المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وسطية الإسلام التي جهلها الغلاة وحرفها أعداء الدين /ج 1



abu-amirah
08-11-2005, 03:51 PM
وسطية الإسلام التي جهلها الغلاة وحرفها أعداء الدين /ج 1




إنّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"[آل عمران: 102 ].
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً"
[النساء 1].
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً "[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنّ أصدق الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النّار.
وبعد:

وسطية الإسلام من أبرز خصائصه، وهي بالتبع من أبرز خصائص أمة الاستجابة، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ولهذا تجد الإسلام يحذر من المصير إلى أحد الانحرافين: الغلو أو التقصير يقول تعالى(اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
وهذه الوسطية التي تميز الإسلام عما سواه من الأديان هي (العدل) فإن معنى قوله تعالى "أمة وسطا": أي عدولا خيارا كما قال السلف.
فالعدل أساس الشهادة، والخيرية قد جاء التنصيص عليها في قوله تعال "كنتم خير أمة أخرجت للناس".
والسنة شاهدة على وسطية أمة الإسلام وشهادتها على الأمم، فعن أبي سعيد الخدري(وهوسعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي روى عن النبي 1170 حديثا) قال: قال رسول الله× (يجُاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول نعم يارب، فتُسأل أمته هل بلغكم؟ فيقولون: ماجاءنا من نذير، فيقول: (أي لنوح) من شهودُك؟ فيقول: محمدٌ وأمتُه، فيُـجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله(وكذلك جعلناكم أمة وسطا) رواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير.
والعدل يأتي في الغالب وسطا بين طرفين ذميمين، قال حذيفة بن اليمان (اتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم، والله إنْ سُبقتم لقد سُبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا) رواه البخاري في صحيحه.
وقد كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي (م101هـ) كتابا إلى عامل من عماله بعد أن أوصاه بلزوم طريق السلف:(ما دونهم من مُقصر، وما فوقهم من مُحسر، لقد قصّر دونهم أقوام فجفوا، وطمع عنهم قوم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.
قال العظيم آبادي في شرح الحديث(إن السلف الصالحين قد حبسوا أنفسهم عن كشف ما لم يحتج إلى كشفه من أمر الدين حبسا لا مزيد عليه، وكذلك كشفوا ما احتيج إلى كشفه من أمر الدين كشفا لا مزيد عليه). وهذا الأصل هو المقرر عند العلماء فقد قال ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين(2/496): ((مَا أمر اللهُ بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغُلوٍ، ودينُ الله وسطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، كما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد)).
وقال كذلك رحمه الله في إغاثة اللهفان (1/207ط:المكتب الإسلامي): (فنهى النبي× عن التشديد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه، إما بالقدر وإما بالشرع، فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوساوس، فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم.
قال البخاري: وكره أهل العلم الإسراف فيه،-يعني الوضوء- وأن يجاوز فعل النبي، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إسباغ الوضوء الإنقاء، فالفقه كل الفقه الاقتصاد في الدين، والاعتصام بالسنة)اهـ

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(فإن الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم).
ويقول الشاطبي –رحمه الله–:(إن الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط العدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، فإذا نظرت إلى كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط والاعتدال، ورأيت التوسط فيها لائحا، ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه).
ووسطية الإسلام جلية بارزة في مظاهر شتى من هذا الدين الحنيف، بل وفي كل تشريعاته وأحكامه، فهي تتجلى بوضوح في عقيدة الإسلام، فقد جاءت وسطاً بين النحل، فلا إلحاد ولا وثنية، ولا قبورية، بل عبودية خالصة لله وحده عز وجل لا شريك له ، وفي باب الأسماء والصفات وسط بين المعطلة والممثلة، وفي باب القضاء والقدر وسط بين القدرية والجبرية، وفي باب الإيمان وسط بين المرجئة والمعتزلة والخوارج ، وفي العبادات وسط بين من يُلغون الأحكام والشعائر أصلا، ويرون كل شيء مباحا جائزا كحال النصارى، وبين من يحرم بالهوى والعقل كحال اليهود؛ والإسلام وسط في موازنته بين البعد الروحي والبعد الطيني للإنسان، فينظر إليه الإسلام على أساس أنه مخلوق مزدوج المادة يقوم كيانه على قبضة من طين، ونفخة من روح، قال تعالى. قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ" (ص:الأية71)
ومن المجالات المهمة التي تبرز فيها وسطية الإسلام ما يتعلق بالتشريع والتحليل والتحريم، ومناهج النظر والاستدلال، فقد توسطت الشريعة في هذه المجالات بين اليهود الذين حرموا على أنفسهم كثير من الطيبات وقوم استحلوا حتى المحرمات كما هو ديدن النصارى، والحكم والتحليل والتحريم حق الله سبحانه "قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ"(الأنعام: 57) ِإنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"
(الأعراف: 54).
وقال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (الأعراف32).
وفي منهج النظر والاستنباط وازن الإسلام بين مصادر التلقي والمعرفة، ووافق بين صحيح المنقول، وصريح المعقول، وعالم الغيب، والشهادة، وإعمال النصوص ورعاية المقاصد، ووازن بين تحقيق المصالح، ودرء المفاسد.
وفي مجال الإنفاق تتحقق الوسطية في قول الله عز وجل وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً" (الفرقان: 67).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره لآية سورة الفرقان: (أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا).
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد* كلا طرفي قصد الأمور ذميم
إن وسطية الإسلام سمة شاملة جامعة، لكل قضايا الدنيا والآخرة، وهي معلم من معالم إعجازه وصلاحه، لكل زمان ومكان، وهذه الوسطية تُضاعف مسئولية الأمة ودورها العالمي، فهي أمة الوسطية والشهادة على الناس "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (البقرة: 143) شهادة تصان فيها الحقوق، وتحقق العدالة، وتحفظ الكرامة، وتبسط السلام، وتبنى الحضارة النافعة، بعد أن تردى العالم في غياهب الصراعات وأنهكت البشرية ألوان من الصدامات، وتقاذفت الإنسانية أمواج من الأنظمة والأهواء، ومزقت كياناتها في رحلة مهلكة من الضياع، وهوة سحيقة من الفناء، وذلك بسبب أفنان من الصلف والتطرف والأحادية في الرأي، والشطط في الرؤى والمواقف. ولئن آل حال العالم إلى ما نراه اليوم من تسلط وصراع حضاري خطير، فإن الأمل –بعد الله– في أمة الوسطية والاعتدال أن تكبو من عثرتها، وتفيق من غفلتها، وتجمع شتاتها، وتصلح ما أفسده بعض أبنائها من منهج الوسطية والاعتدال، فإنه ضمان الأمان، وطريق السلام بإذن الله.

وكتبه/ عبد الحميد عبد الحميد العربي