المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصدقة واثارها العجيبة / للامام ابن القيم الجوزية



ضحى
11-17-2005, 08:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الصدقة واثارها العجيبة / للامام ابن القيم الجوزية
للامام شمس الدين محمد بن ابي بكر بن قيم الجوزية.
فصل الصدقة واثارها وامركم بالصدقة فان مثل ذلك مثل رجل اسره العدو فاوثقوا يده منهم
فصل الصدقة واثارها وامركم بالصدقة فان مثل ذلك مثل رجل اسره العدو فاوثقوا يده منهم. هذا ايضا من الكلام الذي برهانه وجوده. ودليله وقوعه. فان للصدقة تاثيرا عجيبا في دفع انواع البلاء ولو كانت من فاجر او من ظالم بل من كافر. فان الله تعالى يدفع بها عنه انواعا من البلاء وهذا امر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم واهل الارض كلهم مقرون به لانهم جربوه.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء. وكما انها تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى فهي تطفئ الذنوب والخطايا كما تطفئ الماء النار.
وفي الترمذي عن معاذ بن جبل قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فاصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقال ألا ادلك على ابواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون.
وفي بعض الاثار باكروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطى الصدقة.
وفي تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بمن قدم ليضرب عنقه فافتدى نفسه منهم بماله كفاية. فان الصدقة تفدي العبد من عذاب الله تعالى فان ذنوبه وخطاياه تقتضي هلاكه فتجئ الصدقة تفديه من العذاب وتفكه منه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما خطب النساء يوم العيد يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فاني رايتكن اكثر اهل النار وكانه حثهن ورغبهن على ما يفدين به انفسهن من النار.
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من احد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم وينظر اشام منه فلا يرى الا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة.
وفي حديث ابي ذر انه قال سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينجي العبد من النار قال الايمان بالله قلت يا نبي الله مع الايمان عمل قال ان ترضخ مما خولك الله او ترضخ مما رزق الله قلت يا نبي الله فان كان فقيرا لا يجد ما يرضخ قال يامر بالمعروف وينهى عن المنكر قلت ان كان لا يستطيع ان يامر بالمعروف وينهى عن المنكر قال فليعن الاخرق قلت يارسول الله ارايت ان كان لا يحسن ان يصنع قال فليعن الا مظلوما قلت يارسول الله ارايت ان كان ضعيفا لا يستطيع ان يعين
مظلوما قال ما تريد ان تترك في صاحبك من خير ليمسك اذاه عن الناس قلت يا رسول الله ارايت ان فعل هذا يدخل الجنة قال ما من مؤمن يصيب خصلة من هده الخصال الا اخذت بيده حتى ادخلته الجنة. ذكره البيهقي في كتاب شعب الايمان.
قال عمر بن الخطاب ذكر لي ان الاعمال تتباهى فتقول الصدقة انا افضلكم.
وفي الصحيحين عن ابي هريرة قال ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد او جنتان من حديد قد اضطرت ايديهما الى ثدييهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى انامله وتعفو اثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت واخذت كل حلقة مكانها. قال ابو هريرة فانا رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول باصبعه هكذا في جبته فرايته يوسعها ولا تتسع.

ولما كان البخيل محبوسا عن الاحسان ممنوعا عن البر والخير كان جزاؤه من جنس عمله فهو ضيق الصدر ممنوع من الانشراح ضيق العطن صغير النفس قليل الفرح كثير الهم والغم والحزن لا يكاد تقضى له حاجة ولا يعان على مطلوب فهو كرجل عليه جبة من حديد قد جمعت يداه الى عنقه بحيث لا يتمكن من اخراجها ولا حركتها وكلما اراد اخراجها او توسيع تلك الجبة لزمت كل حلقه من حلقها موضعها وهكذا البخيل كلما اراد ان يتصدق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو .
والمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه وانفسح بها صدره فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح وقوي فرحه وعظم سروره ولو لم يكن في الصدقة الا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقا بالاستكثار منها والمبادرة اليها وقد قال تعالى ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون.
كان عبد الرحمن بن عوف او سعد بن ابي وقاص يطوف بالبيت وليس له دأب الا هذه الدعوة رب قني شح نفسي رب قني شح نفسي فقيل له اما تدعو بغير هذه الدعوة فقال اذا وقيت شح نفسي فقد افلحت.

والفرق بين الشح والبخل

ان الشح هو شدة الحرص على الشئ والإحفاء في طلبه والاستقساء في تحصيله وجشع النفس عليه.

والبخل منع انفاقه بعد حصوله وحبه وامساكه. فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله. فالبخل ثمرة الشح والشح يدعو الى البخل. والشح كامن في النفس فمن بخل فقد اطاع شحه ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووقى شره وذلك هو المفلح ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.



من كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب.