المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقبات التي يتدرج منها الشيطان لإغواء العبد



abu-amirah
06-14-2005, 03:54 PM
قال ابن القيم رحمه الله:
[ العقبات التي يتدرج منها الشيطان لإغواء العبد] هي مايلي:

(( العقبة الأولى )):

عقبة الكفر بالله ولقائه وبصفات كماله وبما أخبرت به رسله عنه، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح .
فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طَلَبهُ على:

(( العقبة الثانية )):

وهي عقبةُ البدعة إما باعتقاد خِلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه ، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله، من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين التي لايقبل الله منها شيئاً.
والبدعتان في الغالب متلازمتان قلَّ أن تنفك إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم؛ تزوِّجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال ، فاشـتغل الزوجان بالعرس فلم يفجأهُم إلاِّ وأولاد الزِّنا يعيشون في بلاد الإسلام ، تضِجُّ منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى.
وقال شيخنا : تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولّد بينهما خسران الدنيا والآخرة.
فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة واعتصم منها بحقيقة المتابعة وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
وهيهات أن تسمح الأعصارُ المتأخرةُ بواحدٍ من هذا الضرب، فأن سمحت به نصب له أهل البدع الجبائل وبغوة الغوائل وقالوا: مُبدعٌ مُحدث، فإذا وفَّـقـه الله لقطع هذه العقبة طلبه على :


(( العقبة الثالثة )):

وهي عقبة الكبائر فإن ظفر فيها زيّنها له وحسَّنها في عينه وسَّوف به وفتح له باب الإرجاء وقال له : الإيمان هو التصديق نفسه فلا تقدح فيه الأعمال ( أي أعمال الفسوق والعصيان ).
ورُبما أجرى على لسانه وأذُنه كلمةً طالما أهلك بها الخلق وهي قوله: ( لايضر مع التوحيد ذنب كما لاينفع مع الشرك حسنة ) والظفر به في عقبة البدعة أحبُّ إليه ، لمناقضتها الدين ، ودفعها لما بعث الله به رسوله .
وصاحبها ليتوب منها ، ولا يرجع عنها بل يدعو الخلق إليها ، والاجتهاد على إطفاء نور السنة.
وتولية من عزله الله ورسوله ، وعزل من ولاه الله ورسوله، واعتبار مارده الله ورسوله ، ورد ما اعتبره ، وموالاة من عاداه ، ومعاداة من والاه وإثبات مانفاه ، ونفي ما أثبته.
وتكذيب الصادق وتصديق الكاذب، ومعارضة الحق بالباطل وقلب الحقائق بجعل الحق باطلاً والباطل حقاً ، والإلحاد في دين الله ، وتعمية الحق على القلوب وطلب العوج لصراط الله المستقيم ، وفتح باب تبديل الدين جملة.
فإن البدع تُستدرِِِِِج بصغيرها إلى كبيرها ، حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين .
فمفاسد البدع لايقف عليها إلاَّ أرباب البصائر ، والعميان ضالون في ظلمة العمى { ومنْ لَمْ يَجْعَل الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور }.
فإن قطع هذه العقبة بعصمة الله أو بتوبة نصوح تُنجيه منها طلبه على :


(( العقبة الرابعة )):

وهي عقبة الصغائر فكال له منها بالقفزان وقال : ماعليك إذا اجتنبت الكبائر ماغشِيت اللَّمم أو ماعملت أنها تُكفَّر باجتناب الكبائر وبالحسنات، ولا يزال يُهوِّن عليه أمرها حتى يُصرَّ عليها.
فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالاً منه ، فالإِصرار على الذنب أقبح منه ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار ، ولا صغيرة مع الإِصرار.
وقد قال صلى الله عليه وسلم :( إياكم ومحقرات الذنوب ) ثم ضرب لذلك مثلاً بقومٍ نزلوا بفلاةٍ من الأرض فأعوزهم الحطب ، فجعل هذا يجيءُ بعود وهذا بعود حتى جمعوا حطباً كثيراً فأوقدوا ناراً وأنضجوا خبزتهم.
فكذلك فإن مُحقرات الذنوب تتجمع على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه .
فإن نجا من هذه العقبة بالتَّحرز والتحفظ ودوام التوبة والاستغفار وأتبع السيئة الحسنة طلبه على :

(( العقبة الخامسة)):

وهي عقبة المُباحات التي لاحرج على فاعلها ، فشغله بها عن الإستكثار من الطاعات ، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن ثم ترك الواجبات.
وأقل ماينال منه: تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية، ولو عرف السعر مافوَّت على نفسه شيئاً من القربات، ولكنه جاهل بالسعر.
فإن نجا من هذه العقبة ببصيرةٍ تامةٍ ونورٍ هادٍ ومعرفةٍ بقدر الطاعات والاستكثار منها وقلَّة المقام على الميناء وخطر التجارة وكرم المشتري ، وقدر مايعوِّض به التُّجار فبخل بأوقاته وظنَّ بأنفاسه أن تذهب في غير ربح ، طلبه العدو على:

(( العقبة السادسة )):

وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضُولة من الطاعات فأمرهُ بها وحسَّنها في عينه وزيَّنها له وأراه مافيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً.
لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله ، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح عن الراجح ، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه ، وبالمرضي عن الأرضى له.
ولكن أين أصحاب هذه العقبة ؟ فهُمُ الأفراد في العالم. والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الاول.
فإن نجا منها بفقه في الاعمال ومراتبها عند الله ومنازلها في الفضل، ومعرفة مقاديرها والتَّمييز بين عاليها وسافلها ومفضولها وفاضلها ورئيسها ومرؤوسِها وسيدها ومسُودها.
فإن في الأعمال سيداً ومسُوداً ورئيساً ومرؤوساً وذروةً ومادونها، كما في الحديث الصحيح : (( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لاإله إلا أنت )) الحديث.
ولايقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه.
فإذا نجا منها أحد لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدةٍ لابد منها ، ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليه.
وهي عقبة تسليط جُنده عليه بأنواع الأذى باليد والقلب على حسب مرتبته في الخير ، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله وظاهر عليه بجنده ، وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط.
وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها ، فإنه كلما جدَّ في الاستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره جدَّ العدوُّ في إغراء السُّفهاء به، فهو في هذه العقبة قد لبس لأَمَةَ الحرب، وأخذ في محاربة العدو لله وبالله.
فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين وهي تُسمى عبودية المراغمة ولا ينتبه لها إلا أولوا البصائر التامة ، ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليّه لعدوه وإغاظته له.
انتهى كلامه رحمه الله

والسلام عليكم ورحمة الله