (وفي أحاديثه أغلاط): إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، ونحوها، فضعيفة ، ومن أراد مزيد بيان فليراجع كتاب (الروح) للعلامة ابن القيم، فصل في الدليل على أن خلق الأرواح متأخر على خلق أبدانها ص172، وما بعدها.
[9]  وقد أشار في تاريخ الإسلام في ترجمة سعيد بن سويد أنه لم يجد من تكلم فيه بجرح، وبهذا يفهم وجه تحسينه، وهذا مشكل فقد أشار في الميزان إلى تضعيف البخاري وابن عدي له وسيأتي، إلاّ أن يقال لم يتقرر عنده أنه هو أو غيره، والله أعلم. كما يشكل عليه مخالفته للحاكم في تصحيحه من طريق ابن أبي مريم.
[10]  راجع شفاء العليل لابن القيم 1/23-24، قال رحمه الله: " فهذا  تقدير يومي، والذي قبله  تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمري عند تعلق النفس به، والذي قبله كذلك عند أول تخليقة وكونه مضغة، والذي قبله  تقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك دليل على كمال علم الرب وقدرته وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه".
[11]  حديث صحيح  روي عن أبي هريرة، وابن عباس، وميسرة الفجر، وعبدالله بن الجدعاء إن لم يكن هو ميسرة كما قيل، رضي الله عنهم، وبمعناه عن غيرهم، وهو عند  الترمذي 5/585 رقم (3609)، وفي مسند أحمد في غير موضع 4/66 و 5/59 و 5/379، وفي مستدرك الحاكم 2/665 برقم (4209)، وفي الأحاديث المختارة للضياء 9/142 برقم (123)، ومصنف ابن أبي شيبة 7/329، وفي المعجم الأوسط للطبراني 4/272 برقم (4175) وفي الكبير 12/92 برقم (12571)، و 12/119 برقم (12646)، و 20/353 برقم (833)، وساقه الروياني في المسند مرسلاً من عبدالله بن شقيق 2/496 برقم (1527)، ورواه الخلال في السنة ص188 رقم (200)، وكذلك ابن أبي عاصم في السنة ص179 برقم (409)، وكذلك عبدالله بن الإمام أحمد في السنة 2/398 برقم (864)، ورواه ابن سعد في الطبقات مرسلاً عن مطرف بلفظ (بين الروح والطين)،  ورواه غيرهم وفي من ذكر كفاية فيها أسانيد صالحة.
[12]  انظر في هذه النقول وغيرها التذكرة في الأحاديث المشتهرة ص172 المقاصد الحسنة ص522 تمييز الطيب من الخبيث ص126 كشف الخفا 2/173 تنزيه الشريعة 1/341 الأسرار المرفوعة ص/178 تذكرة الموضوعات ص/86 أسنى المطالب ص/243 .
[13]  قال في كشف الخفاء (1/311) بعد أن ذكره: "كذا في المواهب".
[14]   المواهب اللدنية 1/46.
[15]  الفتوحات المكية 1/119، قلت: وابن عربي وإن انتسب للتصوف ونسب إليه، فكثير من المتصوفة، وأهل العلم منهم خاصة يتبرءون منه، بل نقل عن بعضهم تكفيره كأبي العباس الشاذلي تلميذ أبي الحسن الذي تنتسب إليه الطائفة الشاذلية.
[16]  رسالة"صلاة الصفا في نور المصطفى" لأحمد البريلوي(ص/33-مجموعة الرسائل)[كما في كتاب" البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظاهير(ص/102-103)]، وزعم هذا المتنبيء الأفاك أن الأمة تلقت هذا الحديث بالقبول وهو زعم باطل إلا إن عنى بالأمة: أمتَه الضالة التي آمنت بنبوته...
[17]  تبرئة الذمة لمحمد البرهاني(ص/9). وقال: حديث صحيح!  ثم عزاه لكتاب لاوجود له أسماه (جنة الخلد).
[18]  كما في المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير(المقدمة.ص/7).
[19] عنى بالأشياء المخلوقات.
[20]  انظر المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير ص7.
[21]  انظر فيض القدير 5/53، وهو في الفتوحات المكية ص180.
[22]   انظر بغية المرتاد ص400 وما بعدها، والفتاوى 2/147 وما بعدها وبخاصة 2/204 وحتى 2/248.
[23]  وهو الشيخ محمد زياد التكلة.
[24]  قال القرطبي -رحمه الله- (تفسيره 12/257): "وقد سمى الله تعالى كتابه نوراً فقال: (وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً)، وسمى نبيه نوراً فقال: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)،  وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين وكذلك الرسول"، فالله يصف نبيه تارة بأنه نور، وتارة بأنه سراج منير، والسراج غير النور فهو جسم والآخر عرض، وكل ذلك لبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يهدي هداية إرشاد ودلالة، لا توفيق وإلهام كالنور أو السراج، وإنما هو بشر، فمن تبع هداه أفلح ونجى، ومن خالفه ضل وهوى.
[25]  وقد اخترت فتواه لكونه إمام أهل العصر في علم الحديث ومعرفة الرجال، فناسب أن تذكر فتواه.

الجميعابي
04-26-2006, 12:24 PM
جزاك الله خيرا

سلفي بكل فخروالى الامام

سلفي بكل فخر
04-28-2006, 08:40 AM
و جزاك اخي الحبيب ابا بدر .

ابومسلم
05-26-2006, 01:25 PM
جزاك الله خير اخانا الحبيب سلفي بكل فخر
بارك الله في جهودك وسدد خطاك وكثر من امثالك
والله انا لنحبك في الله