المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على شبهة : الطعن في الأسانيد لضعفها



المقتدي بالسلف
06-13-2005, 05:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الإخوة الأكارم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الرد على شبهة : الطعن في الأسانيد لضعفها


شبهة حول : الطعن في الأسانيد لضعفها وعدم اعتمادها على أساس علمي متين
الشبهة


قال شاخت: "إن أكبر جزء من أسانيد الأحاديث اعتباطي، وإن الأسانيد كانت لا تجد أقل اعتناء، وكان أي حزب يريد نسبة آرائه إلى المتقدمين كان يختار تلك الشخصيات ويضعها في الإسناد".

ويقول أيضا: "ويروى عن التابعي ابن سيرين أن الناس لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى كانت الفتنة، وسوف نرى فيما بعد أن الفتنة التي اندلعت بمقتل الخليفة الأموي الوليد بن يزيد سنة 126 هـ قبيل نهاية الحكم الأموي تتفق في الزمن مع نهاية خير القرون التي سادت في أثنائها السنة النبوية، وحيث إن ابن سيرين توفي سنة (110هـ)، فلنا أن نستنتج من ذلك أن هذه العبارة موضوعة عليه، وعلي أية حال ليس هناك ما يدعو إلى افتراض أن استعمال الإسناد بشكل منتظم قد حدث قبل بداية القرن الثاني للهجرة".

ويذهب "روبسون" إلى أن الفتنة المقصودة في كلام ابن سيرين هي فتنة عبد الله بن الزبير سنة (72هـ) عندما أعلن نفسه خليفة، بحجة أن تاريخ هذه الفتنة يتوافق مع مولد ابن سيرين، ووجود كلمة الفتنة في موطأ الإمام مالك التي تشير إلى فتنة ابن الزبير".

ويذهب جولد تسيهر إلى أن أسانيد الأحاديث مخترعة من قبل المحدثين فيقول: "هناك بعض الناس لا يشعرون بأي تردد في اختراع أسماء جديدة يخدعون بها المستمعين السذج، وفي القرن الذي ألف فيه ابن عدي كتابه "الكامل في معرفة الرجال" كان هناك أبو عمرو لاحق بن الحسين، يخترع أسماء يضعها في أسانيده مثل: "طغرال"، و"طربال"، و"كركدن" ...، ويعزو إليهم أحاديث.

ويقول عبد الجواد ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام": "ولم يكن من العسير على من اختلق "المتن" أن يختلق "الإسناد" فكم من أحاديث مختلقة باعتراف علماء الحديث تم تركيبها على أسانيد مقبولة عندما أصبحت الأسانيد المقبولة جواز مرور رسمي للحديث".

وتتابع المستشرقون ومن تبعهم في ذم الإسناد، وذم المحدثين لاهتمامهم به.

فوجدنا من يصف أهل الحديث بأنهم "عبيد الأسانيد" و"أسرى الأسانيد".

ووجدنا من يصف الإسناد بأنه نوع من التزمت.

وسمعنا من يقول: "إن هذا التعلق غير الطبيعي بالسند، والمبالغة في الاعتداد به وربط الأحكام الشرعية به واعتباره بالدرجة الأولى أساسا لصحة الحديث كل ذلك مجتمعا قد أثمر افتراقا كبيرا بين المسلمين، وصيرورتهم فرقا وشيعا وأحزابا يعارض بعضها بعضا، ويقاتل بعضها بعضا، ويكيد بعضها لبعض على مر السنين".

ويقول: "ما أقامه البعض من أهل هذا العلم من إنشاء ما يسمى بعلم الحديث، إنما هو بالحياد المطلق وَهْمٌ لا يثبت، وظن لا يستقيم".

الرد على الشبهة


الجواب على هذا الكلام من وجهين:

الوجه الأول: ما زعمه شاخت يجاب عليه بما يلي:

لم يلق علم من العلوم في جميع جوانبه وفروعه ما لقي علم الحديث من العناية والاهتمام من علماء الأمة الإسلامية بدءا من عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا، وأصدق شاهد على ذلك هذه المؤلفات الكثيرة الماثلة أمام أعين الجميع، وما من جزئية من جزئياته إلا وتجد أن العلماء أشبعوها بحثا وأوفوها دراسة.

ومن ذلك إسناد الحديث الذي بدأ مع بداية رواية الحديث، أي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان الشاهد يبلغ الغائب، وكان الصحابة رضي الله عنهم يحضرون مجلسه ثم ينقله من حضره إلى من غاب عنه ما سمع، كما ورد في قصة عمر مع جاره الأنصاري.

وما كان الصحابة رضي الله عنهم يكذب بعضهم بعضا إذ الثقة بينهم كانت متوفرة، ولكن لما ركب الناس الصعب والذلول أصبحوا يشددون في الإسناد ويلتزمونه في رواية الحديث.

روى مسلم بسنده إلى مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.

قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".

وتشدد التابعون من بعدهم في التمسك بالإسناد والتزامه في الرواية، وما كانوا يقبلون خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسندا.

سمع الإمام الزهري أهل الشام وهم يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أهل الشام: ما لي أرى أحاديثكم ليست لها أزِمَّة ولا خُطُم؟! قال الوليد بن مسلم: فتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ".

وكان - رحمه الله - إذا حدث أتى بالإسناد ويقول: "لا يصح أن يرقى السطح إلا بدَرَجِهِ".

وكان هشام بن عروة يوصي تلاميذه بطلب الإسناد فيقول: "إذا حدثك رجل بحديث فقل: عمن هذا ؟".

وقد أخذ الإسناد المتصل نصيبه من العناية والاهتمام البالغ في عهد التابعين، حتى أصبح من واجب كل من يروي حديثا، أن ينسب ما يروي، وهو بإسناد الحديث يرفع العهدة عن نفسه، ويطمئن سامعه إلى صحة نقله.

وظل الإسناد من بعد ذلك يلقى عناية عظيمة من علماء الحديث وجهابذته، بل أصبح طلبه عندهم تدينا لله تعالى.

قال عبد الله بن المبارك : "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".

وبالتالي لا يعتمدون حديثا ليس مسندا، ويقول أيضا: "بيننا وبين القوم القوائم" يعني الإسناد. قال النووي في معناه: "إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه وإلا تركناه فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم".

ولذا إذا ورد إليهم حديث لا يقبلونه مهما كان مقام من رواه إلا إذا أسنده، وصح إسناده.

روى مسلم بسنده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن! الحديث الذي جاء "إن من البر بعد البر، أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك".

قال: فقال عبد الله: "يا أبا إسحق عمن هذا ؟ قال: قلت له: هذا من حديث شهاب بن خراش. فقال: ثقة، عمن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة، عمن؟ قال: قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز، تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة اختلاف".

ويتردد هذا المعني بوضوح أيضًا عند المعاصرين لابن سيرين وابن المبارك فقد أكدوا بأقوالهم على أهمية الإسناد كما التزموا به في منهجهم في التحديث فكان الأعمش ربما حدث بالحديث ثم يقول "بقي رأس المال حدثني فلان قال ثنا فلان عن فلان"، فقد اعتبر الأعمش الإسناد جزءًا من الحديث، بل هو من أهم الأجزاء إذ لا يمكن قبول المتن دون إسناد، ومن ثم فقد عقب على المتن بذكر إسناده.

وقد أصبح قبول الحديث منوطًا بذكر الإسناد قال شعبة : "كل حديث ليس فيه أنا وثنا فهو خل وبقل". أي أنه كالطعام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

وفي هذا المعني قال شعبة أيضًا: "كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام".

بل لم يقف البحث عن الإسناد والتشدد فيه عند العلماء وطلبة العلم فحسب، بل أصبح أمرا مسلما به عند عامة الناس لا يقتصر على أرباب العلم.

قال الأصمعي: "حضرت ابن عيينة وأتاه أعرابي فقال: كيف أصبح الشيخ رحمه الله؟ فقال سفيان: بخير بحمد الله، قال: ما تقول في امرأة من الحاج حاضت قبل أن تطوف بالبيت؟ فقال: تفعل ما يفعل الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت. فقال: هل من قدوة؟ قال: نعم، عائشة حاضت قبل أن تطوف بالبيت، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفعل ما يفعل الحاج غير الطواف، قال: هل من بلاغ عنها؟ قال: نعم، حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بذلك.
قال الأعرابي: "لقد استسمنت القدوة، وأحسنت البلاغ، والله لك بالرشاد".

وهكذا لم يكتف الأعرابي برغم أنه ليس من العلماء أو من طلبة العلم حتى سأل عن سند الرواية كاملا ولم يجد ابن عيينة في سؤاله بأسًا بل أجابه عما سأله عنه.

ولقد عظم اهتمام علماء الحديث بالإسناد حفاظا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تنالها يد العابثين، وأن تتطرق إليها أهواء الجاهلين، فبه حموا جناب السنة من الزيادة والنقصان، وبسببه دفعوا كل كذب عنها وبهتان.

قال أبو حاتم بن حبان: "ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم، وذاك أنه لم يكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألِف ولا واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين، وكثرت عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء بما شاء".

وقال الحاكم: "فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد كانت بتراء".

وما أصدق ما قال الثوري - رحمه الله - في وصف الإسناد، إذ يقول: "الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل".

ومن هنا درس المحدثون الإسناد دراسة مستوفية، فدرسوه من حيث اتصاله، فوضعوا قواعد تتناول كافة أحوال الاتصال، وسائر وجوهه، فنظروا إليه من حيث مبدئه وانتهائه، ووضعوا لذلك اسما، ودرسوا صيغه وبينوا شروطها، ونظروا إلى مسافة السند من حيث الطول والقصر، وإلى حال الرواة عند الأداء.

ونقدوا الأسانيد في الحديث الواحد وما فيها من زيادة ونقص. كما درسوا الإسناد من حيث الانقطاع وأنواعه، فبحثوا موضعه من أوله أو وسطه أو آخره، كما بحثوه من حيث طبيعته في الظهور والخفاء، وبلغوا الغاية ومنتهى الدقة في ذلك. واستوفوا بذلك كل أوجه الاحتمالات في اتصال الحديث وانقطاعه مما أدى إلى بروز أحكامهم على الأحاديث في غاية الصحة والدقة والسداد.

وقد عرفوا الحديث الصحيح بما نقله عدل تام الضبط، متصل السند غير معلل ولا شاذ.

فاختص الإسناد من ذلك بثلاثة شروط وشارك متن الحديث في الشرطين الآخرين، فدل هذا على أهميته البالغة، واعتنائهم به.

وقد أكثروا من الترحال والتنقل في طلب الأسانيد وتتبعها والوقوف على ما فيها من علل، وبذلك حرصوا على قرب الأسانيد وقلة النقلة والوسائط، فهل من بذلوا كل هذا الجهد في صيانة الأحاديث والأسانيد كانت معظم أسانيدهم اعتباطية؟! وكانت لا تجد أقل اعتناء كما يقول المستشرق يوسف شاخت وغيره؟!.

الوجه الثاني: ما جاء في بقية كلام شاخت وما قاله روبسون وجولد تسيهر ومن تبعهم.

يجاب عليه بما يلي:

أولا: ما زعمه شاخت من حملة الفتنة المذكورة في كلام ابن سيرين على فتنة مقتل الوليد بن يزيد سنة (126هـ) علما بأن وفاة ابن سيرين (110هـ) كما يقول هو أيضا.

فيقول الدكتور همام عبد الرحيم ردا على ذلك: "ولو أنصف شاخت وفكر بنزاهة، وموضوعية لما قال: إن ابن سيرين يتحدث عن فتنة وقعت بعد وفاته بست عشرة سنة".

وزعمه بأن هذا الخبر مكذوب على ابن سيرين فهو ما لا دليل عليه، ويكذبه إخراج الإمام مسلم له في مقدمة (( صحيحه ))، وكذا الترمذي والدارمي في سننهما.

ثانيا: ما زعمه "روبسون" من حمل الفتنة المذكورة في كلام ابن سيرين على فتنة ابن الزبير فهو زعم بعيد؛ لأن عبارة ابن سيرين تقول: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد" ولم يقل كنا لا نسأل عن الإسناد"، وهذه العبارة التي استخدمها تفيد، أنه يتكلم عن شيوخه من الصحابة - رضي الله عنهم.

ويقول الدكتور أكرم ضياء العمري: "ما استند إليه روبسون غير صحيح فإن تقدير عُمْرِ محمد ابن سيرين للإفادة منه في تفسير كلامه لا يمكن الاعتماد عليه فابن سيرين قد يتكلم عن أحداث بعيدة عن عصره معتمدا على دراسته لتاريخ الحديث الذي عني به كثيرا".

والذي يؤكد هذا الرأي فعل عبد الله بن عباس وهو من صغار الصحابة مع بشير بن كعب.

فكأنه رضي الله عنه أراد أن يقول: إنه لما دخل في هذا الأمر من هم ليسوا من أهله، صار الإعراض عن سماعهم، والنظر فيه أولى، فكان بذلك الإذن في التحرج من قبول مطلق الأخبار مجردة من أسانيدها".

ثم إن الفتنة إذا أطلقت فهي الفتنة الكبرى التي عصفت بالخلافة الراشدة. وإذا قيل: الفتنة بالتعريف"بأل" التي هي للعهد، فهي الفتنة المعهودة التي لا يجهلها أحد.

والحق الذي لا مراء فيه أن اشتراط السند، والبحث عن الإسناد بدأ مع زمن النبوة المباركة.

وفي ذلك يقول الحاكم: "طلب الإسناد العالي سنة صحيحة" ثم ذكر حديث أنس بن مالك في مجيء الأعرابي وقوله: يا محمد أتانا رسولك فزعم كذا.... الحديث. فقد استنبط الحاكم من هذا الحديث أصل طلب الإسناد والعلو فيه؛ لأنه سمع أركان الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة.

ولو كان طلب الإسناد والعلو فيه غير مستحب: لأنكر عليه المصطفى سؤاله إياه عما أخبره رسوله عنه، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه.

واستمر طلب الإسناد والبحث عنه مع زمان الصحابة، ودليل ذلك سؤال عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري وغيره أن يأتوا بشاهد على صحة ما رووا من الأحاديث، وهذا طلب أشد من عموم السند؛ إذ هو طلب لإثبات نسبة الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلام ابن سيرين دليل لهذا التقدم في طلب الإسناد.

وإذا كانت بداية الإسناد متواضعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الصحابة للبعد عن الكذب، إلى زمن الفتنة، فإن هذا العلم اشتد الأخذ به بعد الفتنة، حتى ما قارب القرن الأول نهايته، حتى بلغ علم الإسناد مبلغا عظيما".

ثالثا: ما زعموه من أن الأسانيد اخترعت من قبل الضعفاء، والكذابين، وركبت على المتون المختلفة، وإيهامهم بأن ذلك التبس على المحدثين.

فالجواب عليه: نعم: اخترعت الأسانيد وركبت عليها المتون المختلفة؛ ولكن هذا لم يخفَ على جهابذة المحدثين وأئمة الجرح والتعديل، فلقد تنبهوا إلى هذا قبل أن يدعيَ أدعياء العلم بأكثر من ألف سنة، ولكن ذلك لم يخفَ عليهم أبدا؛ ولذلك نجد علماء الحديث يقررون عدم التلازم بين صحة السند وصحة المتن، وينبهون على الكذابين المختلقين للأسانيد.

وفي ذلك يقول ابن الجوزي، وهو يبين أصناف الوضاعين في كتابه (( الموضوعات )): " القسم الرابع: قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن، ومن هؤلاء محمد بن سعيد القائل: لا بأس إذا كان كلاما حسنا أن نضع له إسنادا ".

وفي ذلك أيضا يقول ابن عراق في كتابه (( تنزيه الشريعة )) وهو يبين أصناف الوضاعين: "الصنف السادس: قوم حملهم الشره ومحبة الظهور على الوضع، فجعل بعضهم لذي الإسناد الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا، وجعل بعضهم للحديث إسنادا غير إسناده المشهور ليستغرب ويطلب".

قال الحاكم أبو عبد الله: "ومن هؤلاء إبراهيم بن اليسع، وهو ابن أبي دِحْية كان يحدث عن جعفر الصادق، وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا على حديث ذاك؛ لتستغرب تلك الأحاديث بتلك الأسانيد، قال: ومنهم حماد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد، وأصرم بن حوشب".

قال الحافظ ابن حجر: "وهذا داخل في قسم المقلوب".

وقال الأستاذ الإسفراييني: "إن من قَلَب الإسناد ليستغرب حديثه، ويرغب فيه، يصير دجالا كذابا تسقط به جميع أحاديثه، وإن رواها على وجهها".

وفي حديث: إن الله عز وجل يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة، ويتجلى لك خاصة يا أبا بكر، يقول الحافظ الخطيب: "لا أصل له وضعه محمد بن عبد سندا، ومتنا".

وكذلك تنبه جهابذة المحدثين إلى الأسانيد العائلية وانتقدوها كثيرا، ولم يغفلوا عنها، كما زعم "روبسون" وغيره، بل قبلوا منها ما يستحق القبول، ورفضوا منها ما يستحق الترك والرفض، وكانوا منصفين في حكمهم، فأعطوا كل ذي حق حقه، وأصلوا في ذلك علما يعرف برواية الآباء عن الأبناء وعكسه".

فمن أمثلة ما قبلوه على الراجح: سند عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

ومن أمثلة ما ردوه: سند كثير بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه عن جده. وسند موسى بن مطير، عن أبيه، وغيرهم كثير ممن امتلأت بهم كتب المجروحين والمتروكين، مما يبين أن علماء الحديث لم يغفلوا عن هؤلاء الكذابين والوضاعين بل كانوا غاية في التنبه واليقظة.
=========
المصدر :
موقع جامع الحديث


لقراءة المزيد من هنا: http://islam.webservices.tv/t10312-topic#ixzz48Bkqgp5T

سلفي بكل فخر
06-13-2005, 08:09 PM
جزاك الله خيرا على هذا الموقع الممتاز اولا

و جزاك الله خيرا على الموضوع ثانيا .