المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف تكون أخاً صالحاً



abu-amirah
08-09-2005, 03:54 PM
كيف تكون أخاً صالحاً

إعداد: هشام بن فهمي العارف

نعمة الأخوة:
أمر الله تعالى في سورة آل عمران بالاعتصام والأخوة فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103).
فدلت هذه الآية الكريمة، على معان سامية جليلة، من تدبرها وعمل بما فيها كان من الفرقة الناجية، وعصمه الله تعالى من الخذلان، وأيده ورفع شأنه، ومن هذه الدلالات العظيمة:
أولاً: الأمر بالتمسك بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة:
فقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ) أي: تمسكوا بدين الله الإسلام، وهو المنصوص عليه في كتابه العزيز، قاله: ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وقد جاءت السنة ببيان ذلك، فعن أبي سعيد الخدري ـ كما في صحيح الجامع (4473) ـ مرفوعاً : "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض". وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه" نحواً من هذا عن زيد بن أرقم مرفوعاً : " كتاب الله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة". واستعار الله تعالى لدينه، أو لكتابه العزيز، الحبل، من حيث إن التمسك به سبب النجاة من الردى، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة عن التردي في الهلاك. ‌


ثانياً: الأمر بالجماعة:
وإلى هذا المعنى ذهب ابن مسعود في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ). وقال: "عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة. وقوله تعالى: (جَمِيعًا) أي: مجتمعين على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. وقد حث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الجماعة في أكثر من حديث فقد أخرج الإمام أحمد، والترمذي ، عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". وقال في الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ "عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية". ـ وفي رواية ـ " فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية". ومن عظيم مكافأة من كان مع الجماعة ما أخرجه ابن أبي عاصم عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". وأخرج عبد الله في زوائد المسند القضاعي وهو في "صحيح الجامع" (3109) عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب". ‌

ثالثاً: النهي عن التفرق:
وقوله تعالى: (وَلا تَفَرَّقُوا) أي: لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما كنتم في الجاهلية. أخرج الإمام البخاري في "الأدب المفرد" (442) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".

ومن أسباب التفرق وهي كثيرة لكن أعظمها:
مخالفة منهج السلف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتباعهم. فبعد أن دل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي تقدم إلى أهمية التوحيد في الكتاب والسنة، توحيد الله تعالى بأقسامه الثلاث، الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. أمر بالاعتصام بحبله المتين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن أسباب التفرق ترك المناصحة في الله تعالى، خاصة مناصحة ولاة الأمر، وبعد أن بين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أهمية التوحيد نبه إلى أهمية مناصحة من ولاه الله تعالى الأمر، أي: ولاة الأمر، لما في الخروج عن طاعتهم في المعروف من فساد عظيم.
ومن أسباب التفرق الاستماع إلى المغرضين المكذبين، الذين همهم بعد أن صرفهم الله تعالى إيقاع الترويجات الفاسدة، وإلقاء الشبه المكدرة، وإحداث الغل في النفوس الضعيفة. لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن القيل والقال، وكثرة السؤال.
ويلحق بذلك الأخلاق الذميمة، كالنميمة والغيبة، ومما في كلام الناس من التنقص والذم من غير بصيرة.
ومن أسباب التفرق في ضوء الحديث المتقدم إضاعة المال، أي صرف المال في وجوه غير مستحقة، مما يولد في النفوس حب الزهو والخيلاء لدى الآخذ بغير حق، ويولد في النفوس الغل والحسد والحقد لدى المحروم بغير حق. أو أنه يزيد في فعل المعاصي لأنه مصروف بغير حساب.

رابعاً: على العبد المسلم الذي انتهج منهج الحق والصراط المستقيم، أن يكون دائم التذكر لنعمة الإيمان، التي من جملتها الهداية والتوفيق إلى الإسلام، والعلم الصالح، والتمسك بالسنة الصحيحة كما جاءت، ومعلوم أن كل هذا يفضي إلى نعمة الجماعة وتصيير الأخوة، فاجتمعوا بذلك على الدين الصحيح، والسنة الصحيحة، والفهم الصحيح، متآلفين، متآخين، متحابين.لذا قال تعالى في الآية: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).
خامساً: وعلى العبد المسلم الذي انتهج منهج السلامة والخير، منهج السلف الصالح، أن يكون على حذر من نقض ما تقدم ففي النقض الهلاك ودخول النار لذا قال الله تعالى في الآية: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا).
سادساً: وختم الله تعالى الآية بقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، فمن أحب أن يكون على الهدى ويزداد منه، ويكون دائماً على بصيرة فعليه بما تقدم بيانه في الآية.

نعمة الصلاح
قال تعالى في سورة فصلت: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(33) . أي: لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وفي ذلك الترغيب في طلب العلم النافع، وتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله ، بجميع أنواعها والحث عليها، والزجر عما نهى الله عنه، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما يصيبه، والحث على مكارم الأخلاق، وعلى رأسها بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والوعظ لعموم الناس وتعليمهم سنن النبي صلى الله عليه وسلم وأن يبين المبتدعات والأمور المحدثات.

وقوله: (وَعَمِلَ صَالِحًا): أي مع دعوته الخلق الى الله، بادر هو بنفسه إلى امتثال أمر الله، بالعمل الصالح الذي يرضي ربه. فعمله مبني على العلم النافع قائم على الدليل من الكتاب أو السنة وبناء على فهم السلف الصالح. فتوفر في عمله الشرطان: الأداء الخالص لوجه الله تعالى، والمتابعة الصحيحة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ): (وَقَالَ) مؤكدا عند المخالف والمؤالف قاطعا لطمع المفسد (إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ) أي الراسخين في صفة الإسلام، مقتديا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبصحابته الكرام متظاهراً بذلك لا يخشى في الله لومة لائم، وإن سماه أبناء زمانه بالمتشدد أو المتعصب أو الغليظ أو ما شابهها.

وبناء على ما تقدم فمن أهم الأعمال الصالحة:
1- التمسك بالاعتقاد الصحيح من خلال الكتاب والسنة وبفهم سلف الأمة أفاد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي). ويدخل في هذا الباب طلب العلم، ومفهوم معنى لا إله إلا الله موالاة ومعاداة.
2- الاجتماع على الكتاب والسنة، أفاد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة). ويدخل في هذا الباب التمسك بالسنة ، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم والبعد عن محدثات الأمور، وترك البدع، والمعاصي، وهجر أهل الباطل قدر تحقيق المصالح وإزالة المفاسد.
3- التخلق بالأخلاق الحسنة ومنها على سبيل المثال: المحبة، والصدق، والنصيحة.
المحبة على اعتبار أنها من خير خصال الأخ الصالح
نبه الله عز وجل على أهمية المحبة، ووضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله". قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه "مدارج السالكين": قال بعض المحبين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها!! قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قالوا: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، أو نحو هذا من الكلام.
لذا كان مما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، والترمذي، والنسائي، وغيرهما عن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار".
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: " من أحب أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله".
وفي السنن عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ..فكان مما في الحديث .. ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك، وافترقا عليه".

ومن عظيم ما في المحبة بين الأخوين ما روا أنس مرفوعاً: " ما تحابا الرجلان إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه".
وقد وصف الله تعالى أهل الضلال وما بلغ فيهم من الحماقة والجهالة أنهم يحبون أوثانهم وأصنامهم ومعبوداتهم محبة يجعلونها متساوية إن لم تكن أكثر من محبة الله فقال في سورة البقرة : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ..(165).
كيف يسوى بين محبة الله ومحبة الحجر؟ وحب المؤمنين لله أشد من حب المشركين للأنداد. فمحبة المؤمن لله لا تنقطع، بينما محبة المشركين للأنداد متوقفة على الهوى والمصالح. وبناء على هذا فمحبة المؤمن لأخيه المؤمن نابعة من محبته لله وتزداد هذه المحبة كلما ازدادا في الله تعالى تقوى وخشية، وتعلقاً بما جاء في الكتاب والسنة، وكان ذلك على فهم سلف الأمة.

وفي "الصحيحين" عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم ؟ فقال: "المرء مع من أحب" .
وعن الحسن في قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) قال : وكان علامة حبه إياهم إتباع سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية ، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:" مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " ولهذا قال : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم ، وهو أعظم من الأول ، كما قال بعض العلماء الحكماء : ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب . وقال الحسن البصري وغيره من السلف : زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ).

قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : فدلت الآية أنها لا تحصل إلا باتباع الرسول، ودلَّ الخبر على أن اتباع الرسول وإن كان الأصل أنه لا يحصل إلا بامتثال جميع ما أمر به أنه قد يحصل من طريق التفضل باعتقاد ذلك وإن لم يحصل استيفاء العمل بمقتضاه ، بل محبة من يعمل ذلك كافية في حصول أصل النجاة ، والكون مع العاملين بذلك لأن محبتهم إنما هي لأجل طاعتهم ، والمحبة من أعمال القلوب فأثاب الله محبهم على معتقده ، إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها ، وليس من لازم المعية الاستواء في الدرجات .أهـ

الصدق على اعتبار أنه من خير خصال الأخ الصالح
أمر الله تعالى بالصدق في كتابه العزيز، وحث عليه، فقال في سورة التوبة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119). وجعل الله تعالى الصدق علامة على المؤمن، فالمؤمن صادق في اعتقاده، صادق في تبعيته لنبيه صلى الله عليه وسلم، صادق في محبته للسلف الصالح الذين على رأسهم الصحابة، صادق في جهاده لمعرفة الحق والدفاع عنه، صادق في أقواله وأفعاله، صادق في نصيحته لإخوانه، صادق في دعوته لربه، وقد امتدح الله تعالى جملة صدق المؤمن بقوله في سورة المائدة: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(119).

والصدق في الاعتقادات، والأقوال، والأفعال، شيمة المؤمنين المتحابين في الله، المتناصحين في الله، وهو درجة رفيعة لأن الكذب درجة وضيعة خسيسة، فلا يعقل أن يكون المؤمن كذاباً فالكذب صفة المنافق والكافر، لذا قال الله تعالى في سورة الأحزاب: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ ..) فالصدق مرتبة عالية لا يتحلى بها إلا مؤمن.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق، في كثير من أحاديثه منها ما رواه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " احلفوا بالله وبروا واصدقوا فإن الله يحب أن يحلف به".
وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي قراد السلمي ـ رضي الله عنه ـ قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بطهور فغمس يده فتوضأ فتتبعناه فحسوناه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على ما فعلتم؟ قلنا: حب الله ورسوله، قال: "فإن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله فأدوا إذا ائتمنتم، واصدقوا إذا حدثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم".

وأخرج أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة".
وأخرج الإمام البخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن، عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".

يستفاد من الحديث أنه من تحرى الصدق وفق لحسن الختام، كما ذكره بعض العلماء، وقال ابن بطال فيما نقله ابن حجر في "الفتح"(10/509):"إذا كرر الرجل الكذب حتى استحق اسم المبالغة بالوصف بالكذب؛ لم يكن من صفات كملة المؤمنين؛ بل من صفات المنافقين". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدق أصل يستلزم البر، وأن الكذب يستلزم الفجور، وقد قال تعالى في سورة الانفطار: (إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ(14).
وعن الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك، إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة"، رواه الترمذي ، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب" (2930).

النصيحة على اعتبار أنها من خير خصال الأخ الصالح
النصح نقيض الغش، والنصيحة: كلمة جامعة معناها: حيازة الخير للمنصوح له، وقيل إنها مأخوذة من "نصحت العسل" إذا صفيته من الشمع، شبه تخليص القول من الغش، بتخليص العسل من الخلط. لذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، فهي عماد الدين وقوامه، كقوله: "الحج عرفة". قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم": "فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل ـ عليه السلام ـ وسمى ذلك كله ديناً".

والنصيحة في أيامنا معدن كاد يكون نادراً لضعف الإيمان والجهل في الدين، بل لعل الناصح يكون في مواقف كثيرة هو المذنب لأنه نصح!!! صحيح تحتاج النصيحة للفقه في الدين، فلا يكون الناصح ناصحاً إلا إذا كان فقيهاً في دين الله تعالى، ومنزلة الناصح رفيعة عن ربه ولا أدل على ذلك من فعل الأنبياء والرسل فهم الرأس في النصح والنصيحة. فاسمع ـ على سبيل المثال ـ ما قاله نوح لقومه: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَلاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ).

أخرج البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم، عن جرير، قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني فيما استطعت، والنصح لكل مسلم". وجاء في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"حق المسلم على المسلم ست" فذكر منها: "وإذا استنصحك فانصح له".
وقال الغزي في "آداب العشرة": "ومنها ـ أي من الآداب ـ أن يراعي في صحبة إخوانه صلاحهم لا مرادهم، ودلالته على رشدهم لا على ما يحبونه".

وقال ابو صالح المري: "المؤمن من يعاشرك بالمعروف ويدلك على صلاح دينك ودنياك، والمنافق من يعاشرك بالممادغة ـ يعني التملق والكذب ـ ويدلك على ما تشتهيه، والمعصوم من فرق بين الحالين".
وقال ابن حبان ـ رحمه الله ـ: "خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة، كما أن خير الأعمال أحمدها عاقبة، وأحسنها إخلاصاً، وضرب الناصح خير من تحية الناشيء.. الى أن قال .. وليس الناصح بأولى من المنصوح".
وننبه أن لا يجوز لطالب العلم بناء على ما تقدم أن يخلط بين النصيحة والشدة، فالنصيحة عادة ما يكون مجالها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا مما يكون صعباً إلا على من جعل الله له نفساً زكية راضية متواضعة.

4- التعاون على البر والتقوى.
عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه قال: " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا". وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعاً : "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وكونوا إخوانا كما أمركم الله". ‌

خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه
عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً : "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه". والمعلوم أن الخيرية بين الأصحاب ما كانت العلاقة بينهما في الله ، وعلى منهج رسول الله ، وعلى منهج السلف الصالح ، ولا خير في صحبة خلاف ذلك ، لذلك بوب المنذري في "الترغيب والترهيب" في كتاب الأدب ، باباً سماه "باب الترغيب في الحب في الله تعالى ، والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع لأن المرء مع من أحب" وأورد فيه حديثاً رواه الحاكم ، وحسنه الألباني ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من سره أن يجد حلاوة الإيمان ؛ فليحب المرء لا يحبه إلا لله". وروى الطبراني بإسناد جيد قوي عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ يرفعه : "ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه".

وخير الأصحاب من كان مخلصاً في نصح صاحبه ، وهدايته إلى طريق السنة ومنهج السلف الصالح ، ولا يكون ذلك إلا في المحبة ، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : متى الساعة ؟ قال : "وما أعددت لها"؟ قال : لا شيء ، إلا أني أحب الله ورسوله . فقال : "أنت مع من أحببت" . قال أنس : فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : "أنت مع من أحببت" . قال أنس : فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر وعمر ، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم ، وإن لم أعمل عملهم .

ومن هذا الباب كان قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي".