المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الناسخ و المنسوخ في القرآن الحكيم والسنة المطهرة...سلسلة حلقات



سيف الكلمة
12-28-2005, 05:30 AM
كتب أبو مارية القرشى بمنتدى التوحيد

الناسخ و المنسوخ في القرآن الحكيم والسنة المطهرة...سلسلة حلقات



الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و كفى بالله شهيدا
وبعد،
فهذه سلسلة حلقات تتناول معنى النسخ في القران الكريم وتجلّيه بأسلوب مبسط خال من الحشو والتعقيد والله الموفق ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم.


الحلقة الأولى: معنى النسخ في لغة العرب.


من المهم جدا معرفة الأصل اللغوي الذي اشتق منه المصطلح الشرعي، وذلك بالرجوع الى كتب أئمة اللغة والتفسير ولا نعتمد على الدارج من لغتنا فقط. واعلم ايها القارئ الكريم أن رجوعنا للمعنى اللغوي وأساليب العرب في البيان في خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم ومقاصدهم في كلامهم ، ضرورة حتمية نظرًا لنزول القرآن بلغة العرب، فلابد لمعرفة وفهم قضاياه من الرجوع للعرب القدماء الذين نزل القرآن بلغتهم، ولا يخفى عليك أن العجمة قد عمت وطالت جميع الألسن ولم يعد فينا سيبويه ولا الأخفش فضلا عن الشافعي الحجة في اللغة أو أبي الأسود الدؤلي وأمثاله من أئمة اللغة وأربابها، وما أجمل ما قاله الامام محمد الطاهر بن عاشور:
ان القرآن كلام عربي فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم لمن ليس بعربي بالسليقة ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي وهي : متن اللغة والتصريف والنحو والمعاني والبيان . ومن وراء ذلك استعمال العرب المتبع من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم ويدخل في ذلك ما يجري مجرى التمثيل والاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسهم لمعاني آيات غير واضحة الدلالة عند المولدين(التحرير والتنوير) ٍ



ما معنى النسخ يا أئمة العربية؟

يقول امام العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي:
النَّسْخُ والانتساخُ : اكتتابُك في كتابٍ عن مُعارِضه
والنَّسْخُ : إزالتُك أمراً كان يُعْمَلُ به ثم تَنْسَخُهُ بحادثٍ غَيْرِه كالآية تُنْزَلُ في أمر ثمّ يُخفَّف فتُنْسَخُ بأُخْرَى فالاولى منسوخة والثانية ناسخة
وتناسُخُ الوَرَثِة وهو موتُ وَرَثةٍ بعد وَرَثةٍ والميراثُ لم يُقْسَمْ وكذلك تَناسُخُ الأَزْمنة والقَرْن بَعْدَ القَرْن .(العين:4\201)

ويقول ابن المنظور:
1-نسخ الشيءَ ينسَخُه نَسْخاً وانتسَخَه واستنسَخَه اكتتبه عن معارضه التهذيب النَّسْخ اكتتابك كتاباً عن كتاب حرفاً بحرف والأَصل نُسخةٌ والمكتوب عنه نُسخة لأَنه قام مقامه والكاتب ناسخ ومنتسخ والاستنساخ كتب كتاب من كتاب وفي التنزيل إِنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أَي نستنسخ ما تكتب الحفظة فيثبت عند الله وفي التهذيب أَي نأْمر بنسخه وإِثباته(وهذا المعنى الذي ذكره الدكتور)

2-والنَّسْخ إِبطال الشيء وإِقامة آخر مقامه وفي التنزيل ما نَنسخْ من آية أَو نُنسها نأْت بخير منها أَو مثلها والآية الثانية ناسخة والأُولى منسوخة وقرأَ عبدالله بن عامر ما نُنسخ بضم النون يعني ما ننسخك من آية والقراءَة هي الأُولى(قال) ابن الأَعرابي النسخ تبديل الشيء من الشيء وهو غيره ونَسْخ الآية بالآية إِزالة مثل حكمها والنسخ نقل الشيء من مكان إِلى مكان وهو هو قال أَبو عمرو حضرت أَبا العباس يوماً فجاء رجل معه كتاب الصلاة في سطر حرّ والسطر الآخر بياض فقال لثعلب إِذا حولت هذا الكتاب إِلى الجانب الآخر أَيهما كتاب الصلاة ؟ فقال ثعلب كلاهما جميعاً كتاب الصلاة لا هذا أَولى به من هذا ولا هذا أَولى به من هذا.
(قال) الفرّاء وأَبو سعيد مَسَخه الله قرداً ونسخه قرداً بمعنى واحد ونسخ الشيء بالشيء ينسَخه وانتسخه أَزاله به وأَداله والشيء ينسخ الشيء نَسْخاً أَي يزيله ويكون مكانه.
(قال) الليث النسْخ أَن تزايل أَمراً كان من قبلُ يُعْمَل به ثم تنسخه بحادث غيره .
(قال)الفرّاء النسخ أَن تعمل بالآية ثم تنزل آية أُخرى فتعمل بها وتترك الأُولى والأَشياء تَناسَخ تَداوَل فيكون بعضها مكان بعض كالدوَل والمُلْك وفي الحديث لم تكن نبوّةٌ إِلاَّ تَناسَخَت أَي تحولت من حال إِلى حال يعني أَمر الأُمة وتغاير أحوالها والعرب تقول نسَخَت الشمسُ الظلّ وانتسخته أَزالته والمعنى أَذهبت الظلّ وحلّت محله قال العجاج إِذا الأَعادي حَسَبونا نَخْنَخوا بالحَدْرِ والقَبْضِ الذي لا يُنْسَخ أَي لا يَحُول ونسَخَت الريح آثار الديار غيرتها والنُّسخة بالضم أَصل المنتسخ منه والتناسخ في الفرائض والميراث أَن تموت ورثة بعد ورثة وأَصل الميراث قائم لم يقسم وكذلك تناسخ الأَزمنة(لسان العرب بتصرف يسير )

قال الراغب:
نسخ : إزالة شيء يتعقبه كنسخ الشمس الظل والظل الشمس والشيب الشباب . فتارة يفهم الإزالة وتارة يفهم منه الإثبات وتارة يفهم منه الأمران(مفردات القرآن)
4-الامام العلامة محمد الطاهر بن عاشور:
وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحا في اللغة وإن أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتا محضا لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو تمثيلية الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة(التحرير و التتوير)


تنبيه مهم جدا:
لم أتعرض الى أقوال الصحابة و التابعين في هذه الحلقة وهم أئمة العربية الأول و أساطين اللغة وقولهم ولا ريب مقدم على قول غيرهم ، وأرجأت ذلك الى الحلقة الثالثة ، حيث سأذكر جملة من أقوالهم عند تفسير آية النسخ ان شاء المولى عز وجل.


ولعلي أذكر لك الآن هذا المثال الطريف لاحد دكاترة هذا العصر الذي بحث في هذا الموضوع، وتأمل أيها القارئ النبيه في جهله بأبجديات البحث العلمي و التعامل مع النصوص الشرعية، يقول الدكتور:
فى لغتنا العادية نقول "نسخ المذكرة" أى كتبها، ونقول أطبع لى هذا الكتاب ألف نسخة، وذهبت إلى مكتب النسخ لأنسخ على الآلة الكاتبة عشر نسخ من هذه المذكرة ونقول "انسخ لى بالخط النسخ".والمعنى المألوف للنسخ هنا هو الكتابة والإثبات وليس الحذف والإلغاء، وهذا فى اللغة العربية التى نزل بها القرآن والتى لا تزال نستعملها.أهـ

هكذا وبكل بساطة يؤصل الدكتور الباحث المعنى اللغوي الأصلي لاهم مفردة في بحثه" النسخ"..
مرجعه لغتنا الدارجة وشاهده عبارات العامة!
يقول وهذا هو المعنى المألوف! وهذا كما ترى زعم منه لا أكثر فالمألوف عندي ما ذكره والمعنى الأخر الذي ينكره! وبهذا نكون قد تعادلنا دعوى بدعوى ولكن ما زال في جعبتنا الكثير ، فالأمر دين ولا مجال فيه للدعاوى المجردة العارية عن البرهان، وقد تقدم لك قول أئمة العربية الذي ينسف بنيانه من أساسه .
الرجل ما احتكم الى معاجم اللغة ولا سمع من أئمة العربية ومن حقي كعربي أن أطالب برأي أهل اللغة فيما يقول ولن أقنع بشواهد مأخوذة من لغة الاخوة في شوارع مصر وحاراتها مع عظيم احترامي واعتزازي بكل مصري مسلم ولكننا نحن العرب قد فقدنا ملكة اللغة ولحنت السنتنا ونسينا قسما كبيرا من لغتنا لا نجده الا في بطون المعاجم وداويين الشعراء ومؤلفات الاعلام التي أعرض بعض الناس عنها الى مقالات التافهين النكرات!!


تأمل كيف فاتت المعاني المذكورة على الباحث لما احتكم الى ما يسمعه من العامة دون الرجوع الى العربية من مظانها!


الخلاصة:
ان قول بعض الناس ان معنى النسخ لغة" هو الكتابة والإثبات" فقط ، هو زعم باطلة مخالف لكلام أئمة اللغة الذين نصوا كما تبين في كلامهم السابق على ان من معاني النسخ الأصلية " الازالة والتبديل".

سيف الكلمة
12-28-2005, 05:32 AM
--------------------------------------------------------------------------------

الحلقة الثانية: النسخ اصطلاحا


الحمد لله وبعد،

المعنى الاصطلاحي لأي كلمة لا بد أن يكون له تعلق من وجه ما بأصل ما وضعت له في اللغة، فالصلاة مثلا معناها الاصلي الدعاء ، أمّا شرعا فهي الافعال المعلومة من تكبير وقيام وسجود وسلام ، وهذه كلها تشتمل على الدعاء و التسبيح و التعظيم لله جل جلاله.

فالنسخ بمعناه الاصطلاحي مأخوذ من المعنى الثاني الذي ذكره لنا أئمة اللغة كما تقدم، يقول الامام ابن قدامة المقدسي رحمه الله:
"فأما النسخ في الشرع فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير"

ثم يعرفه لنا فيقول:
"وحده رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه ، ومعنى الرفع إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتا"(روضة الناظر)

ودعني أوضح لك هذا التعريف:
• قوله "الحكم الثابت": اي ثبت من قبل بخطاب شرعي من كلام الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلا يدخل فيه ما كان على أصله(البراءة الأصلية) ونزل فيه من بعد حكم شرعي، مثلا تحريم الربا لا يسمى نسخا لان حلها لم يثبت بخطاب شرعي قبلها وانما جاء الاسلام و الناس يأكلون الربا.أما تحريم الخمر فيسمى نسخا لانه قد ثبت اباحتها بنص كلام الله ثم حرم بعد ذلك.
• "بخطاب متراخ" : لان الخطاب الشرعي اللاحق لو كان متصلا لصار مبينا للاول لا ناسخا له كما في قوله عز وجل" ولله على الناس حج البيت" ثم قال جلا وعلا في نفس الاية" من استطاع اليه سبيلا" فلا يقال ان القسم الثاني من الاية ناسخ لما تقدم منها بل هو مبين لها.(ملخص من مذكرة الشنقيطي على روضة الناظر)

فائدة:
البراءة الأصلية ليست حكما شرعيا بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات فالأول نحو قوله : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) في التجارة في الحج حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي ومثال الثاني قوله تعالى ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) بعد ذكر النساء المحرمات وقوله ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار(التحرير و التنوير)


تنبيهات مهمة:

1-النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي، أما الأخبار فلا يدخلها النسخ لان في ذلك نسبة الكذب الى الله عز وجل.
قال امام المفسرين أبو جعفر الطبري رحمه الله : يعني جل ثناؤه بقوله : { ما ننسخ من آية } : ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا والمحظور مباحا ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ(تفسير الطبري:521\1)

2-التخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به لأن المخصص لم يتناوله العموم قط ولو ثبت تناول العموم لشيء ـ ما ـ ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ومجازا(تفسير القرطبي2\61)

3- قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الإطلاق كقوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر كقوله : { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } فقد يظن من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك بل هو من باب الإطلاق والتقييد(المصدر السابق)
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:
النسخ فى لسان السلف أعم مما هو فى لسان المتأخرين يريدون به رفع الدلالة مطلقا وإن كان تخصيصا للعام أو تقييدا للمطلق وغير ذلك كما هو معروف فى عرفهم(مجموع الفتاوى:10\762)
وقال:
ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية الا بآية أخرى تفسرها وتنسخها او بسنة الرسول تفسرها فإن سنة رسول الله تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخا لها يرد بها وان كان لا يدل عليه ظاهر الآية بل قد لا يفهم منها وقد فهمه منها قوم فيسمون ما رفع ذلك الابهام والافهام نسخا و هذه التسمية لا تؤخذ عن كل واحد منهم فالنسخ عندهم اسم عام لكل ما يرفع دلالة الآية على معنى باطل وان كان ذلك المعنى لم يرد بها وان كان لا يدل عليه ظاهر الآية بل قد لا يفهم منها وقد فهمه منها قوم فيسمون ما رفع ذلك الابهام والافهام نسخا و هذه التسمية لا تؤخذ عن كل واحد منهم(مجموع الفتاوى:13\30)
وهذا أمر مهم يغفل عنه من لم يخبر مصطلحات المتقدمين وسيتيبن لك في الحلقات القادمة –ان شاء الله- تخبط بعض المعاصرين وخلطهم لمسائل التخصيص و التقييد بمسائل النسخ ، وما نتج عن هذا الجهل من ظلم و عدوان على كلام الائمة الجهابذة ومصنفاتهم العظيمة.

واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
والى لقاء..

سيف الكلمة
12-28-2005, 05:33 AM
الحلقة الثالثة: مادة " نسخ " ومشتقاتها في القران الحكيم

الحمد لله وبعد:
وردت مادة" نسخ" ومشتقاتها في المواضع التالية من كتاب الله:
1-" مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)"(البقرة)
المراد بالنسخ هنا المعنى الاصطلاحي الموافق للمعنى اللغوي الثاني للنسخ وهو" الرفع والإزالة" ، ولعل سائلا يسأل لما كان " النسخ" مشتركا بين معانٍ مختلفة فلم رجحتم أحدها دون الأخر؟

الجواب:
سياق الايات الكريمة لا يحتمل معنى اخر ولعلك تنعم النظر فيه، فما قبلها وما بعدها يرجح لك المعنى الذي فهمه أساطين اللغة و أقصد بذلك الصحابة و التابعين وتأمل معي:

مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم بقولهم ( نؤمن بما أنزل علينا ) وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره وهم في عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا تنسخ إن محمدا وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقا لها فكيف يكون شرعه مبطلا للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبدل شريعة بشريعة . وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله ( قل فلم تقتلون أنباء الله من قبل ) وقوله ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة ) إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ) إلى قوله ( ذو الفضل العظيم ) المنبئ أن العلة هي الحسد . فلما بين الرد عليهم في ذلك كله أراد نقض تلك السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها على الناس بمنع النسخ (التحرير و التنوير)

والآيات التي بعدها تتناول نفس الموضوع فاليهود يصرون على ان غيرهم ليسوا على شئ و النصارى كذلك، ولا يعجب الانسان من اصرار اليهود فانهم ان أقروا بالنسخ أقروا بكفرهم وانهم ما عادوا شعب الله المختار!
ولو تأملت في الآية الكريمة، لوجدت أن جواب الشرط يحيل ترجيح أن يكون معنى النسخ الاثبات فذلك مناقض تماما لقوله عز وجل" نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا"

وهذا موافق للمشترك اللفظي لغة و اصطلاحا، والمشترك اللفظي عبارة عن لفظ وُضِع في الأصل لأكثر من معنى، والقرائن المحيطة هي التي تحدد المعنى المطلوب، مثل العين التي تطلق على العين الباصرة وعين الماء والعين بمعنى الجاسوس وغيرها من معاني العين. وكذلك الحال هنا: فالنسخ مشترك لفظي دل على أكثر من معنى لغة والقرائن هنا هي التي حددت المعنى المطلوب والقرائن المذكورة هنا هي سياق الآيات ومعانيها كما سبق.
ومن عجيب ما قرأت ما ذكره الدكتور المذكور من تفسير غريب لهذه الآية الكريمة بعد كلام عن طويل عن سياق الآية، اتى فيه بالعجائب من ذكر آي من القرآن من مواضع محتلفة دون التعرض لسياق الاية في البقرة، يقول : والمهم أن كلمة ننسخ فى آية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ هو بمعنى الإثبات والكتابة وليس الحذف. وأن الآية المقصودة هنا هى المعجزة التى يأتى بها كل نبى.(انتهى كلامه)
وهذا لعمر الحق تحريف لكلام الله وتلاعب بآياته ، وتأمل في معنى الآية على قوله(وما سيأتي هو تفسير الدكتور ): أى ما نثبته وما نكتب من آية أو معجزة- أو ننسها والمقصود انتهاء ونسيان زمنها لأنها معجزة حسية وقتية تنتهى بانتهاء زمانها- فيأت الله بخير منها أو مثلها، لأن الله على كل شىء قدير(انتهى بحروفه)
وتأمل في سخافة جواب الشرط الذي اختلقه بدجله وجعله مخصوصا ب" ننسها"!!
ثم كيف ترجح للدكتور ان آية هنا بمعنى معجزة ؟ مع ان الآيات السابقة تتكلم عن اي القرآن وكيف نبذه الذين كفروا وراء ظهورهم وعداوة اليهود لجبريل عليه السلام الذي كان ينزل بآبات الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحق أن من أغتر بعقله وأعرض عن فهم الجيل الأول أهل اللغة والبيان وأهل الصدق و الايمان وقع في المهالك وأعطب نفسه وأضحك الناس على عقله.

واليكم هذه الطائفة من أقوال الصحابة وتابعيهم في تفسير هذه الآية الكريمة:
قال حبر الامة ابن عباس رضي الله عنهما: قوله : { ما ننسخ من آية } يقول : ما نبدل من آية.
وقال صحاب عبدالله بن مسعود أنهم : { ما ننسخ من آية } نثبت خطها ونبدل حكمها.
وقال مجاهد : { ما ننسخ من آية } نثبت خطها ونبدل حكمها حدثت به عن أصحاب ابن مسعود.
وقال الحسن البصري: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } إن نبيكم أقرىء قرآنا ثم نسيه فلم يكن شيئا ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرأونه.
(هذه الآثار منقولة من تفسير الطبري: 525\1)


هذا ولعله من المعلوم للقارئ الكريم أن كتاب الله يفسر بعضه بعضا، وقد بينت آية النحل معنى النسخ أحسن بيان ، يقول الله عز وجل:
وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) (النحل)
وهذه الأية الكريمة تجلي و توضح اية البقرة اعلاه و توافقها في المعنى تماما ولا يمكن أن تحتمل التأويل أو التحريف بوجه من الوجوه. ولاجظ أخي الكريم كيف تبين الآية الكريمة ردة الفعل المتوقعة من الكفار الى يوم الدين ، فهم سيتخذون من مسألة النسخ ذريعة لنعت النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب وهذا من قلة عقلهم وجهلهم بصفات ربهم عز وجل" بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".
والدكتور المذكور من هؤلاء الجهال، فهو يصر على دجله ويزعم ان معنى "آية": معجزة، ولا يلتفت الى نظم الكلام ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.


2-" وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)"(الاعراف)
النسخة بمعنى المنسوخ كالخطبة والقبضة والنسخ هو نقل مثل المكتوب في لوح أو صحيفة أخرى وما يقتضي أن هذه الألواح أخذت منها نسخة لأن النسخة أضيفت إلى ضمير الألواح وهذا من الإيجاز إذ التقدير : أخذ الألواح فجعلت منها نسخة وفي نسختها هدى ورحمة(التحرير و التنوير)



3-" وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)"(الحج)

ومعنى النسخ هنا الازالة والرفع ايضا، فيكون تفسير الآية الكريمة :
فالله يهديه وبيانه ينسخ ما يلقي الشيطان أي يزيل الشبهات التي يلقيها الشيطان ببيان الله الواضح ويزيد آيات دعوة رسله بيانا وذلك هو إحكام آياته أي تحقيقها وتثبيت مدلولها وتوضيحها بما لا شبهة بعده إلا لمن رين على قلبه .(التحرير و التنوير)
قال ابن عباس رضي الله عنه: فيبطل الله ما يلقي الشيطان، قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله(تفسير القرطبي:12\75)

وقد أغرب أو في الحقيقة تزندق الدكتور المذكور في تفسير الآية الكريمة، يقول:
فالشيطان يلقى بوحيه الضال ليسد الطريق امام النبى وأمنياته بأن يؤمن به الجميع، فلا يدع الشيطان لهذه الأمنيات أن تتحق. ويسمح الله بكتابة وتدوين- أى نسخ- هذا الوحى الشيطانى يقول تعالى ﴿فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ﴾ أى يكتب الله ما يلقيه الشيطان(انتهى )
وتأمل مكر الشيطان كيف قاد الرجل الى هذه النتيجة التعسة، يقول:
وانظر حولك لترى اعجازالقرآن الذى نبأ سلفا بتلك الكتب التراثية المليئة بالأحاديث الضالة . وطالما انها ليست من وحى الله تعالى ولم يعرفها عصر النبى ولم تتم كتابتها الا بعد النبى بقرون فان مصدرها الوحيد هو الشيطان . والله تعالى هو الذى سمح بكتابتها – او نسخها فى ملايين النسخ(بحروفه)

التعليق على كلامه الباطل:
1-الرجل يزعم أن معنى نسخ هنا "سمح بكتابة.." وهذا معنى باطل لا أصل له في لغة العرب ، بل لا أصل له في لغتنا العامية، فمن أين أتى به؟!!
2- في كلامه افتراء على الله سبحانه و تعالى و اتهام له بالترويج لمذهب الشيطان بل وكتابته له و نسخه ، وهذا من الكفر و الضلال لا يقوله الا من لم يقدر قدر الله عز وجل...لا يقوله الا من لم يقرأ كتاب الله في حياته..الم يقرأ قوله عز وجل"قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)"(الاعراف)، فهل يكتب الله لمن طرده ولعنه؟
الم يقرأ"وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) (الاسراء)..هؤلاء هم جنود ابليس وهذا المجنون الزنديق يزعم ان الله يروج لابليس أكاذيبه!!!



خلاصة الكلام:
جمع الرجل في تفسير هذه الاية بين تحريف معناها الواضح البين وتكذيبه للسنة ونسبة كتابة الكذب ونشره الى المولى عز وجل أضف الى ذلك افتراءه على الأمة خصوصا القرون الثلاثة الأول .
وأرجو من القارئ الكريم الا يغضب مني إذ أنقل له هذا الهذر، ولكن جرت سنة ائمتنا على ذكر أقوال أهل الضلال بعد بيان الحق في المسائل تنبيها للناس وتذكير لهم بفضل الله عليهم اذ هداهم الى الصراط المسلمين ونصيحة .للضالين لعلهم يعتبرون و يرعوون.



4- "هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)"(الجاثية)
ومعناها:
انا كنا نستكتب حفظتنا أعمالكم فتثبتها في الكتب و تكتبها(تفسير الطبري:267\11)

والى لقاء

سيف الكلمة
12-28-2005, 05:35 AM
الحلقة الرابعة: شريعة الاسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع



الحمد لله وبعد،
فقد جاءت رسل الله تترى تدعو الناس الى عبادة الله و الاستسلام له بالتوحيد و الخلوص من الشرك و الانقياد له بالطاعة، وهذه هي حقيقة دين الاسلام، فدين آدم و نوح وابراهيم وموسى و عيسى ومحمد صلوات الله عليهم واحد وان اختلفت شرائعهم التي ناسبت الزمان و المكان الخاص بكل نبي ، وقد جرت سنة الله عز وجل على نسخ شريعة كل رسول كليا أو جزئيا بشريعة من يأتي بعده، حتى أتم الله نعمته على بني آدم برسالة الاسلام الخاتمة الناسخة لكل شريعة سبقتها، ويلخص لنا من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم ذاك فيقول:
"الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى ، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ " (رواه البخاري)

"و العلات بفتح المهملة الضرائر... ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وأن اختلفت فروع الشرائع"(فتح الباري:489\6)

وقد بين الله لنا في كتابه الحكيم سنته في نسخ شرائع الأنبياء ، فهذا سيدنا عيسى صلى الله عليه وسلم يخبرنا ان شرعته تنسخ شرعة نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم جزئيا:" وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)"(ال عمران)

ثم أنعم الله على بني اسرائيل ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم اذ جعل شريعته ناسخة لشرائعهم فرفع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم ، يقول ربنا العزيز الحكيم: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)"(الاعراف)


ويزيد الله سبحانه وتعالى ذلك بيانا في سورة المائدة اذ ذكر شريعة موسى وعيسى صلوات الله عليهم وبيّن كفر وظلم وفسوق من ترك التحاكم اليها في وقتها قبل النسخ، ثم أعقب ذلك بذكر شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الناسخة المهميمنة على كل الشرائع السابقة، فيقول عز وجل:
"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)" (المائدة)




قال شيخ الاسلام:
الرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعلمية ،فالاعتقادية كالإيمان باله وبرسوله وباليوم الآخر والعملية كالاعمال العامة المذكورة فى الانعام والاعراف وسورة بنى إسرائيل كقوله تعالى قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر الآيات الثلاث وقوله "وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه" إلى آخر الوصايا وقوله "قل أمر حرم ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين" وقوله "قل إنما ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون".
هذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع كعامة ما فى السور المكية فإن السور المكية تضمنت الأصول التى اتفقت عليها رسل الله إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة وأما السور المدنية ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض وكالمؤمنين الذين آمنوا بكتب الله ورسله ولهذا قرر فيها الشرائع التى أكمل الله بها الدين كالقبلة والحج والصيام والاعتكاف والجهاد وأحكام المناكح ونخوها وأحكام الأموال بالعدل كالبيع والإحسان كالصدقة والظلم كالربا وغير ذلك مما هو من تمام الدين
ولهذا كان الخطاب فى السور المكية يا أيها الناس لعموم الدعوة إلى الأصول إذلا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل فلما هاجر النبى إلى المدينة وعزبها أهل الإيمان وكان بها أهل الكتاب خوطب هؤلاء وهؤلاء يا أيها الذين آمنوا وهؤلاء يا أهل الكتاب أو يا بنى إسرائيل ولم ينزل بمكة شيء من هذا ولكن في السور المدينة خطاب يا أيها الناس كما في سورة النساء وسورة الحج وهما مدنيتان وكذا فى البقرة(مجموع الفتاوى:160\15)
ويقول:
وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة فكما أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم هو دين واحد مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة كما أمر النبي المسلمين بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة ويحرم استقبال الصخرة فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته ولهذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت ثم نسخ ذلك وشرع لنا الجمعة فكان الاجتماع يوم السبت واجبا إذ ذاك ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة وحرم الاجتماع يوم السبت ، فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلما ومن لم يدخل في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد النسخ لم يكن مسلما ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه(اقتضاء الصراط:456)



مذهب اليهود في النسخ:


ومن الأساليب الخبيثة للطعن في النبوات انكار النسخ وقد سبقت الى ذلك يهود إذ أنكرجمهورهم النسخ زاعمين ان ذلك يستلزم القول بالبداء(اسْتِصْواب شيء عُلم بعدَ أن لم يُعْلَم) وقد ذكر مذهبهم الامام الجليل ابن حزم في كتابه العظيم" الفصل في الملل و الأهواء و النحل" ثم كرّ عليهم فنقض مذهبهم الباطل، وسأنقل لك نبذاً من كتابه :
وعمدة حجة من أبطل النسخ أن قالوا إن الله عز وجل يستحيل منه أن يأمر بالأمر ثم ينهى عنه ولو كان كذلك لعاد الحق باطلاً والطاعة معصية والباطل حقاً والمعصية طاعة قال أبو محمد رضي الله عنه لا نعلم لهم حجة غير هذه وهي من أضعف ما يكون من التمويه الذي لا يقوم على ساق لأن من تدبر أفعال الله كلها وجميع أحكامه وآثاره تعالى في هذا العالم تيقن بطلان قولهم هذا لأن الله تعالى يحيي ثم يميت ثم يحيي وينقل الدولة من قوم أعزة فيذلهم إلى قوم أذلة فيعزهم ويمنح من شاء ما شاء من الأخلاق الحسنة والقبيحة "لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون".
ثم نقول لهم وبالله التوفيق: ما تقولون فيمن كان قبلكم من الأمم المقبول دخولها فيكم إذا غزوكم؟ أليس دماؤهم لكم حلالاً وقتلهم حقاً وفرضاً وطاعة ولابد من نعم فنقول لهم فإن دخلوا في شريعتكم أليس قد حرمت دماؤهم وصار عندكم قتلهم حراماً وباطلاً ومعصية بعد أن كان فرضاً وحقاً وطاعة فلا بد من نعم ثم إن عدوا في السبت وعملوا ليس قد عاد قتلهم فرضاً بعد أن كان حراماً فلا بد من نعم فهذا إقرار ظاهر منهم ببطلان قولهم وإثبات منهم لما أنكروه من أن الحق يعود باطلاً والأمر يعود نهياً وأن الطاعة تعود معصية وهكذا القول في جميع شرائعهم لأنها إنما هي أوامر في وقت محدود بعمل محدود فإذا خرج ذلك الوقت عاد ذلك الأمر منهياً عنه كالعمل هو عندهم مباح في الجمعة محرم يوم السبت ثم يعود مباحاً يوم الأحد وكالصيام والقرابين وسائر الشرائع كلها وهذا بعينه هو نسخ الشرائع الذي أبوه وامتنعوا منه إذ ليس معنى النسخ إلا أن يأمر الله عز وجل بأن يعمل عمل ما مدة ما ثم ينهى عنه بعد انقضاء تلك المدة ولا فرق في شيء من العقول بين أن يعرف الله تعالى ويخبر عباده بما يريد أن يأمرهم به قبل أن يأمرهم به ثم بأنه سينهى عنه بعد ذلك وبين أن لا يعرفهم به إذ ليس عليه تعالى شرط أن يعرف عباده بما يريد أن يأمرهم قبل أن يأتي الوقت الذي يريد إلزامهم فيه الشريعة وأيضاً فإن جميعهم مقربان شريعة يعقوب عليه السلام كانت غير شريعة موسى عليه السلام وإن يعقوب تزوج ليا وراحيل ابنتي لابان وجمعهما معاً وهذا حرام في شريعة موسى عليه السلام هذا مع قولهم أن موسى عليه السلام كانت عمة أبيه أخت جده وهي يوحانذا بنت لاوي وهذا في شريعة موسى حرام ولا فرق في العقول بين شيء أحله الله تعالى ثم حرمه وبين شيء حرمه الله ثم أحله والمفرق بين هذين مكابر للعيان مجاهر بالقحة ولو قلب عليه قالب كلامه ما كان بينهما فرق وفي توراتهم أن الله تعالى افترض عليهم بالوحي إلى موسى عليه السلام وأمرهم موسى بذلك في نص توراتهم أن لا يتركوا من الأمم السبعة الذين كانوا سكاناً في فلسطين والأردن أحداً أصلاً إلا قتلوه ثم أنه لما اختدعتهم الأمة التي يقال لها عباوون وهي إحدى تلك الأمم التي افترض عليهم قتلهم واستئصالهم فتحيلوا عليهم وأظهروا لهم أنهم أتوا من بلاد بعيدة حتى عاهدوهم فلما عرفوا بعد ذلك أنهم من السكان في الأرض التي أمروا بقتل أهلها حرم الله عز وجل عليهم قتلهم على لسان يوشع النبي بنص كتاب يوشع عندهم فأبقوهم ينقلون الماء والحطب إلى مكان التقديس وهذا هو النسخ الذي أنكروا بلا كلفة‏.‏
وفي توراتهم البداء الذي هو أشد من النسخ وذلك أن فيها أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام سأهلك هذه الأمة وأقدمك على أمة أخرى عظيمة فلم يزل موسى يرغب إلى الله تعالى في أن لا يفعل ذلك حتى أجابه وأمسك عنهم وهذا هو البداء بعينه والكذب المنفيان عن الله تعالى لأنه ذكر أن الله تعالى أخبر أنه سيهلكهم ويقدمه عى غيره ثم لم يفعل فهذا هو الكذب بعينه تعالى الله عنه وفي سفر اشعيا أن الله تعالى سيرتب في آخر الزمان من الفرس خداماً لبيته قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا هو النسخ بعينه لأن التوراة موجبة أن لا يخدم في البيت المقدس أحد غير نبي لاوي بن يعقوب على حسب مراتبهم في الخدمة فعلى أي وجه أنزلوا هذا القول من اشعيا فهو نسخ لما في التوراة على كل حال وأما في الحقيقة فهو إنذار بالملة الإسلامية التي صار فيها الفرس والعرب وسائر الأجناس في المساجد ببيت المقدس وغيره "

وممن تابع اليهود على هذا المذهب الخبيث من المعاصرين زنديق مصري يزعم أنه يؤمن بالقرآن وحده وينكر سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ويروم في حقيقة الأمر انكار النبوات و الطعن في حكمة الله عز وجل والقدح في كتابه و تكذيب نبيه،كما فعلت يهود من قبل، وقد سوّد في ذلك رسالة سغيرة سماها " لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن الكريم"، يقول فيها:
"وأولئك الذين يجعلون النسخ معناه الإلغاء والحذف يتهمون القرآن بأن ألفاظه متناقضة متضاربة معوجة" ، وهو كما ترى عين قول اليهود ، فهو يزعم أن النسخ غير ممكن وأن القائل به ينتقص من القرآن، وسأنبه في هذه الحلقات- ان شاء الله- على أقواله الباطلة المخالفة لاجماع المسلمين كلهم ، وقد تقدم لكم شئ منها .

اللهم جنبنا مضلات الفتن واختم لنا بالحسنى ..اللهم أمين.

سيف الكلمة
12-28-2005, 05:38 AM
الحلقة الخامسة : السنة والقرآن


الحمد لله وبعد،
فان من لوازم كلمة الشهادة التي يصير بها الانسان مسلما طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والامتثال لأمره و نهيه ، يتقرر ذلك في ذهن من نطق بالشهادة لأول مرة ويتعلمه مع توحيد الله عز وجل، وتتجلى هذه الحقيقة بأعظم صورها وأبهاها في سلوك الرعيل الأول صحب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، الذين حملوا الرسالة الى شرق الأرض و غربها، يعلمون البشرية القرآن والسنة، فما مضت ثلاثون عاما بعد وفاة الرسول الكريم الا وكتاب الله وسنة نبيه يدرسان في المساجد و يعمل بهما ويحكم بقضائهما في العراق والشام ومصر واليمن وايران ...الخ، .لاول مرة في التاريخ يتحمل الرسالة أمم و شعوب بكاملها لتبلغها الى الأجيال بعدها سالمة غير ناقصة، كان الفتح الاسلامي السريع الوسيلة العظمى للحفاظ على الرسالة بنقائها وصفائها، وصدق الله" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)(الحجر) ، أمم قدر لها الله ان تدرس على يد ذلك الجيل القويم فتعلموا منهم اجلال جناب النبي الكريم و تعظيم سنته و الامتثال لامره و نهيه ، فحفظوا ذلك وبلغوه لنا أمة عن أمة ، فجزى الله الصحابة وتابعيهم عنا كل خير..
كانت هذه مقدمة لا بد منها للتذكير بان طاعة الرسول الامين صلى الله عليه وسلم معلومة من الدين بالضرورة نقلتها لنا أجيال الامة جيلا بعد جيل، لا يغفل عنها الا من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، والآن الى طائفة من ايات القرآن الكريم التي تبين لنا منزلة السنة:


قال تعالى:" قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين " (32)

قال الامام ابن كثير رحمه الله:
{ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا } أي خالفوا عن أمره { فإن الله لا يحب الكافرين } فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين : الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه والدخول في طاعته واتباع شريعته(تفسير ابن كثير:1\477)
وقال الامام الالوسي رحمه الله معلقا على هذه الاية الكريمة:
والمراد من الكافرين من تولى ولم يعبر بضميرهم للايذان بأن التولى عن الطاعة كفر وبان محبته عز وجل مخصوص بالمومنين لأن نفيها عن هؤلاء الكفار المستلزم لنفيها عن سائرهم لاشتراك العلة يقتضى الحصر فى ضدهم(روح المعاني:3\130)
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله:" فكأنه قيل ومع ذلك فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها فأجاب بقوله قل أطيعوا الله والرسول بامتثال الأمر واجتناب النهي وتصديق الخير فإن تولوا عن ذلك فهذا هو الكفر والله لا يحب الكافرين"(تفسير السعدي)



وقال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء:59 )

قال ميمون بن مهران فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ما دام حيا فإذا قبض فإلى سنته(رح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي:1\73)
وعن مجاهد قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم قال أهل العلم وأهل الفقه فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول قال كتاب الله وسنة نبيه ولا تردوا إلى أولي الأمر شيئا(المصدر السابق:1\73)
قال الامام ابن كثير رحمه الله:
وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال ولهذا قال تعالى { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الاخر(التفسير:1\687)



وقال جل وعلا { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون ان يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا وأطعنا واولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون }

قال الامام الشافعي رحمه الله:

فأعلم الله الناس في هذه الآية ان دعاءهم إلى رسول الله ليحكم بينهم دعاء إلى حكم الله لأن الحاكم بينهم رسول الله وإذا سلموا لحكم رسول الله فإنما سلموا لحكمه بفرض الله .
وانه أعلمهم ان حكمه حكمه على معنى افتراضه حكمه وما سبق في علمه جل ثناؤه من إسعاده بعصمته وتوفيقه وما شهد له به من هدايته واتباعه أمره .
فاحكم فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله وإعلامهم أنها طاعته.
فجمع لهم أن أعلمهم أن الفرض عليهم اتباع امره وأمر رسوله وأن طاعة رسوله طاعته ثم أعلمهم أنه فرض على رسوله اتباع أمره جل ثناؤه (الرسالة 84)





السنة لا تعارض القرآن


والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
1-أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.
مثاله: الأمر العام بالصلاة و الزكاة والصيام والجهاد في القرآن و السنة

2-أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له، وهذا كثير بين ، فالقرآن يذكر الاحكام بل وحتى كثيرا من الاخبار مجملة وترك البيان للوحي الثاني(السنة)
مثاله:
أ-قال تعالى" وأقيموا الصلاة": ولم يبين لنا أركانها ولا واجباتها ولا مندوباتها وتكفلن السنة ببان ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم" صلوا كما رأيتموني أصلي"
ب-قال تعالى" ولله على الناس حج البيت": وهذا أمر مجمل ، وبينت السنة مناسك الحج، فقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم" خذوا عني مناسككم"
ج- قال تعالى" واتوا الزكوة": ولم يبين لنا القرآن الاصناف الزكوية ولا انصبتها وقد تولت السنة بيان ذلك كله.
د- قسمة الغنائم: بينت السنة حظ الفارس والراجل ومن له السلب(ما على قتيل العدو من متاع) و التنفيل وغير ذلك من الأمور.
هـ-معاملات البيع والشراء: قال تعالى" وأحل الله البيع": بينت السنة أنواع البيوع المحرمة والشروط الجائزة والمحرمة في البيوع، مثل قوله صلى الله عليه وسلم" البيعان بالخيار مالم يتفرقا" متفق عليه.

3- أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه.
أمثلة:
أ-تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، قال صلى الله عليه وسلم:" لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا "(متفق عليه)، وقد أجمعت الأمة على هذا من عصر الصحابة رضي الله عنهم الى يومنا هذا ولم ينكر هذا الحكم الا طائفة من زنادقة الهند ممن يدعون أنهم يتبعون القرآن دون سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ب- التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب، قال صلى الله عليه وسلم:" يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ » (متفق عليه) . سنتكلم عن هذا المثال بالتفصيل في الحلقات القادمة ان شاء الله عز وجل.
ج- منع الحائض من الصلاة و الصيام والطواف بالبيت ، قال صلى الله عليه وسلم" أليسَ إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟"
د- وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، وثبت ذلك في الصحيحين في قصة طويلة.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة ولله الحمد.
ولا تخرج علاقة السنة بكتاب الله عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما:
فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ص - تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته وليس هذا تقديما لها على كتاب الله بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله ولو كان رسول الله ص - لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى وسقطت طاعته المختصة به وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به وقد قال الله تعالى "من يطع الرسول فقد أطاع الله" وكيف يمكن لاحد من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله؟!!
وهل يمكن لاحد ان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد خالفت كتاب الله أو زدت عليه فلن نطيعك؟!
وسنتكلم بمزيد من تفصيل على الامثلة السابقة في الحلقات القادمة ان شاء المولى عز وجل.

(مقتبس من اعلام الموقعين بتصرف كبير)
والله الموفق ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم.

سيف الكلمة
12-28-2005, 05:46 AM
الحلقة السادسة: هل تنسخ السنةُ القرآنَ؟


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فقد تقدم في الحلقة السابقة بيان منزلة السنة المطهرة وعلاقتها بالقرآن الكريم وأنها وحي الله الثاني ، ولما كانت بهذه المنزلة فإنّ النظر المجرد يجيز نسخ السنة للقرآن ، ولكننا لم نجد شرعا مثالا صحيحا على ذلك، لذا فالقول الراجح في هذه المسألة جواز ذلك نظرا و عقلا والمنع منه شرعا، وإليك طائفة من أقوال العلماء المحققين تكشف لك المزيد من دقائق هذه المسألة المهمة:


1- ذهب الامام الشافعي رحمه الله الى أن القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن وكذلك السنة لا تنسخ الا بالسنة، فإن نسخ القرآن سنة فلا بد للنبي من أن يسن سنة توافق أمر القرآن و تبينه، قال رحمه الله في الرسالة:
فأخبر الله أنَّ نسْخَ القُرَآن وتأخيرَ إنْزالِه لا يكون إلا بِقُرَآن مثلِه ،وقال : " وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ : قَالُوا : إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ( 101 ) " ( النحل)
وهكذا سنة رسول الله لا يَنْسَخُها إلا سنةٌ لرسول الله ولو أحدث الله لرسوله في أمر سنَّ فيه غيَر ما سنَّ رسول الله : لَسَنَّ فيما أحدث الله إليه حتى يُبَيِّنَ للناس أن له سنةً ناسخةَ لِلَّتي قّبْلَها مما يخالفها(الرسالة:108)
ويزيد ذلك بيانا:
إن قال قائل : هل تُنْسَخ السنةُ بالقُرَآن ؟
قيل : لو نُسخَت السنة بالقُرَآن كانت للنبي فيه سنةٌ تُبَيِّنُ أنَّ سنته الأولى منسوخة بسُنته الآخِرة حتى تقوم الحجةُ على الناس بأنَّ الشيء يُنْسَخ بِمِثْله(المصدر السابق:111)
ويلخص لنا الإمام السبكي رحمه الله مذهب الشافعي :
أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سن سنة ثم انزل الله في كتابه ما ينسخ ذلك الحكم فلا بد ان يسن النبي صلى الله عليه وسلم سنة أخرى موافقة للكتاب تنسخ سنته الاولى لتقوم الحجة على الناس في كل حكم بالكتاب والسنة جميعا ولا تكون سنة منفردة تخالف الكتاب......
فهذا هو معنى القول المنسوب الى الشافعي أعني انه لا بد ان يسن النبي صلى الله عليه وسلم سنة أخرى واكثر الأصوليين الذين تكلموا في ذلك لم يفهموا مراد الشافعي وليس مراده الا ما ذكرناه(الإبهاج248\2)
وقال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي(من أئمة الشافعية):
"وأما نسخ القرآن بالسنة فلا يجوز من جهة السمع ومن أصحابنا من قال لا يجوز من جهة السمع ولا من جهة العقل والأول أصح"(اللمع في أصول الفقه:31)



2-وقال الامام مجد الدين ابن تيمية(جد شيخ الاسلام):
مسألة لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعا ، ولم يوجد ذلك ؛نص عليه(اي الامام أحمد) فى رواية الفضل بن زياد ( وأبى الحارث ) وأبى داود وبه قال الشافعى وأكثر أصحابه منهم أبو الطيب وغيره وقال أبو الطيب و ابن سريج: يجوز نسخه بالسنة المتواترة لكنه لم يوجد ، واختاره أبو الخطاب(من فقهاء الحنابلة)(المسودة:182\1)


3-قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وبالجملة فلم يثبت ان شيئا من القرآن نسخ بسنة بلا قرآن وقد ذكروا من ذلك قوله تعالى فامسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت او يجعل الله لهن سبيلا وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى انه قال خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم
وهذه الحجة ضعيفة لوجهين:
احدهما: ان هذا ليس من النسخ المتنازع فيه فان الله مد الحكم الى غاية والنبى صلى الله عليه وسلم بين تلك الغاية لكن الغاية هنا مجهولة فصار هذا يقال انه نسخ بخلاف الغاية البينة في نفس الخطاب كقوله ثم اتموا الصيام الى الليل فان هذا لا يسمى نسخا بلا ريب
الوجه الثانى: ان جلد الزانى ثابت بنص القرآن وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى ثم نسخ لفظه وبقى حكمه وهو قوله والشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وقد ثبت الرجم بالسنة المتواترة واجماع الصحابة
وبهذا يحصل الجواب عما يدعى من نسخ قوله واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم الآية فان هذا ان قدر انه منسوخ فقد نسخه قرآن جاء بعده ثم نسخ لفظه وبقى حكمه منقولا بالتواتر وليس هذا من موارد النزاع فان الشافعى واحمد وسائر الائمة يوجبون العمل بالسنة المتواترة المحكمة وان تضمنت نسخا لبعض آى القرآن لكن يقولون انما نسخ القرآن بالقرآن لابمجرد السنة ويحتجون بقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها او مثلها ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه إلا بقرآن"

وفيما ذكر شيخ الاسلام جملة أمور، منها:
1-لم يثبت شيئا نسخ بسنة بلا قرآن، وهذا قول من حافظ جليل سبر السنن و أحاط بدواوينها.
2- القرآن ينسخ بالقرآن و السنة تبين ذلك و تؤكده.
3- بيان قول الشافعي وأحمد وجمهور الأئمة وذكر حجتهم من كتاب الله عز وجل.





دعوى للزنديق المذكور في الحلقات السابقة

يقول:
"وبعض تلك الأحاديث البشرية كانت فى الأصل آراء فقهية جاء بها القياس الفقهى، مثل تحريم الجمع بين الزوجة وعمتها أو خالتها قياساً على تحريم الجمع بين الزوجة وأختها، ومثل قولهم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب قياساً على تحريم الزواج بالأم المرضعة والأخت من الرضاع. وبذلك أضاعوا تشريع القرآن فى المحرمات فى الزواج... ولكن الواقع أن المسلمين تناسوا تشريع القرآن فى سبيل تلك الأحاديث، والحجة الجاهزة لديهم أن تلك الأحاديث قد "نسخت" أى ألغت تشريع القرآن الواضح الجامع المانع"أهـ

وفي كلامه جملة أمور:

أ- حكم على هذه الأحاديث التي تناقلت الأمة حكمها جيلا بعد جيل بالوضع، فهذا تكذيب منه للأمة على مدى التاريخ ولو قال هذا الكلام محدث جهبذ لرد عليه فكيف و القائل من أجهل الناس بالحديث بل هو من أجهل الناس بمواطن الإجماع والمعلوم من الدين بالضرورة؟!!
ب- ما بين لنا الدافع النفسي لهذه الجماهير كي تحرم الجمع بين المرأة و خالتها أو تجعل الرضاع كالنسب!
والغالب أنّ الناس تكره التقييد و تميل الى التوسع في مثل هذه الأمور.

ب- زعم أن أهل الاسلام يقولون أن هذه الأحاديث ناسخة لكتاب الله وهذا آفتراء منه عليهم ولم يذكر لنا هذا المفكر العبقري مصادره التي نقل منها! مع أن الجمهور الأعظم من علماء المسلمين ذمّوا من زعم ان هذه الآيات منسوخة بالأحاديث الشريفة وجهلّوا صاحب هذا القول، وقد ذكروا فيها وجوها :

أحدها: الأحاديث الشريفة مؤسسة لحكم زائد على ما في كتاب الله وهذا لا يسمى نسخاً في الاصطلاح كما تقدم ولا يعارض كتاب الله أبداً.
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله:
فكان ذلك زيادة حكم من الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كنكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله واحل لكم ما وراء ذلكم(التمهيد:146\1)
وقد ذكر ابن القيم مثل ذلك.

الثاني: أن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها لأن الله تعالى حرم الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد(القرطبي:115\5)
وقال أبو السعود رحمه الله:" ويشترك في هذا الحكم (اي الجمع بين الأختين)الجمع بين المرأة وعمتها ونظائرها بل أولى فإن العمة والخالة بمنزلة الأم فقوله عليه السلام لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها من قبيل بيان التفسير لابيان التغيير وقيل هو مشهور يجوز به الزيادة على الكتاب"(تفسير أبي السعود:162\2)
وقال الإمام الآلوسي رحمه الله:" فإن العمة والخالة بمنزلة الأم فقوله صلى الله تعالى عليه وسلم مبالغا في بيان التحريم : لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على إبنة أختها ولا على إبنة أخيها من قبيل بيان التفسير لا بيان التعبير(كذا ولعله التغيير) عند بعض المحققين"(روح المعاني:261\4)

الثالث: هذه الأحاديث الشريفة هي مخصصة لعموم قوله عز وجل" و أحل لكم ما وراء ذلكم"

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:
قوله "وأحل لكم ما وراء ذلكم" : هذا عند عموم العلماء لفظ عام دله التخصيص بنهي النبي أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها وليس هذا على سبيل النسخ وقد ذهب قوم لا فقه لهم إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث وهذا إنما يأتي من عدم فهم الناسخ والمنسوخ والجهل بشرائطه وقلة المعرفة بالفرق بين التخصيص والنسخ(نواسخ القرآن:124)
قال الإمام الشاطبي رحمه الله: وهذه الأشياء من باب تخصيص العموم لا تعارض فيه على حال(الاعتصام:515\1)
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: وأما قوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فعموم مخصص بأحاديث الباب(نيل الأوطار:203\6)
وقال الإمام الصنعاني رحمه الله: وأيضا فقد أجمعت الصحابة على ذلك فخصصوا قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم بقوله صلى الله عليه وسلم لا تنكح المرأة على عمتها(آية السائل:230)
قال الإمام الآلوسي رحمه الله:
وقال آخرون : إن الحديث مشهور فقد ثبت في صحيحي مسلم وإبن حبان ورواه أبو داؤد والترمذي والنسائي وتلقاه الصدر الأول بالقبول من الصحابة والتابعين ورواه الجم الغفير منهم أبو هريرة وجابر وإبن عباس وإبن عمر وإبن مسعود وأبو سعيد الخدري فيجوز تخصيص عموم قوله تعالى : وأحل لكم ما رواء ذلكم"(روح المعاني 261\4)

والأمر كذلك في مسألة كون الرضاع كالنسب في الحل و الحرمة، فهو إما زيادة حكم شرعي أو بيان و تفسير لقول الله عز وجل ، وأميل الى القول الأخير فالله سبحانه و تعالى سمّى المرضعة أمّاً وسمى ابنتها أختاً وزادت السنة ذلك بياناً و إيضاحاً فأخبرتنا أن زوجها أبٌ وأن أختها خالةٌ وهكذا، قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ » (متفق عليه)

وبهذا يتبين لنا جهل الدكتور واعراضه عن كتب أهل العلم وغروره بنفسه مع كذبه في النقل وتحريفه لكلام العلماء.


والله الموفق ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم

(مقتبس من اعلام الموقعين بتصرف كبير)
ومنقول عن
أبو مارية القرشى من منتدى التوحيد