المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القول المبين في جماعة المسلمين



abu-amirah
02-22-2005, 01:01 PM
أولا : نص الحديث :
عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – قال :

" كان الناس يسألون رسول الله عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني .

فقلت يا رسول الله :

إنّا كنّا في جاهلية وشرّ ، وجاء الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟

قال : نعم

قلتُ : وهل بعد هذا الشر من خير ؟

قال : " نعم ، وفيه دخن "

قلت : وما دخنه ؟

قال : قوم ( يستنون بغير سُـنَّــتي ) ، ويهدون بغير هدي ، تعرف منهم وتنكر " .

قلت : فهل بعد ذلك من شر ؟

قال : نعم ، دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها

قلت : يارسول الله صِفهم لنا

قال : ( هم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا )

قلت : فم تأمرني إنْ أدركني ذلك ؟

قال : ( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )

قلت : فإنْ لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟

قال : ( فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو تعض بأصل شجرة ، يدركك الموت وأنت على ذلك ؟)

ثانيا : توثيق الحديث

له عدة طُرُق :

الأولى : من طريق الوليد بن مسلم ، ثنا ابن جابر ثنا بسر بن عبيدالله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول : وذكره . {[2]}

الثانية : من طريق عبد الرحمن بن قرظ عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وذكر شطر الحديث الأخير {[3]} ،

قلت : عبد الرحمن بن قرظ مجهول

الثالثة : من طريق أبي سلام قال : قال حذيفة بن اليمان : قلت : يارسول الله إنا كنا في شر ، فجاء الله بخير فنحن فيه ، فهل من وراء هذا الخير شر ؟

قال نعم

قلت : فهل وراء ذلك الخير شر ؟

قال : نعم ، قلت : كيف ؟ ، قال : يكون بعد أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال فيهم قلوب الشياطين في جثمان إنس

قال : قلت : كيف أصنع يارسول الله إن أدركني ذلك ؟

قال : تسمع وتطع للأمير وإن ضُرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع {[4]}

قال الدارقطني في " الإلزامات والتتبع " :

وهذا عندي مرسل ، أبو سلام لم يسمع من حذيفة ولا نظرائه الذين نزلوا العراق لأن حذيفة توفي بعد مقتل عثمان رضي الله عنهما بليال ، وقد قال فيه : حذيفة ، فهل يدل على إرساله

قال النووي في شرح صحيح مسلم ( 12/237 – 238 ) بعد أن ساق كلام الدارقطني وهو كما قال الدارقطني ، لكن المتن صحيح متصل بالطريق الاولى ، وإنما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى ، وقد قدمنا في الفصول وغيرها أن الحديث المرسل ، وجاز الاحتجاج به ، ويصير في المسألة حديثان صحيحان

وقال الشيخ مقبل بن هادي {[5] } : وفي حديث حذيفة هذا زيادة ليست في حديث حذيفه المتفق عليه وهي : -

" وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك " فهذه زيادة ضعيفة لأنها من هذا الطريق المنقطعة ، والله أعلم "

قلت : كأن الأخ مقبل لم ينشط لتتبع هذه الزيادة ، ولو فعل لوقف على خلاف ما كتب فإن لهذه الزيادة متابعات :

أ ) من طريق صخر بن بدر العجلي عن سبيع قال :

أرسلوني من ماء إلى الكوفة أشتري الدواب فأتينا الكناسة فإذا رجل عليه جمع

قال : فأما صاحبي فانطلق إلى الدواب ، وأما أنا فأتيت فإذا هو حذيفة ، فسمعته يقول :

كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم يسألونه عن الخير ،وأسأله عن الشر ، فقلت :

يارسول الله هل بعد هذا الخير شر كما كان قبل ؟

قال : نعم

قلت فما العصمة منه ؟

قال : السيف أحب

قال : قلت : ثم ماذا تكون ؟

قال تكون هدنة على دخن

قال : قلت : ثم ماذا ؟

قال تكون دعاة ضلالة ، فإن رأيت يومئذ خليفة الله في الأرض فالزمه ، وإن نهك جسمك ، وأخذ مالك ، فإن لم تره فاهرب في الأرض ولو أن تموت وأنت عاض بجذع شجرة

قلت : ثم ماذا ؟ قال ثم يخرج الدجال

قلت : فيم يجيء به معهم ؟

قال " بنهر – أو قال : بماء ونار ، فمن دخل نهره حط أجره ، ووجب وزره ، ومن دخل ناره وجب أجره وحط وزره "

قال : قلت : ثم ماذا ؟

قال : اتخذ فرسا فلم تركب فُـلُـوَّها حتى تقوم الساعة

قال شعبة : أبو بشر في إسناد له عن حذيفة قال :

قلت : يارسول الله ماهدنة على دخن ؟

قال : قلوب لا تعود على ماكانت .{[6]}

قلت ( أبو أسامة ) : صخر بن بدر مجهول ، لكن تابعه نصر بن عاصم عن سبيع بن خالد ( ويقال خالد بن خالد كما وقع في بعض الروايات )

قال : أتيت الكوفة في زمن فتحت تستر أجلب منها بغالا ، فدخلت المسجد فإذا صدع من الرجال ، وإذا رجل جالس تعرف إذا رأيته أنه من الحجاز

قال : قلت : من هذا ؟ فتجمهني القوم ، وقالوا :أما تعرف من هذا ؟ هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله . وذكر بنحوه ، وفيه :

إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك ، وأخذ مالك فأطعمه {[7]} ، قلت ( أبو أسامة ) : وهذا إسناد حسن مادون سبيع بن خالد ثقات رجال مسلم

وبهذا يكون قوله : ( فإكان لله خليفة في الأرض ) أصح من رواية صخر بن بدر العجلي : ( خليفة الله ) فإنها مستنكرة رواية ودراية

وتابعه أيضا علي بن زيد عن سبيع بن خالد{ [8]}

قلت : وهذا إسناد فيه ضعف لأن عليا في حفظه ضعف

ب ) وتابع زيد بن وهب أبا سلام عن حذيفة {[9]}


قلت : زيد بن وهب ثقة كما في "التقريب"

وبهذا يكون حديث حذيفة من طريق أبي سلام ثابت صحيح بشواهده

الرابعة : من طريق وكيع عن سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال : حذيفة : وذكره {[10]}

الخامسة : من طريق أبي المغيرة ، ثنا صفوان ثنا السفر بن نسير الأزدي وغيره عن حذيفة بن اليمان أنه قال :

يارسول الله إنا كنا في شر فذهب الله بذلك وجاء بالخير من شر

قال : نعم ، قال : ماهو ؟؟

قال : فتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا ، تأتيكم مشتبه كوجوه البقر لا تدرون {[11]}

بعض الدروس من الحديث

وقد تنوعت عبارات شارحي الحديث حول مفهوم الدخن ، ولكنها تتفق في محصلة واحدة

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 13/36

هو الحقد ، وقيل الدغل ، وقيل فساد القلب ، ومعنى الثلاثة نتقارب

يشير إلى الخير الذي يجيء بع الشر لا يكون خالصا بل فيه كدر

وقيل المراد بالدخن : الدخان ، ويشير إلى كدر الحال

وقيل الدخن : كل أمر مكروه

وقال أبوعبيدة : يفسر المراد بهذا الحديث ، الحديث الاخر : لا ترجع القلوب إلى ما كانت عليه

ونقل النووي في شرح صحيح مسلم 12/236-237

دخن ، أي لا يكون الخير محضا ، بل فيه كدر وظلمة

ونقل العظيم أبادي في عون المعبود 11/316 عن القاري قوله :

وأصل الدخن هو الكدورة واللون الذي يضرب إلى السواد ، فيكون فيع إشعار إرلى أنه صلاح مشوب بالفساد

قلت : ( أبو أسامة ) تتمخض هذه الشروحات عن أمرين :

أولا : أن هذه مرحلة ليست خيرا خالصا وإنما مشوبة بكدر يعكر صفو الخير ويجعل مذاقه ملحا أجاجا

ثانيا : أن هذا الكدر يفسد القلوب ويجعلها ضعيفة حيث يدب إليها داء الأمم وتتخطفها الشبهات

وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر أمور

1. أن هذا الدخن انحراف يعتري المنهج النبوي الحق الذي كان يسود مرحلة الخير الخالص ، فيؤدي إلى تشويه المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها ، ألم يقل في تفسير الدخن كما جاء في حديث حذيفة عندما سأله رضي الله عنه :

" قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هدي "

هذا هو أصل الداء وجذر البلاء ، إنه انحراف عن السنة في المنهج والانصراف عن السمت النبوي في السلوك والعمل ..

2. أن ظاهر هذه المرحلة خير ! لكن باطنها من قبله الهلاك

3. أن هذا الدخن ينمو فاتكا بالخير حتى يسيطر ، فتكون مرحلة الشر الخالص وبداية دعاة الضلال ، وفِرَق الغواية

4. وبهذا يكون مثيرو الدخن هم سلف دعاة الضلالة ، وبهذا تتضح أن سلسلة التامر على الإسلام وأهله ودولته لها جذور عميقة في التاريخ الإسلامي

5. أن رؤو الفتنة يعملون بنشاط ، بينما أهل الحق غافلون نائمون بدليل أن هذا الدخن كبر حتى سيطر ووثب على الحق وأهله وثلَّ عرش دولته

وبهذا يتضح أن الدخن الذي شاب الخير فكدر معينه هو البدع التي أطلت برؤوسها من أوكار

المعتزلة ، والصوفية والجهمية ، والخوارج ، والأشعرية ، والمرجئة ، واروافض

منذ قرون ابتغاء الفتنة في الاسلام تحريفا وانتحالا وتأويلا ، فلم يبق من القرانفلم يبق من القران إلا رسمه ، ومن الاسلام إلا اسمه ومن التعبد إلا جسمه .

ونبتت خلوف اتبعوا الشهوات ، فغزا الوهن قلوبهم ، وظهرت في الأمة سكرتا : الجهل وحب العيش ، فلم تعد امرهة بالمعروف وناهية عن المنكر مجاهدة في سبيل الله ففقدت خيريتها لأنها لم تؤد شرط الله فيها

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

أنتم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر في سبيل الله ثم تظهر فيكم السكرتان ، سكرة الجهل وسكرة حب العيش ، وستحولون عن ذلك فلا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر ولا تجاهدون في سبيل الله القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقا "

قالوا : يارسول الله منا أو منهم ؟؟

قال : لا بل منكم {[12]}

ومنه يتضح أن أمر البدع خطير لأنها تفسد القلوب والأبدان ، بينما الأعداء يفسدون الأبدان فقط

ولذلك اتفقت كلمات السلف الصالح على وجوب مجاهدة أهل البدع وهجرهم

قال مؤرخ الإسلام الذهبي في كتابه المستكان ( سير أعلام النبلاء ) 7/261 بعد أن نقل قول سفيان الثوري " من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم ، خرج من عصمة الله ووكل أمره إلى نفسه

وعنه قال : من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه ، كي لا يلقها في قلوبهم .


جماعات من المسلمين وليس جماعة المسلمين

وأخطر خلاف يحول دون اتفاق الجماعات الاسلامية على كلمة سواء أمران :

الاول : اختلافهم في مصادر التلقي والفهم للكتاب والسنة

ثانيا : عدم ادراكهم لحجمهم

فإننا لم نزل نشاهد أن الحزبية الضيقة قد ضربت بجرانها حول عقول كثير من الجماعات العاملة في ميدان الدعوة إلى الله ، فأصبحت لا ترى إلا نفسها ، وهضمت وجود الاخرين من حولها .

وتنامى الامر حتى رأينا أن بعضها يدعي أنه جماعة المسلمين وأن مؤسسها هو إمام المسلمين ، وبنوا على هذه التوهمات قصورا وعلالي أضخم من جبال الهمالايا وكنها أرفع من أعواد الخيزران

فبعضها ادّعى وجوب البيعة لإمامهم واخرون كفـّروا السواد الأعظم من المسلمين ، ورهط زعموا أنهم الجماعة الأم التي يجب على الاخرين أن يلتفوا من حولها

وتناسى أكثرهم أنهم يعملون لإعادة جماعة المسلمين ، فلو كانت جماعة المسلمين موجودة ، وإمامها موجود لما رأينا هذا الإختلاف والتعدد الذي ما أنزل الله به من سلطان

والحقيقة أن العاملين للإسلام هم جماعات من المسلمين ، وليس جماعة المسلمين

جماعة المسلمين

واعلم أيها المسلم أن جماعة المسلمين هي التي ينتظم في سلكها جميع المسلمين ويكون لها إمام منفذ لأحكام الله حيث تجب طاعته واعطائه صفقة اليد وثمرة الفؤاد

نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري 31/37 عن الطبري قوله :

اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة ، فقال قوم هو للوجوب ، والجماعة السواد الأعظم ، وقال قوم : المراد بهم أهل العلم لأن الله حعلهم حجة على الناس ، واناس تبع لهم في أمر الدين

والصواب : أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره ، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة

وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام ، فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحد في الفرقة ، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية الوقوع في الشر

الخلاصة

1. وجوب لزوم جماعة المسلمين وطاعة أئمتهم ولو عصوا ، ولا يجوز الخروج على الأئمة ما لم يروا الكفر البواح والشرك الصراح الذي عندهم عليه من الله برهان

2. فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام ، فعلى المسلم أن يعتزل فرق الضلال وأحزاب الفرقة.

3. اعتزال فرق الضلالة لا يعني العزلة المطلقة التي يترك فيها الباطل يصول ويجول ، بل على المسلمين التمسك بأصول هذا الدين كتابا وسنة وفهمهما بفهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سار عل دربهم من أئمة الهدى ، وهي الطائفة التي تحمل الحق في كل العصور حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم .



عودة إلى الصفحة السابقة


--------------------------------------------------------------------------------

[1] ) من رسالة القول المبين في جماعة المسلمين – دار الراية – الرياض – 1410 هجري

[2] ) أخرجه البخاري ( 6/615 – 616 + 13/35 – فتح ) ، أخرجه مسلم ( 12/235 – 236 – نووي ) و أخرجه البغوي في شرح السنة ( 15/14 ) بتمامه ، وأخرجه ابن ماجه ( 3979 ) شطره الأخير

[3] ) أخر جهابن ماجه 3979 ، والحاكم ( 4/432 ) وصححه ووافقه الذهي

[4] ) أخرجه مسلم ( 12/236-237 ، نووي )

[5] ) في تعليقاته على " الإلزامات والتتبع " ص 182

[6] ) أخرجه أبو داود 4247 /، وأخرجه أحمد 5/403

[7] ) أخرحه أبو داود 4244-4246 - وأحمد 5/386 –387 ، 403 - البغوي في شرح السنة 15/8-10 - الحاكم 4/432 وصححه ووافقه الذهبي

[8] ) أخرجه أحمد 5/406

[9] ) أخرجه أحمد 5/404

[10] ) أخرجه أحمد 5/399

[11] ) أخرجه أحمد 5/391


[12] ) أخرجه أبو نعيم في " حلية الأولياء" – 8/49 وإسناده صحيح