المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قرود الستـة وأوضاعنا السياسية



abed
07-29-2005, 02:41 PM
القرود الستـة وأوضاعنا السياسية)




يُحكى أن خبيرا نفسيا ، أحضر ستة قرود ـ أجلّكم الله ـ ووضعها في قفص! وعلق
في أعلى القفص حزمة موز، وضع تحتها سلما ، بعد مدة قصيرة وجد أن قردا ما
من المجموعة اعتلى السلم محاولا الوصول إلى الموز، وما أن وضع يده على الموز،
! حتى أطلق رشاشا من الماء الساخن على القردة الخمسة الباقين وأرعبهم!

بعد قليل حاول قرد آخر أن يعتلي نفس السلم ليصل إلى الموز، فكرر الخبير نفس
! العملية، ورش القردة الباقين بالماء الساخن ، ثم كرر العملية أكثر من مرة
بعد هنيهة وجد أنه ما أن يحاول أي قرد أن يعتلي السلم للوصول إلى الموز
حتى تمنعه المجموعة خوفا من الماء الساخن

بعد ذلك أبعد الماء الساخن ، وأخرج قردا من الستة إلى خارج القفص، وضع مكانه
قردا جديدا السعدان( مثلا ) لم يعاصر هذه التجربة ، ولم يشاهد رش الماء الساخن
، وسرعان ما سيذهب السعدان بطبيعة الحال إلى السلم لقطف الموز، وحينئذ هبت
مجموعة القردة المرعوبة من الماء الساخن لمنعه ومهاجمته ، بعد أكثر من محاولة
! تعلم السعدان أنه إن حاول قطف الموز سينال عقوبة صارمة من باقي أفراد المجموعة


بعد هذه المرحلة ، أخرج الخبير قردا آخر ممن عاصروا حوادث رش الماء الساخن
ـ غير السعدان ـ وأدخل قردا جديدا عوضا عنه ، فوجد أن نفس المشهد السابق
تكرر من جديد ، القرد الجديد يذهب إلى الموز، والقردة الباقية تنهال عليه
ضربا لمنعه ، بما فيهم السعدان على الرغم من أنه لم يعاصر رش الماء، ولا
يدري لماذا ضربوه في السابق

كل مافي الأمر أنه تعلم أن لمس الموز يعني الضرب على يد المجموعة ، لذلك ستجده
يشارك، وهو في غاية الحماس والانفعال بكيل الضربات للقرد الجديد وربما يعوض
بذلك أيضا ما أصابه من الضرب عندما حلّ في القفص

استمر الخبير بتكرار نفس التجربة ، أخرج قردا ممن عاصروا حوادث رش الماء الساخن،
وضع قردا جديدا، فتكرر نفس الموقف ، كرر هذا الأمر إلى أن استبدلت كل المجموعة
! القديمة

في النهاية وجد أن القردة مستمرة في ضرب على كل من يجرؤ على الاقتراب من السلم،
لماذا؟ لا أحد منهم يدري! ! لكن هذا ما وجدت المجموعة نفسها عليه منذ أن
! جاءت

المغزى من هذه القصة الطريفة لا يخفى على ذي لب ، كما لاتخفى مناسبتها لموضوع
مقالنا هذا عندما يمعن فيه القارئ العزيز النظــر ، فالوضع الذي وصلت إليه
شعوب الأمّة مع حكّامها ، يشبه ما في هذه القصة إلى حد كبير، ولعله من غير
المستبعد أن يكون الحكّام قد طبقوا هذه التجربة مع شعوبهم المسكينة

حتى لقد وصلت الشعوب إلى حالة سياسية من أعجب أوضاع التاريخ ، فثمة شعوب لاتعرف
حقوقها ، ولا تريد أن تعرفها ، وتعاقب هي من يريد أن يعرفها فضلا عن المطالبة
! بها ، ثم جاءت أجيال إثــر أجيال ، لا تدري لماذا هي هكذا !؟

والعجيب الذي لا يكاد يصدق أن يتكبكب بعض المحسوبين على العلم الشرعي في ذلك
القفص وتنجح فيهم التجربة نفسها ، فيبادرون بالزجر والتنفير من يطالب بحقوقه
من الرعية أو حتى يسأل عنها ، ويتحدثون ـ دون أن يسألوا أنفسهم كيف صار أمرنا
إلى هذا الحال ويعلمون تلاميذهم ما تعلموه من مشايخهم ولا يسأل أحد كيف ولماذا
؟ ـ يتحدثون دائما عن حقوق ولي الأمر ، وواجبات الرعية ، ويجيبون عن كل سؤال
! يخطر على البال في هذا المجال إلا سؤالين فهما على كل مسلم حرم محـــرم
:

: أحدهمـا
ــــــــ

من هو ولي الأمر شرعا وحقا

ما مدلول هذا الإسم الشرعي العظيم

ومتى يستحقه مدّعيه ، ومتى يسلب منه

! وهل له من شروط ، وهل تنقضه نواقض ، أم هو بلا شروط ، ولاينتقض البتة !؟


والأدهى والأمر ، أنك ترى بعض الذين يتكلمون عن شروط كلمة التوحيد ونواقضها
فيسهبون ، ويجرون أحكام التكفير المنبثقة عن ذلك على آحاد الناس ، فلا يعذرونهم
بجهلهم فيما لا يعذرون فيه بالجهل ، ويقومون في هذا المقام بالقسط بصرامة
المؤمنين الموحدين

فإذا وصل الأمر إلى السلطة التي ليس لمتوليها عندهم شروط ولا ينقض سلطته ناقض
، فليس لأحد أن يسأله عما يفعل ، بل ليس لأحد أن يسأل العلماء عما تفعله
السلطة حتى لو هدمت أركان الدين ، وقوضت مبانيه ، وحولت البلاد والعباد إلى
أداة بيد الأعداء ليمرروا مخططاتهم على أمتنا ، بأموالنا ، وأيدينا ، وأرضنا
، بل وبدماءنا

وكأنك ترى شروط كلمة التوحيد ، ونواقضها ـ عند هؤلاء ـ يقفان عند باب السلطان
، فلا يدخلان إلا بعد تفتيش أمني يسمح بمرور ما يبرئ السلطان من تبعات ما
! يخالفهما !

ولكأنك تسمعهم يقولون إن سأل سائل عن شروط من يتولى الأمر ، أو نواقض سلطته
، وليّ الأمر معلوم ، والإيمان به واجب ، والسؤال عن بدعة ، والكيف مجهول
! ، ثم يأمرون بك فتجــر برجلك !

ولم يعلموا أن الإمام مالك الذي قال هذه القولة ، إنما قالها في حق ملك السموات
والأرض ليزرع هيبة الله في قلوب العامة أن يسألوا عن ذاته وكيفية صفاته ،
ثم جر الجنود السائل من رجله فأخرجوه من المسجد ، وأما السلطان فكان مالكٌ
يقول رحمه الله ( والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك حتى أصل إليه ،
إلا نزع الله هيبته من صدري)

وقد نالته محنة من السلطة الجائرة بسبب أنه كان لايرى بيعة المكره بشيء ،
وكانوا يكرهون الناس على الحلف بالطلاق في بيعتهــم ، وذكر الذهبي في السير
: فغضب جعفر ـ يعني بن سليمان لما ولي المدينة ـ فدعا بمالك ، فاحتج عليه
بما رفع إليه عنه ، فأمر بتجريده ، وضربه بالسياط ، وجبذت يده حتى انخلعت
من كتفه ، وارتكب منه أمر عظيم ، فوالله ما زال مالك في رفعة وعلـــــو
قال الذهبي : هذه ثمرة المحنة المحمودة ، أنه ترفع العبد عند المؤمنين )
8/81 سير أعلام النبلاء

: أما السؤال الثاني فهو
ــــــــــــ

هل للرعية من حقوق ، وما هي حقوقها ، وأين يقع منها حفظ الدين والعقيدة وهي
أعظم الحقوق ، وكيف تدافع الرعية عن حقوقها ، وكيف تنتزعها ، هل لها جهات
تجبر ولي الأمر على حفظ حقوق رعيته ، أم الرعية قطعان سائمة ، وأمواج بشرية
هائمة ، واجبها أن تجعل ولي الأمر ، في رضا دائم ، وبال هانئ ناعم ، لا يكدر
خاطره شيء ، ولا يلومه لائم

هذا وأحسنهم طريقة الذي يمنحك حق النصيحة السرية ، الحق الأوحد والوحيد للرعية
، وما أدراك ما النصيحة السرية !؟ ثم ما أدراك ما هي !؟

هي أن تبحث جاهدا ليلا في جنح الظلام ، عمن يمكنه من علماء الحكمة ! ! أن
ينقذ عندما يصل إلى عتبة الباب العالي دين الإسلام ، فتسرّ إليه بما تخشى
منه على عقيدة التوحيد من ظهور موالاة الكافرين ، وانتهاك أساس الدين ، وتقريب
المنافقين ، وإبعاد المصلحين ، وإياك أن يعلم أحد بما تفعل ، فتقترف جريمة
الخروج على ولي الأمر ، تلك الطامة الكبرى ، والمصيبة العظمى

تبحث عمّن يمكنه أن يصل إلى باب السلطان ، فيدخل عليه بعد الإذن ، فيتقدم
بالشكر والعرفان ، ثم يهمس في إذنه بعد مقدمة طويلة عن عظيم حقه ، ووفرة
نعمه ، وأنه لم يقصّر في شيء ـ حاشا وكلا ـ ولكن ثمة أمر صغير ، وهو جد صغير
بل حقير والله جد حقير ، فإن رأى ولي الأمر أن يوليه اهتمامه فهو به جدير
، ثم يهمس في إذنه بحق الرعية عليــه ، من حفظ دينهم ، وأنه أعظم ما وُكــل
إليــه

فينظر إليه السلطان شزرا ، ويلمح إليه أنه أوشك أن يرتكب منكرا ، ويقتحم خطرا
، لكنه يبتسم ابتسامة المغضب فيقول : سننظر في هذا الأمر بما تقتضيه المصلحة
، فاخبروا الرعية بما يجب عليهم من مراعاة حقنا ، والسمع والطاعة ، والالتزام
بالبيعة والجماعة

فيتهلل وجه الفقيه الناصح الأمين حتى يكاد يطير فرحا ، ويخرج من عند السلطان
مكبّرا مسبّحا ، ثم يجمع الفقهاء ، فيقول لهــم سرا في جنح الليل البهيم
اللألْيـَل ! لقد وعدنا ولي الأمر خيرا ، وأن ينظر فيما تقتضيه المصلحة
، فيهـزّ الحاضرون من فقهاء الحكمة! الذين تحولوا إلى جيش النصيحة السرية
، جيش قيمته صفرية ، غير أنه صفر كبير جدا في واقعنـا السياسي ، يهزّون رؤوسهم
، ويرفعون أكف الضراعة أن يحفظ الله ولي الأمر لنا ، ويكلل جهوده بحفظ الدين
بالنجاح ، ويبصره بما فيه الفلاح والصلاح

: والحاصل
ــــــ
أن هذا الوضع السياسي المنتكس ، فنكّس ديننا وأمتنا معه إلى أسفل سافلين ،
تمّكن من قلوب الناس ، حتى صاروا فيه مثل تلك القصة عن تجربة القرود ، وكأنه
قد زرع في قلب كل فرد من الشعب المسكين ، شرطي أقرب إليه من حبل الوتين ،
فهو يخاف أن يسأل حتى نفسه عن حقه ، واستحكم هذا الأمر الخطير ، فشب عليه
الصغير ، وهرم عليه الكبير ، واصبح المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، وعرض
للناس ـ حتــــى كثيـر من العلماء ـ من ذلك فساد في فطرهم ، وظلمة في قلوبهم
، وكدر في افهامهم ، ومحق في عقولهم وعمتهم هذه الأمور ، وغلبت عليهم حتى
لم يروها منكرا

ولئن استمر بنا هذا الحال ، فستأتي دولة أخرى تطمس فيها كل معالم الدين ،
باسم الدين ، وتقوم فيها البدع مقام السنن باسم اتباع السنة ، وتقوم شهوات
النفس مقام العقل ، ودواعي الهوى مقام الرشد ، والضلال مقام الهدى ، والمنكر
مقام المعروف ، والجهل مقام العلم ، والرياء مقام الإخلاص ، والباطل مقام
الحق ، والكذب مقام الصدق ، والمداهنة مقام النصيحة ، والظلم مقام العدل....

- بقلم: الشيخ / حامد العلي