المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قالو انتم تجيزون التوسل بالاحياء و الانبياء احياء فى قبورهم لذلك نتوسل بهم قلنا لهم



سلفي بكل فخر
02-15-2005, 01:26 PM
ويستدلون على ذلك بما يلي:
أ- أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة دنيوية، بدليل قوله تعالى: ]وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا[ [الأحزاب: الآية 53]. قالوا: فالنبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة دنيوية، ولذلك لا تجوز مناكحة أزواجه r؛ لأن الحي لا يجوز نكاح زوجته.

الرد على هذه الشبهة باختصار ما يلي:
إن هذا القول الذي قالوه في النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله أحد من المفسرين السابقين، وإنما هو قول مبتدع، وتفسير – بل تأويل – باطل من قبل هؤلاء المتأخرين. وكل خير في اتباع مَن سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.

ثم إن الصحيح الذي لا مرية فيه: أن حياة الأنبياء برزخية لا نعرف كنهها، وليس ما ذكروه فيه أي دليل على كون تحريم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأجل حياته r، وإنما لكونهن كالأمهات، فكما أن الأمهات لا تنكحهن الأولاد بعد موت الآباء فهنا أيضًا هكذا. وأدل دليل على هذا ذهاب بعض العلماء إلى أن مطلقة رسول الله أيضًا لا تحل لأحد.
أو لأنهن زوجاته في الآخرة.

أو لإكرام النبي صلى الله عليه وسلم أن يطأهن أحد بعده.
أو لإكرامهن أيضًا: حيث قصرهن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقصره عليهن خير لهن.
أو أن الله عز وجل أعطاهن هذا الفضل لما صبرن على الرسول في حياته دون التفات إلى متاع الحياة الدنيا.

5- لا تلازم بين الحياة وبين طلب شيء منهم، فمثلاً: هؤلاء شهداء أحد معروف مكانهم وفضلهم، معروفة قبورهم، لم يذهب إليهم أحد من المسلمين من صحابة الرسول صلى الله عليه و سلم في حياته ولا بعد مماته يسألونهم الدعاء والشفاعة ولا توسلوا بهم.

وهم أحياء حياة برزخية بنص القرآن: ]وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[ [آل عمران: الآيات 169-171].

فلماذا ترك أولئك طلب الدعاء من هؤلاء الشهداء؟ بل الثابت عنهم أنهم كانوا يدعون لهم، لا أنهم يسألونهم الدعاء. وهم أحياء بنص كريم، لكن حياتهم ليست كحياتنا على الأرض. نعلم منه أنهم وإن كانوا أحياء حياة برزخية لا نعلم حقيقتها فهي مختلفة في ما يقدرون عليه عن حياتهم في الدنيا.

6- أخرج مسلم في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول: «إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم». وفقه هذا الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عيه وسلم أرشد عمر أن يطلب الدعاء من أويس وهو تابعي، وأين منزلته من منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يدعو له المفضول ويترك طلب الدعاء من خير الخلق في قبره، وهذا دليل واضح في أنَّ الفرق هو تغير نوع الحياة، وقدرة الحي على الدعاء للمعين، بخلاف من حياته برزخية.

فإذا كان هذا في حق الرسول صلى الله عليه و سلم وهو أحسن حالاً في القبر على الإطلاق، فكيف بمن يطلب الدعاء من الآخرين؟

ثم إن الأولياء – الذين يذهبون إلى قبورهم ويتوجهون إلى مشاهدهم طالبين لهم الدعاء – ليس لهم أي دليل على وجود حياتهم مثل حياة الأنبياء والشهداء، وإنما قاسوا على حياة الأنبياء والشهداء، ومعلوم أن هذا قياس مع الفارق؛ إذ لا دليل على وجود الحياة لأوليائهم في قبورهم.

ب- زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره بدليل عدم قسمة تركته، كما جاء في الحديث النبوي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا نُورث ما تركناه فهو صدقة». قالوا: إن علة النهي عن قسمة التركة كونه حيًّا في قبره حياة دنيوية، فإن الحي لا يورث.

ويُرد على هذا القول: بأن العلة ليس كونه حيًّا كما زعمته المتصوفة، بل قد ذكر الرسول الحكمة فيه في نفس الحديث بأن ما تركه صدقة. وقد جاء في رواية أخرى أنه صلى الله عليه و سلم قال: «لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة».

جـ- استدلال القبورية المتصوفة بقوله تعالى: ]وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا[ [النساء: الآية 64].

وجه الاستدلال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره، وإلاَّ لما جاز طلب الاستغفار منه، وما دام أنه حي في قبره وقد أمر في الآية بطلب الاستغفار منه، فإنه يكون مرغوبًا فيه وليس منهيًّا عنه.
يجاب عن هذا الاستدلال بما يلي:
إن الآية وردت في قوم معينين، وليس هناك لفظ عام حتى يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص المورد، بل الألفاظ الدالة الواقعة في هذه الآية كلها ضمائر. وقد ثبت في مقره أن الضمائر لا عموم لها.
إن المقصود بهذه الآية المجيء إلى الرسول r في حياته فقط، فإن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين دعوا إلى الله وحكم رسوله r فصدوا واحتكموا إلى الطاغوت، فظلموا أنفسهم، ولم يجيئوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تائبين منيبين ليستغفر لهم.

إن اللفظ العام لا يتناول إلا ما كان من أفراده، والمجيء إلى قبر الرجل ليس من أفراد المجيء إلى عين الرجل لا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا، فإن المجيء إلى الرجل ليس معناه إلاَّ المجيء إلى عين الرجل، ولا يفهم منه أصلاً أمر زائد على هذا.

(إن أَعْلَمَ الأمة بالقرآن ومعانيه هم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، فلم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته، ليستغفر لهم،... فما استأثر الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه و سلم ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.

أفترى عطّل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب الذي ذمَّ الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفَّق له من لا توبة له من الناس ولا يُعد من أهل العلم؟‍ وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومَن لهم لسان صدق في الأمة فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم ألبتة، بل المنقول الثابت عنه ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهي عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية...

ومما يدل على بطلانه قطعًا: أنه لا يشك مسلم أن من دُعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذمومًا غاية الذم مغموصًا بالنفاق، ولا كذلك من دُعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوّى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق...
0
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ[، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذمَّ من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم إن من الواجب على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطّلوها، ووفَّق لها هؤلاء الغلاة والعصاة. وهذا بخلاف قوله: ]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ[؛ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم ما جاء به حيًّا وميتًا، ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه.

يوضح ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا قبري عيدًا». ولو كان يشرع لكل مُذْنِب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المُذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به).

ثم على هذا التفسير الذي ذكره في الآية بأن المراد منها حثَّ الناس على طلب الاستغفار منه، (على هذا التفسير أن الآية حُكمها مستمر، فكما أن مجيء مَن ظلم نفسه إليه r في حياته واستغفاره عنده شرط لقبول توبته فهو شرط أيضًا في قبول توبة من ظلم نفسه بعد وفاته r فلا بد من مجيئه إلى قبره صلى الله عليه وسلم واستغفاره عنده، واستغفار الرسول له. ولا يخفى ما في هذا من المناقضة لكتاب الله تعالى وسنّة نبيه وما عليه المسلمون...).

( المرجع : رسالة : الشرك في القديم والحديث ، أبوبكر محمد زكريا ، 3 / 1211-1218) .