المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القيام في المولد النبوي



عبدالغفار محمد
06-30-2005, 01:12 PM
عقيدة القيام في مولده صلى الله عليه وسلم

أول من أحدث هذا الأمر وابتدعه الشيخ تقي الدين السبكي، يقول النبهاني صاحب المولد المشهور في جواهر البحار (3/383) عن هذه البدعة بعين الرضا والقبول:
"جرت العادة بأنه إذا ساق الوعاظ مولده صلى الله عليه وسلم وذكروا وضع أمه له قام الناس عند ذلك تعظيما له صلى الله عليه وسلم وهذا القيام بدعة حسنة لما فيه من إظهار السرور والتعظيم له صلى الله عليه وسلم بل مستحبة لم غلب عليه الحب والإجلال لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وقد وجد القيام عند ذكر اسمه الشريف من عالم الأمة ومقتدى الأئمة دينا وورعا الإمام تقي الدين السبكي وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره، قال الشامي والداودي: قد اتفق أن منشدا أنشد قصيدة ذي المحبة الصادقة حسان زمانه أبي زكريا الصرصري التي مدح بها النبي صلى الله عليه وسلم منها قوله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:

قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب * على فضة من خط أحسن من كتب
وأن تنهض الأشراف عند سماعه * قياما صفوفا أو جثيا على الركب
أما الله تعظيما له كتب اسمه * على عرشه يا رتبة سمت على الرتب

وكان ذلك وقت ختم درسه والقضاة والأعيان بين يديه فلما وصل المنشد إلى قوله : وأن تنهض الأشراف عند سماعه.. إلى آخر البيت نهض الشيخ للحال قائما على قدميه امتثالا لما ذكره الصرصري وقام جميع من بالمجلس وحصل للناس ساعة طيبة وأنس كبير بذلك، ذكر ولده شيخ الإسلام أبو نصر عبدالوهاب في ترجمته من الطبقات الكبرى". قلت انظر الطبقات (10/208) وذكر أن الدرس كان ختمة بالجامع الأموي.

وقفات مع النبهاني


الوقفة الأولى:

صارت هذه العادة عند أهل الموالد عبادة وعقيدة لأجل حضور النبي صلى الله عليه وسلم موالدهم، وقد أثبتنا هذه العقيدة آنفا وذكرنا حضوره صلى الله عليه وسلم لبعض الموالد زعموا. وقد صرحوا بعقيدة حضوره صلى الله عليه وسلم في بعض موالدهم ، ففي أحد الإحتفالات المسجلة على شريط صوتي قال المنشد:

عجبت لمن له عقل وفهم * يرى هذا الجمال ولا يقوم
وقال آخر:
وقد سن أهل العلم والفضل والتقى * قياما على الأقدام مع حسن إمعان
لتشخيص ذات المصطفى وهو حاضر * بأي مكان فيه يذكر بل دان

ففي هذه الأبيات تصريح واضح لا لبس فيه أن القيام في المولد هو لأجل زعمهم حضور النبي صلى الله عليه وسلم هذا المولد، ولنا مع هذه الأبيات وقفات عندما نتطرق لمقاله محمد علةي مالكي بخصوصها.
وإذا قام الناس في المولد شبكوا أيدي بعضهم ببعض، وأنشدوا بصوت واحد متمايلين يمنة ويسرة – أي رقص خفيف -: (مرحبا يا نور عيني مرحبا جد الحسيني) أو يقولون: (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع)، مما يشعرك بأن القيام لأجل هذا الحضور، وقد حضرت مولدا قبل 17 عاما وعند القيام قام أحدهم برش عطر على القائمين، كما أذكر أني حضرت مولدا قبل 30 عاما وأذكر أني سمعتهم يقولون (النبي بينا ياحاضرين.

الوقفة الثانية:

اعتراف النبهاني أن هذا القيام بدعة، ثم استحسنها، وتمادى واستحبه لمن غلب عليه الحب والإجلال له صلى الله عليه وسلم، وفي هذا قدح واستدراك على الصحابة رضي الله عنهم ولن يستطيع إنسان في الوجود المزايدة على حبهم له صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يصدر منهم ما صدر من أهل المولد.

الوقفة الثالثة:

زعم النبهاني أن مشايخ الإسلام في عصر السبكي تابعوه على هذه البدعة، ولم يسم أحدا منهم.

وقفات مع الدكتور المالكي

جاء المالكي ليرسخ هذه العقيدة، وزعم أن الحضور لروحه صلى الله عليه وسلم وعلل لهذا الأمر الباطل بعلل واهية أبانت عن مشربه الصوفي، حيث قال في كتابه (حول الإحتفال بالموالد الشريف ص 25):
"…وأن روحه جوالة سياحة في ملكوت الله سبحانه وتعالى ويمكن أن تحضر مجالس الخير ومشاهد النور والعلم، وكذلك أرواح خُلّص المؤمنين من أتباعه".
ويتمادى المالكي في الإستدلال بما لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا قول صاحب أو تابع في استحسان القيام في المولد معللا البيت الثاني المذكور أعلاه، بقوله (ص 30):
"الوجه الخامس: قد يقال إن ذلك في حياته وحضوره صلى الله عليه وسلم وهو في حالة المولد غير حاضر. فالجواب: إن قاريء المولد الشريف مستحضر له صلى الله عليه وسلم بتشخيص ذاته فهو عليه الصلاة والسلام قادم في العالم الجسماني من العالم النوراني من قبل هذا الوقت بزمن الولادة الشريفة وحاضر عند قول التالي: (فولد صلى الله عليه وسلم) بحضور ظلي هو أقرب من حضوره الأصلي، ويؤيد هذا الإستحضار التشخيص والحضور الروحاني أنه عليه الصلاة والسلام متخلق بأخلاق ربه، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي (أنا جليس من ذكرني)، وفي رواية: (أنا مع من ذكرني)، فكان مقتضى تأسيه بربه وتخلقه بأخلاقه أن يكون صلى الله عليه وسلم حاضرا مع ذكره في كل مقام يذكر فيه بروحه الشريفة ويكون استحضار الذاكر ذلك موجبا لزيادة تعظيمه صلى الله عليه وسلم". انتهى كلامه ولنا معه وقفات:

الوقفة الأولى:

قوله: "إن روحه جوالة سياحة…إلخ" كلام يحتاج إلى دليل ثابت من الكتاب والسنة، ويرده كثرة مجالس الخير ومشاهد النور والعلم التي كانت بعده صلى الله عليه وسلم في حياة أصحابه رضي الله عنهم وحتى نهاية القرون المشهود لها بالخيرية، ولم ينقل لنا أهل تلك الفترة ما زعمه المالكي حضور روحه صلى الله عليه وسلم لهذه المجالس والمشاهد، لكنها الصوفية دين الخرافة والبدع.

الوقفة الثانية:

تقيده استحضار وتشخيص ذات النبي صلى الله عليه وسلم لقاريء المولد المليء بالأحاديث الواهية والموضوعة وبعض عقائد الصوفية، تنقيص لقراء القرآن وكتب السنة المشرفة والتي تحوي حياة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. ثم زعم حضوره صلى الله عليه وسلم عند قول التالي (..فولد صلى الله عليه وسلم..)، أمر يدعو للعجب من هذه العقلية الخرافية، فياترى هل هذا مقيد بالمولد، أو لكل من قراء كتابا في السيرة، أو قرأ أحاديث الميلاد النبوي من أحد كتب السنة الشريفة.

الوقفة الثالثلة:

ثم زعم المالكي أنه عليه الصلاة والسلام قادم في العالم الجسماني من العالم النوراني... وحاضر عند قول التالي: فولد صلى الله عليه وسلم ...الخ" هطرقة من المالكي، وتقرير لعقيدة خلق النبي صلى الله عليه وسلم من نور بزعمه قدومه صلى الله عليه وسلم إلى العالم الجسماني من العالم النوراني. وهو كلام لا دليل عليه.

الوقفة الرابعة:

استدل المالكي لزعمه الباطل حضور روح النبي صلى الله عليه وسلم للمولد عند قول التالي: (فولد صلى الله عليه وسلم..) لأنه صلى الله عليه وسلم (متخلق بأخلاق ربه) وبالحديث القدسي في زعمه (أنا جليس من ذكرني) وحديث آخر في الصحيحين (أنا مع من ذكرني)، مما يجعله صلى الله عليه وسلم يمتلك قدرة ربه عزوجل في حضوره مجالس الذكر، وهنا أمران:
الأول: استدلاله على حضور روحه صلى الله عليه وسلم للموالد بعبارة (متخلق بأخلاق ربه)، وهي مستقاة من حديث باطل نصه: (تخلقوا بأخلاق الله) قال عنه ابن القيم في المدارج (3/252) أنه أثر باطل، وهي أيضا من عبارت أقطاب التصوف جاءت على لسان ذي النون المصري كما في الحلية (9/376)، والسهروردي صاحب العوارف (فيض القدير 5/170)، كما ذكر في الفيض (2/482) عن ابن عربي قال: "سئل الجنيد عن المعرفة والعارف فقال لون الماء لون إنائه أي هو متخلق بأخلاق الله تعالى حتى كأنه هو وما هو هو".
والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن، وقال عنه ربه عزوجل {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4).
وأيضا هناك مئات الإحتفالات تقام ليلة مولده، فكيف تحضر روحه صلى الله عليه وسلم هذه الموالد؟؟؟؟
ثانيا: استدلاله على حضوره صلى الله عليه وسلم الموالد بقياس فاسد بقول: (أنا جليس من ذكرني)، وزعم أنه حديث قدسي جهلا منه، والصحيح أنه من قول كعب الأحبار عن نبي الله موسى عليه السلام كما في مصنف ابن أبي شيبة (1/108) وغيره. واستدل بحديث الصحيحين (أنا مع من ذكرني).
وهذا القياس الفاسد قياس المخلوق وهو محمد صلى الله عليه وسلم على الخالق وهو الله عزوجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو من أخبرنا بمعية الله عزوجل للذاكر له سبحانه وهي خاصية إلهية لا يشاركه فيها أحد من خلقه، أشرك المالكي معه فيها نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهذه قضية توضح مدى الغلو الذي وصل إليه مشايخ المولد، حيث أعطى المالكي حق إلهي وهو معية الله عزوجل لذاكره، للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم بزعم المالكي متخلق بأخلاق ربه. ولو استصحبنا هذا القياس الفاسد من المالكي الهالك لأنتهينا إلى جعل النبي صلى الله عليه وسلم صورة أخرى عن الله عزوجل، وهو ما أثبتناه عن المتصوفة في حق النبي صلى الله عليه وسلم

http://www.alsoufia.com/vb/showthread.php?t=339

الوقفة الخامسة:

ثم استدل المالكي لعقيدة حضور روحه صلى الله عليه وسلم مجالسهم وموالدهم، بدليل نقله خطأ أو عن عمد في كتابه الذخائر المحمدية (ص 259) فقال: (والدليل على ذلك قوله في الحديث الصحيح: (نسمة المؤمن على طائر تسبح حيث تشاء)، وعزاه لمالك.
قلت: استدلال فيه تدليس وتضليل لعوام المسلمين المتعلقين به والذي لم يحسن نقل الحديث فَضَلّ وأَضَلّ، ونصه الصحيح كما في الموطأ (الجنائز ح 566 من حديث كعب بن مالك) ونصه: (إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه).
ثم قال المالكي (ص259) بعد نقله الخاطيء للحديث: (و روحه صلى الله عليه وسلم أكمل الأرواح فهي لذلك أكمل في الحضور والشهود).
قلت: استدلالات مشايخ الصوفية وقياستهم لعقائدة الفاسدة تدل على فساد عقولهم وتصوراتهم، والمالكي هنا يثبت ذلك، ففي السابق قاس المخلوق على الخالق، وهنا قاس النبي صلى الله عليه وسلم الفاضل على المؤمن المفضول، عندما ذكر الحديث خطأ مستدلا بسباحة نسمة المؤمن حيث شاءت، والنص الصحيح للحديث ينسف عقيدة المالكي الفاسدة.

الوقفة السادسة:

ثم استدل المالكي لعقيدته الباطلة كما قال في الذخائر (ص 260): "وجاء في الحديث: (أنه إذا سلم عليه المسلم يرد الله عليه روحه فيرد السلام)، وهذا يدل على أمرين:
الأول: أن روحه منطلقة في ملكوت الله).
قلت: وعلى فرض أن روحه صلى الله عليه وسلم منطلقة في ملكوت الله لايعني أنها تحضر مجالس الذكر، لأنه أمر غيبي وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يحضر مجالس الذكر والعلم هم الملائكة فقط، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا: (إن لله ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر) ولم يخبرنا عن روحه، وعلى الرغم أنه صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الله يعيدها لجسده لمن يسلم عليه، وهذ للواقف على قبره صلى الله عليه وسلم، فكيف يخبر عن أمر ويسكت عن آخر، وكما أخبرنا عن ملائكة سياحين يبلغونه عن أمته السلام فعن ابن مسعود مرفوعا: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام) صححه الألباني (ح 2174 صحيح الجامع)، فلماذا سكت عن روحه صلى الله عليه وسلم.
فهذا شأن مشايخ المولد في الإستدلال لباطلهم.

فائدة

سبق وأن ذكرنا في المشاركة السابقة كلام الشيخ عبدالحي اللكنوي (ت 1304هـ) من كبار علماء الحنفية وإثباته هذه العقيدة الفاسدة، ونذكر فائدة أخرى حول الموضوع نفسه:
قال صاحب كتاب موالد مصر المحروسة (ص 88): "ويسود الإعتقاد بأن أضرحة الأقطاب تحظى بزيارات الرسول مما يسهم في فعالية أبطال الدلتا وتفيض البركات، فالولي الذي حظي بالإتيار الإلهي قد حظي أيضا برضاء رسوله، إذ هو جدير بالكرامات والتوجه إليهم بطلب الشفاعة".
قلت: سبق وأن بينا زعمهم حضوره صلى الله عليه وسلم لمولد عمه حمزة عند قبره، وحضوره صلى الله عليه وسلم مولد الدجال أحمد البدوي عند قبره بطنطا، ولك أن تتخيل أخي الموحد سبب تعلق المتصوفة بالقبور والأضرحة والمشاهد المزعومة، وعبادتها والطواف حولها والعكوف عندها والنذر لأصحابها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.