المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبجديات في الإيمان بالقضاء و القدر . ينبغي على كل موحد معرفتها .



المقتدي بالسلف
03-18-2005, 03:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني الكرام

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده .أما بعد

قهذه هي الدفعة التاسعة عشر من أسئلة العقيدة المبسطة . أسأل الله أن ينفعكم بها .

السؤال التاسع عشر

قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية : ( وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة بالقدر خيره وشره ).

المطلوب

1- إشرح قوله رحمه الله ( الإيمان بالقدر خيره وشره ) .

2- إشرح مراتب القدر مع ذكر الدليل .

3- بيّن وسطية أهل السنّة والجماعة في باب القدر .

4- هل يجوز الإحتجاج بالقضاء والقدر؟ مع ذكر الأدلة .

الجواب

إن الإيمان بالقدر خيره وشره أصل من أصول أهل السنة والجماعة ، ومن لم يؤمن بالقدر فليس من أهل السنة ، وهذا هو مقتضى النصوص الشرعية كما في حديث جبريل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال :( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )رواه مسلم.

القدر في اللغة: بمعنى التقدير، أما الإصطلاح : هو ما قدره الله سبحانه وتعالى في الأزل أن يكون في خلقه.

الإيمان بالقدر خيره وشره

قول النبي صلى الله عليه وسلم( وأن تؤمن بالقدر خيره وشره ، قال العلامة ابن العثيمين في شرحه للعقيدة الواسطية : ( أما وصف القدر بالخير ؛ فالأمر فيه ظاهر. وأما وصف القدر بالشر ؛ فالمراد به شر المقدور لا شر القدر الذي هو فعل الله ؛ فإن فعل الله عز وجل ليس فيه شر ، كل أفعاله خير وحكمة، ولكن الشر في مفعولاته ومقدوراته ؛ فالشر هنا بإعتبار المقدور والمفعول ، أما بإعتبار الفعل ؛ فلا ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( والشر ليس إليك ) رواه مسلم . فمثلاً ؛ نحن نجد المخلوقات المقدورات شراً ؛ ففيها الحيات والعقارب والسباع والأمراض والفقر والجدب وما أشبه ذلك ، وكل هذه بالنسبة للإنسان شر لأنها لا تلائمه ، وفيها أيضاً المعاصي والفجور والكفر والفسوق وغير ذلك وكل هذه شر ، لكن بإعتبار نسبتها إلى الله هي خير ؛ لأن الله عز وجل لم يقدرها إلا لحكمة بالغة عظيمة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها ... ثم أعلم أيضاًَ أن هذا المفعول الذي هو شر قد يكون شراً في نفسه لكنه خير من جهة أخرى ؛ قال تعالى : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم : 41 ، النتيجة طيبة وعلى هذا ؛ فيكون الشر في هذا المقدور شراً إضافياً ؛ يعني : لا شر حقيقياً ؛لأن هذا سوف يكون نتيجته خيرا ... ) ص 54- 55 .

مراتب القدر

اعلم أخي الكريم أن الإيمان بالقدر يشتمل على أربع مراتب هي :

1- عِلْمُ الله الأزلي بكل شيء ، ومن ذلك علمه بأعمال العباد قبل أن يعملوها ، قال تعالى : ( أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) الطلاق : 12 .

2- كتابة ذلك في اللوح المحفوظ قال تعالى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحج: 70 .

واعلم أن الكتابة أنواع عدة نذكر منها :

* الكتابة في اللوح المحفوظ .

* الكتابة العمرية ، وهي الكتابة التي يكتبها الملكك عندما تنفخ الروح في الجنين ( رزقه ،و أجله، وعمله ، وشقاوته أو سعادته ) .

* الكتابة الحولية وهي ما يُقدّر في ليلة القدرمن وقائع العام ،قال تعالى :( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) الدخان : 4 .

* الكتابة اليومية وهي التي يكتبها الملكان الموكلان على الإنسان .

3- مشيئة الله سبحانه و تعالى لهذا القدر الشاملة وقدرته التامة لكل حادث ، قال تعالى : ( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) التكوير : 29 .

4- إيجاد الله لكل المخلوقات وأنه الخالق وما سواه مخلوق ، قال تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الزمر : 62 .

اعلم أخي الكريم أن الله سبحانه وتعالى أوجد خلقه ، وخلق لهم أفعالهم ثم أمرهم بإتباع أوامره وإجتناب نواهيه، فالله لا يجبر الإنسان على فعل شيء ، فلإنسان مخير في أفعاله ولكن مشيئته تابعة لمشيئة الله عز وجل ، ولو كان الإنسان مجبوراً على فعل الأشياء لما صح أن يعاقبه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة أو يثيبه، واعلم أن أفعال العباد صدرت بإرادة وقدرة منهم ، والذي خلق فيهم القدرة والإرادة هو الله عز وجل ، ولو شاء الله لسلبهم القدرة فلم يستطيعوا فعل شيء أبدا .

والخلاصة أن العباد يفعلون بإختيارهم وقدرتهم ، وأن الذي خلق فيهم الإختيار والقدرة هو الله عز وجل، قال تعالى : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) الصافات : 96 .

وسطية أهل السنة والجماعة في باب القدر

اعلم رحمك الله أن أهل السنة والجماعة وسطٌ في باب القدر فلا إفراط عندهم ولا تفريط ، قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية : ( وهم - أي أهل السنة والجماعة - وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية ) .

القدرية قالوا أن العبد مستقلٌ بفعله وليس لله فيه مشيئة ولا تقدير، فالله بحسب زعمهم لا يعلم فعل العبد إلا بعد فعله ، أما قبل ذلك فلا يعلم عنه شيئا ، وهؤلاء هم مجوس هذه الأمة.
أما الجبرية فقد آمنوا بقدر الله وغلو في إثباته ، حتى سلبوا الإنسان قدرته وإختياره وقالوا : إن الله فاعل كل شيء ، وليس للعبد إختيارٌ ولا قدرة وإنما يفعل الفعل مجبراً عليه ، بل إن بعضهم إدعى أن فعل العبد هو فعل الله ، و لهذا دخل من بابهم أهل الإتحاد والحلول.
إذاً فالقدرية غلوا في إثبات قدرة العبد وزعموا أن القدرة الإلهية لا علاقة لها بفعل العبد ، أما الجبرية غلوا في إثبات قدرة الله تعالى وزعموا أن العبد مسلوب القدرة وأن الفاعل الحقيقي هو الله .

أما أهل السنة والجماعة فقد وفقهم الله سبحانه وتعالى إلى الطريق القويم فهم يقولون : أن فعل العبد واقع بمشيئة الله وخلقه ، ولا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشائه أبدا والإنسان له إختيار وإرادة ، فأفعال العباد بإختيارهم وإرادتهم ومع ذلك فهي واقعة بمشيئة الله وخلقه .

الإحتجاج بالقضاء والقدر

يحتج بعض الجهلاء على فعلهم للمعاصي بان الله سبحانه وتعالى قد قدرها عليهم ، وهذا الإحتجاج باطل بالنقل والعقل :-

أما من النقل قال الشيخ العثيمين رحمه الله في شرحه للعقيدة الواسطية ص 571 – 572

" فقد قال تعالى : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا) الأنعام : 148 .
قالوا ذلك إحتجاجاً بالقدر على المعصية .

فقال الله تعالى : (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم) ؛ يعني كذبوا الرسل واحتجوا بالقدر(حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا ) وهذا يدل على أن حجتهم باطلة ؛ إذ لو كانت حجة مقبولة ؛ ما ذاقوا بأس الله ...

وأما الدليل العقلي على بطلان إحتجاج العاصي بالقدر على معصية الله ، أن نقول له :

ما الذي أعلمك بأن الله قدر لك أن تعصيه قبل أن تعصيه ؟

فنحن جميعاً لا نعلم ما قدر الله إلا بعد أن يقع ؛ أما قبل أن يقع فلا ندري ...

فنقول للعاصي : هل عندك علم قبل أن تمارس المعصية أن الله قدر لك المعصية ؟

سيقول : لا .

فنقول : إذاً ؛ لماذا لم تُقدر أن الله قدر لك الطاعة وتُطع الله ؛ فالباب أمامك مفتوح ؛ فلماذا لم تدخل من الباب الذي تراه مصلحة لك ؛ لأنك لاتعلم ما قدر لك ...

ونقول له : لو أعلنت الحكومة عن وظيفتين : إحداهما بالمرتبة العالية والثانية بالمرتبة السفلى فأيهما تريد ؟

بلا شك سيريد المرتبة العالية وهذا يدل على أنك تأخذ بالأكمل في أمور دنياك ؛ فلماذا لم تأخذ بالأكمل في أمور دينك ؟! وهل هذا إلا تناقض منك ؟! " شرح العقيدة الواسطية .

وقال رحمه الله في درس له في الحرم المكي ما ملخصه : لو أتينا بهذا المحتج بالقدرعلى فعل المعصية ثم أمرنا بعض الإخوة بضربه ضرباً شديداً موجعاً ، فسيصرخ قائلاً لماذا تضربوني ؟ فإن قالوا له : إنا نضربك بقضاء الله وقدره . فهل سيقبل ذلك منهم ام لا ؟ بالتأكيد لا ، ولن يرضى إحتجاجهم بالقدر على ضربه . وكذلك لا نرضى نحن بإحتجاجه بالقدر على فعل المعصية .

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

علماً بأن المصدر الأساسي لهذه المادة هو شرح العقيدة الواسطية للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى .

المقتدي بالسلف
03-23-2005, 01:12 AM
فوائد منتاقة في باب القدر

قال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله و هو يتحدث عن عقيدة أهل السنة و الجماعة في القدر ( فعندهم القدر هو:

علم الله جل وعلا الأزلي بالأشياء قبل وقوعها.

وكتابته لها في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

ثم مشيئته جل وعلا لها.

وخلقه جل وعلا للأشياء جميعا.

هذا تعريف القدر عند أهل السنة والجماعة، فشمل هذا التعريف الأربع مراتب العلم، والكتابة, المشيئة العامة, الخلق لكل شيء، فالله جل وعلا خالق كل شيء.

خالف بعض أهل البدع فقالوا: إن الله جل وعلا لا يخلق فعل العبد؛ بل العبد يخلق فعل نفسه، وهذا هو قول القدرية يعني نفاة القدر، والجواب أن الله جل وعلا قال( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[الصافات:96] فخلق الله جل وعلا العباد وأعمالهم، فعمل العبد من الطاعات والمعاصي مخلوق لله جل وعلا، لكنه واقع لمشيئته، وهو الذي خلقه، وإذا كان معصية فإنما أذن بها كونا، ولم يرض بها شرعا ودينا؛ أرادها كونا، ولم يردها شرعا، فهو جل وعلا لا يكون في ملكه إلا ما يريد، ولا يكون في ملكه شيء إلا وهو خالقه، وهو الذي أنشأه فصوره وبرأه وخلقه، ويجامع هذا في معصية العاصي وكفر الكافر وأنه لا يرضى بتعدي الشرع.

نفاة القدر قسمان:

1. قدرية غلاة: وهؤلاء هم نفاة العلم، وهؤلاء فرقة انقرضت، وهي التي قال فيها أئمة السلف ”ناظروا القدرية بالعلم، فهم إن أقروا به خُصموا وإن أنكروه كفروا“.

2. الطائفة الثانية: القدرية الذين ينفون خلق الله جل وعلا لأفعال العباد، وينفون القدر ويقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه.

ويقابلهم الجبرية، والجبرية قسمان:

1. جبرية غلاة: وهم الذين يقولون إن المرء ليس له اختيار بتاتا، بل هو كالريشة في مهب الريح، وهذا اعتقاد الجهمية، وطوائف من الصوفية الغلاة موجودون اليوم.

2. والطائفة الثانية الجبرية غير الغلاة: وهؤلاء هم الأشاعرة، فإن الأشاعرة يقولون بالجبر لكنه جبر مؤدب؛ يعني جبر في الباطن دون الظاهر، يقولون: ظاهر المكلف أنه مختار، ولكنه في الباطن مجبر، ولهذا اخترعوا لفظ الكسب، فاخترع أبو الحسن الأشعري لفظ الكسب، وقال: إن الأعمال كسب للعباد. ما تفسير الكسب؟

اختلف حُذَّاقهم في تفسير الكسب إلى نحو من اثني عشرة قولا، ولا يهمنا ذكر هذه الأقوال الآن، كنه خلاصة الأمر أنه لا معنى للكسب عندهم، ولهذا قال بعض أهل العلم:


مما يقال ولا حقيقة تحته=معقولة تدنو لذي الأفهامِ
الكسب عند الأشعري والحال =عند البهشمــي وطفرة النَّظّامِ

ثلاثة لا حقيقة لها، فالكسب إذا أردت أن تفسره أو تستفسر من الأشعري ما معناه لا يكاد يجتمع منهم جماعة على تفسيره بتفسير صحيح، ولهذا ذكر بعض شُرّاح الجوهرة -من متون الأشاعرة المعروفة- جوهرة التوحيد: أنه لا بد من الاعتراف بأننا جبرية، ولكننا جبرية في الباطن دون الظاهر، فلسنا كالجبرية الذين يقولون للإنسان مجبر مطلقا، لا، ولكنه مختار ظاهرا، ولكنه مجبر ظاهرا.

طيب كيف تفسرون الأفعال التي تحصل من العبد؟

قال: هو كالآلة التي يقوم الفعل بها فإمرار السكين, لا نقول أن السكين هي التي أحدثت القطع، ولكن نقول حدث القطع عند الإمرار، كذلك العبد نقول هو أُجبر على الصلاة؛ أُجبر على الصلاة لما قام، هو عصى وأُجبر على المعصية لما أتى، فيجعلونه كالآلة وكالمحل الذي يقوم بها إجبار الله جل وعلا، وينفذ فيه حكم الله جل وعلا،

وهذا غاية في المخالفة لما دلت عليه النصوص.

فالأشاعرة طائفة من الجبرية, والمعتزلة طائفة من القدرية، والجبرية الغلاة والقدرية الغلاة قد مرّ بك تفصيل الكلام على اعتقادهم، وبهذا يتبين لك خلاصة ما يتعلق القدر، وأن الله جل وعلا مقدر للأشياء قبل وقوعها، ومعنى ذلك أنه علم ذلك، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأن قضاءه نافذ في عباده لا يخرجون عما قدّر ولا عما قضى، وأن ذلك لا يعني إجبار العبد؛ بل هو يفعل باختياره ويجازى على أفعاله.) انتهى . من شرح الشيخ لـ لمعة الإعتقاد لإبن قدامة رحمه الله .


هذا و الله أعلم و أحكم


و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

المقتدي بالسلف
03-23-2005, 01:26 AM
فوائد قيمة في باب القدر

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه القيم ( لُمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد ) :
و نعلم أن الله سبحانه و تعالى ما أمر و نـهى إلا المستطيع للفعل و الترك، و أنه لم يجبر أحدا على معصية و لا اضطره إلى ترك طاعـة، قال الله تعـالى  لا يكلف الله نفسا إلا وسعها  ، و قال الله تعـالى فاتقوا الله ما استطعتم  و قال تعالى  اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ، فدلَّ على أن للعبد فعلا و كسبا يُجزى على حسنه بالثواب و على سيئه بالعقاب، و هو واقع بقضـاء الله و قدره .

قال الشيخ الفاضل أبـو مـوسـى عـبد الـرزاق بن مـوسـى الجــزائــري في شرحه لكلام الإمام ابن قدامة رحمه الله :

اعلم – رحمني الله و إياك – أن العباد و أفعالهم من طاعات و معاصي كلها من خلق الله تعالى، فهو خـالقهم و خالق أفعالهم، قال تعالى  إنا كل شيء خلقناه بقدر [القمر 49]، و هذا عموم يدخل فيه فعل العبد، و قـال  و الله خلقكم و ما تعملون  [الصافات 96] و "ما" مصدرية و التقدير : " خلقكم و خلق عملكم " .

و أي عمل يقوم به العبد فهو ناتج عن عزيمة و قوة، و هما مخلوقتان لله تعالى، فهو الذي أودع في العبد القوة و العزيمة، و إن كان سبب العمل مخلوقا فالمسبب من بـاب أولـى، فأهل السنـة السلفيون يقولـون : " العبد هو المباشر لفعله حقيقة، و الله تعالى هو الخالق لهذا الفعل حقيقة "، و دليل ذلك قوله تعالى ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) [غافـر 17]، فأضاف الكسب و العمل للعبد.
و قال( و الله خلقكم و ما تعملون ) [الصافات 96] فجعل أفعالهم من خلقه تعالى، و قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية :
"و العباد فاعلون حقيقة، و الله خالق أفعالهم، و العبد هو المؤمن و الكافر و البر و الفاجر و المصلي و الصائم ، و للعباد قدرة على أعمالهم و لهم إرادة، و الله خالقهم و خالق قدرتـهم و إرادتـهم،كما قال تعالى  لمن شاء منكم أن يستقيم و ما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين  " اهـ.

و كلامه – رحمه الله – ردّ على الطائفتين الجبرية و القدرية.
و كما بيَّنا من قبل فقد ضلَّ في هذا الباب طائفتان :

1. الجبريـة ( الجهمية و غيرهم ) : و هؤلاء جعلوا العبد مجبور على فعله و ليس له اختيار في أفعالـه، و الله هو خالق أفعال العبد، و إنما أضيفت للعبد تجوزا، و الفاعل الحقيقي هو الله عزّ و جلّ، و يُرد عليهم من وجوه :

• قال تعالى (لمن شاء منكم أن يستقيم) [ التكوير 28] فأثبت للعبد مشيئة .

• الله عزّ و جلّ أضاف فعل العبد إليه، و رتَّب على فعله ثوابا و عقابا، فلو لم يكن العبد هو الفاعل لأفعاله فكيف يُثاب أو يُعاقب ؟ .

• من العباد من هو زان أو فاسق أو سارق أو ظالم، و لازم قولـهم أن تنسب هذه المسميات لله عزّ و جلّ .

• هنـاك فـرق واضح بين الفعل الاختيـاري المتـعلق بالقدرة و الإرادة و بين الفعـل الإجباري و الاضطراري، فلو اعتدى شخص على آخر و ادعى أنه مجبور و مضطر، لوصفه الناس بالجنون .

2. القدريـة ( المعتزلة و غيرهم ) : و هؤلاء جعلوا العبد مستقل بعمله، و هو الفاعل حقيقة، و الله لم يخلق أفعال العباد، بل هم الموجدون لها، و ليس لله تعالى في أفعالهم إرادة و لا قدرة، و يرد عليهم :

• قال الله تعالى ( و ما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين)[التكوير29]، و قال( و الله خلقكم و ما تعملون)[الصافات 96]، و قال ( و الله خالق كل شيء) .

• فعل العبد صادر عن قدرته عليه و إرادته لـه، و القدرة و الإرادة خلقهما الله تعالى في العبد، و ما صدر عن مخلوق فهو مخلوق .

و اعلم – علمني الله و إياك – أن من الطوائف من سلب العبد اختياره و قدرته، فجعلوه مجبورا على كل أفعاله، فكان كالريشة في مهب الريح، و جعلوا أفعاله الاختيارية و أفعالهم الاضطرارية سيَّان، و قالوا : إن كل ما أمر الله تعالى به فهو أمر بما لا يطاق !!

و الحق الذي لا مرية فيه أن الله تعالى لم يجبر العبد على فعل معصية و لا اضطره إلى ترك طاعة، و لم يكلفه إلا بما يستطيعه، قال تعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)[البقرة 285]، و وصف سبحانه العباد بأفعالهم، و لكنهم لا يقدرون إلا على ما أقدرهم عليه، و لا يشاؤون إلا أن يشاء، و لا يفعلون إلا بجعله إياهم فاعلين، فكما أنـهم لم يوجدوا أنفسهم فهم لم يوجدوا أفعالهم إلا بمشيئته، فأفعالهم قائمة بهم مضافة إليهم حقيقة و هي مخلوقة لله عزّ و جلّ، و مثال ذلك قوله تعالى(من يهد الله فهو المهتد) [الكهف 17] فالله سبحانه و تعالى هو فاعل الهداية حقيقة فهو الهاد، و العبد هو فاعل الاهتداء حقيقة فهو المهتدي، و ليس الهادي هو المهتدي، و ما كان للعبد أن يكون مهتديا لولا هداية الله عزّ و جلّ له .

راجع : الإسعاد في شرح لمعة الاعتقاد للشيخ الفاضل أبـي مـوسـى عـبد الـرزاق بن مـوسـىالطُـبني الجــزائــري .

هذا و الله أعلم و أحكم

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

المقتدي بالسلف
03-23-2005, 01:56 AM
شبـهات و جوابـها

1. قالوا : في الناس كفار و مؤمنون، و مشيئة الله نافذة عليهم كلهم، و هو سبحانه يحب الطاعات و يكره المعاصي، و يحب الطائعين و يكره الفسقة و المجرمين، و كلهم لا يشاؤون إلا ما شاءه ربّ العزة، فكيف يشاء تعالى ما لا يحب و يريد ما لا يرضى ؟ !! .

و الجواب : اعلم – رحمني الله و إياك – أن الإرادة في نصوص الكتاب و السنّة جاءت على معنيين :

• إرادة كونية قدرية : و هي بمعنى المشيئـة و لا تتعلق بالمحبة و الرضا، بل يدخل فيها الكفر و الإيمان، و الطاعات و المعاصي، و هي واقعة لا محالة، قال تعالى فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يُرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا [الأنعام 125] و قال  و لا ينفعكم نصحي إن أردتُ أن أنصح لكم إن كان الله يُريد أن يغويكم [هود 34] .

• إرادة دينية شرعية : و هي بمعنى المحبة، و هذه مختصة بما يحبه الله و يرضاه، و هذه الإرادة قد تقع و قد لا تقع، قال تعـالى  يريد الله ليبين لكم و يهديكم سُنن الذين من قبلكم و يتوب عليكم  [النساء26]، و قال يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر  [البقرة 185] .

و السؤال : هل المعاصي مرادة لله عزّ و جلّ ؟ .

و الجواب : هي مُرادة لله بالإرادة الكونية لا الإرادة الشرعية، فيمكنك القول إن الله تعالى يريد الكفر من الكافر و يشاؤه، و لكنه لا يرضاه و لا يحبه، فيشاؤه كونا و لا يرضاه شرعا و دينا، لو فهمت هذا يا طالب العلم نجوت مما وقع فيه القدرية و المعتزلة من جهة و الجبرية من جهة أخرى ..

قالت الجبرية : الكون كله بقضاء الله و قدره، فكل ما فيه محبوب له تعالى .

و قالت القدرية : المعاصي ليست محبوبة لله تعالى، و ليست واقعة بقضاء الله و قدره، و ليست داخلة تحت مشيئته تعالى، فالله أراد من الكافر الإيمان، و لكن الكافر شاء لنفسه الكفر، قالوا هذا لئلا يقعوا في القول بأن الله شاء الكفر من الكافر ثم عذَّبه عليه، و يلزم من قولهم هذا أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله، و لا حول و لا قوة إلا بالله .


2. قالوا : إذا كان الكفر بقضاء الله و قدره، و نحن مأمورون بالرضا بقضاء الله، فكيف نرضى بالكفر ؟؟ .

و الجواب :

في المسألة أمران : قضاء و مقضي، فالقضاء كله خير و عدل و حكمة، و أما المقضي فمنه ما يرضي و منه ما لا يرضي، و لسنا مأمورين بالرضا عن كل ما هو مقضي .


فائـدة

قول النبي – صلى الله عليه و آله و سلم - : "و قني شر ما قضيت" فيه إضافة الشر إلى المقضي لا إلى قضاء الله تعالى، فالله يقضي بالخير و الشر، فأما قضاؤه بالخير فهو خير في القضاء و المقضي، و أما قضاؤه بالشر فهو خير في القضاء شر في المقضي، مثل : قضاء الله تعالى على عبد بالمرض، فهذا شر في المقضي و لهذا القضاء غاية و هي إنابة هذا العبد لله عزّ وجلّ و تكفير لخطاياه، فكان هذا التقدير شرا في المقضي خيرا في القضاء .

قصص و فوائد


• دخل عبد الجبار الهمداني - أحد رؤوس المعتزلة – على الصاحب بن عبَّاد و عنده أبو إسحاق الإسفرائيني – أشعري -
فلما رأى عبد الجبار أبا إسحاق، قال : سبحان من تنـزه عن الفحشاء !.

فقـال أبو إسحاق : سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ! .

فقال عبد الجبار : أيشاء ربنا أن يعصى ؟ !.

فقـال أبو إسحاق : أيعصى ربنا قهرا ؟ !!

فقـال عبد الجبار : أرأيت إن منعني الهـدى و قضى علي بالردى ، أحسن إلي أم أساء ؟.

فقال أبو إسحاق : إن منعك ما هو لك فقد أساء، و إن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء، فبهت المعتزلي .


• وقف أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عُبيد المعتـزلي.

فقال : يا هؤلاء ! إن ناقتي سرقت فادعوا الله أن يردها علي،

فقال عمرو : اللهم إنك لم ترد أن تُسرق ناقته فسُرقت فارددها عليه !!

فقال الأعرابي : لا حاجة لي في دعائك !

فقال : و لم ؟

قال : أخاف – كما أراد أن لا تُسرق فسُرقت – أن يُريد ردها فلا تُرد !! .


• روى عمرو بن الهيثم قال : خرجنا في سفينة و صحبنا فيها قدري و مجوسي.

فقـال القدري للمجوسي : أسلم.

فقال المجوسي : حتى يريد الله !

فقال القدري : إن الله يُريد و لكن الشيطان لا يُريد !

فقال المجوسي : أراد الله و أراد الشيطان فكان ما أراد الشيطان، هذا شيطان قوي !!، فأنا مع أقواهما !!



.

المصدر السابق : الإسعاد ....

اللهم ثبت قلوبنا على عقيدة أهل السنة و الجماعة حتى نلقاك


هذا و الله أعلم و أحكم

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

المقتدي بالسلف
03-23-2005, 02:13 AM
شبهة قوية

لقد استدل بعض الناس على أن أفعال العباد هي أفعال الله حقيقة بآية في كتاب الله ، هي قوله تعالى ( و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى ) الأنفال : 17 .

الجواب : اسمحوا لي أيها الأفاضل بأن أُتحفكم بهذه الدرة السَّنية و الإجابة السلفية ، للعلامة ابن قيم الجوزية ، رحمه المولى رب البرية .

قال رحمه الله و هو يتحدث عن مجريات غزوة بدر الكبرى ، قال رحمه الله ( ... وأخذ رسول الله ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه العدو فلم تترك رجلا منهم إلا ملأت عينيه وشغلوا بالتراب في أعينهم وشغل المسلمون بقتلهم فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ( الأنفال 17 ) .

وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله ، وأنه هو الفاعل حقيقة ، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع ، ومعنى الآية أن الله سبحانه أثبت لرسوله له ابتداء الرمي ، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميتة ، فالرمي يراد به الحذف والإيصال ، فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال ...) ا هـ زاد المعاد في هدي خير العباد


بعض أقوال المفسرين

قال ابن جرير الطبري رحمه الله عن هذه الآية ( ...وهذه الآية ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم .... ) ا هـ


وقال ابن كثير رحمه الله عن هذه الآية ( يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم ولهذا قال " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " أي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم أي بل هو الذي أظفركم عليهم .... ) ا هـ

و قال القرطبي رحمه الله عن هذه الآية ( القول في تأويل قوله تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } .

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرا مع رسول الله فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش : فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم , ولكن الله قتلهم .

وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه , ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين , إذ كان جل ثناؤه هو مسبب قتلهم , وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم , ففي ذلك أدل الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صنع به وصلوا إليها . وكذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } فأضاف الرمي إلى نبي الله , ثم نفاه عنه , وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي , إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرمي به إلى الذين رموا به من المشركين , والمسبب الرمية لرسوله . فيقال للمسلمين ما ذكرنا : قد علمتم إضافة الله رمى نبيه صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نفسه بعد وصفه نبيه به وإضافته إليه ذلك فعل واحد كان من الله بتسبيبه وتسديده , ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحذف والإرسال , فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة : من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب , ومن الخلق الاكتساب بالقوى ؟ فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ... ) ا هـ

هذا و الله أعلم و أحكم

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته