المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قالو نحن نقر بالشهادتين و نؤمن بالرسول فكيف تساون بيننا و بين المشركين قلنا لهم



سلفي بكل فخر
02-15-2005, 12:35 PM
إن القبوريين لمَّا كانوا يدعون الأولياء والصالحين، واستدل عليهم العلماء بالآيات القرآنية والأحاديث الواردة في أن الدعاء والطلب والشفاعة وغيرها من العبادة، وأن الله عز وجل قد كفّر المشركين الأول لهذه الأعمال، قالوا: إن المشركين الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويُكذِّبون الرسول r ويُنكرون البعث، ويكذبون القرآن، ونحن نشهد الشهادتين ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم... فكيف تجعلوننا مثلهم بمجرد قصدنا الأولياء للشفاعة؟

واحتجوا على هذا بحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا...» وحديث أسامة، وغيرهما من الأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله.

يُجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
الإقرار بالشهادتين والاعتراف بالشريعة الإسلامية لا يُغني عن الاحتراز من الوقوع في نواقض الإسلام، ولا يلزم من ذلك بقاء الرجل على الإسلام ولو أتى بالكفريات وبما يناقض الشهادتين، والأدلة على ذلك كثيرة.
1- إجماع العلماء – رحمهم الله – على أن من صدَّق الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء وكذَّبه في شيء يكفر، قال تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا[.

وقد علم أن التوحيد أهم أركان الإسلام، فمن أنكره أو أنكر بعض جوانبه فقد كفر.
2- وقد وقع في التأريخ الإسلامي ما يدل على إجماع العلماء على تكفير من أنكر بعض الشيء من الدين، ومن ذلك:
أ‌- إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال المرتدين بعد مناقشة عمر لأبي بكر وبيانه له، فلم يحصل بينهم في قتالهم خلاف مع أن بعضهم لا زال يقر بالإسلام.
ب‌- قد حرق علي رضي الله عنه الذين غلوا فيه وألهوه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، وقد أنكر عليه ابن عباس الإحراق بالنار- لما جاء عنده عن الرسول منع الإحراق بالنار – لا أصل قتلهم.

3- فقهاء المذاهب يعقدون أبوابًا في أحكام الردة، ولو أن المسلم لا يمكن وقوع الكفر منه لما كانت حاجة إلى عقد تلك الأبواب. وقد ذكروا في تلك الأبواب ما هو أقل بكثير مما نحن فيه.
4- قد وردت آيات تدل على ارتداد من ارتكب بعض الكفريات، مع كونهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاهدون معه ويقاتلون الكفار، قال تعالى: ]يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ[، وقال سبحانه: ]وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ[. وهؤلاء كانوا مع رسول الله r في غزوة تبوك، فلو كان مجرد الشهادتين يمنع الحكم بالكفر لما كفَّرهم، وحكم بأنهم كفروا بعد إيمانهم.

5- كما أنه قد وردت آيات أُخر تُبيّن أن من أشرك يبطل عمله، حتى ولو كان من الأنبياء والمرسلين مع أن الله عز وجل عصمهم، فكيف بغيرهم؟ قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: ]وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[، ]وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[.

6- الأنبياء والرسل الكرام وجلة الصالحين كانوا يخافون على أنفسهم الشرك، ولو كان مجرد النطق بالشهادتين يكفي ولا يضر الإتيان بما يناقض ذلك لما خافوا على أنفسهم من الشرك. قال إبراهيم عليه السلام: ]وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ[. وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الشرك، وقال إنه أخفى في أمته من دبيب النمل على الصخرة الصماء في ليلة ظلماء.
7- يُقال أيضًا: إن الجامع بين المشركين من الأولين والآخرين موجود وهو الشرك، فالحكم في ذلك واحد لا فرق فيه؛ لعدم الفارق ووجود الجامع. وفي أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: كل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها إلى غيرها.

وهذا باطل، وتعطيل لجريان الأحكام الشرعية على جميع البرية؛ لأنه يلزم من اعتقاد أن الآيات لا تشمل إلا المشركين الأوائل الذين نزلت فيهم أنها لا حكم لها الآن، فالذي يجب على الإنسان إذا قرأ القرآن أن لا يحسب أن المخاصمة كانت مع قوم انقرضوا، بل الواقع أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم بطريق الأنموذج. بحكم الحديث: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة...».

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في الرد على مثل هذه الشبهة: (إن من منع تنزيل القرآن، وما دلَّ عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قرنًا بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلاً للقرآن، وهجرًا له وعزلاً عن الاستدلال به في موارد النزاع. فنصوص القرآن وأحكامه عامة لا خاصة بخصوص السبب.

وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من الصد عن سبيل الله والكفر به، مع معرفته؟).
ويقول «ابن سحمان»: (فمن فعل كما فعل المشركون من الشرك بالله، بصرف خالص حقه لغير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله، واستغاث بهم كما يستغيث بالله، وطلب منهم ما لا يُطلب إلا من الله، فما المانع من تنزيل الآيات على من فعل كما فعل المشركون، وتكفيره، وقد ذكر أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن إذا عميت قلوبهم عن معرفة الحق، وتنزيل ما أنزله الله في حق المشركين على من صنع صنيعهم واحتذا حذوهم فلا حيلة فيه).
وأما احتجاجهم بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله، فيقال: إن الأحاديث تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا أن يتبيّن منه ما يناقض تلك الكلمة، كدعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأولياء وما إلى ذلك.
وقد ثبت في بعض طرق الأحاديث ما يفيد ذلك وهو قوله r في حديث له: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به». فقوله r: «يؤمنوا بي وبما جئت به» يدل على وجوب الإيمان بكل ما جاء به الرسول r، ولا يكفي مجرد الإيمان بالشهادتين فقط.

كما ورد نحوه في حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله».

فدلَّ على اشتراط الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله، وأنه لا يُكتفى بمجرد النطق بلا إله إلا الله.
ويدل لذلك أيضًا: قوله r في الحديث الذي يحتجون به «إلا بحقها» وفي رواية: «إلا بحق الإسلام». وحقها: إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يُفردوا الإلهية والعبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة؛ فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء.

وقد صرَّح بعض العلماء بأن حديث الأمر بالكف بالإقرار بالشهادة خاص بمشركي العرب، وأمَّا من كان يُقرُّ بالتوحيد كاليهود فلا يُكتفى بقوله: لا إله إلا الله؛ لأنها من اعتقاده، فلا بد من إيمانه بجميع ما جاء به الرسول r.
ثم من المعروف إن لكلمة (لا إله إلا الله) شروطًا لصحتها، فليس كل من قال: لا إله إلا الله يكون إيمانه صحيحًا، بل لا بد من مراعاة الشروط فيها، فقد سُئل بعض السلف: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: نعم، ولكن للمفتاح أسنان – وذكر أشياء، ثم قال:ـ كما أنه لا يفتح بالمفتاح الذي لا أسنان له، هكذا مجرد النطق بالكلمة لا تُجدي ولا تنفع.
فاتضح بما سبق: أن كلمة الشهادتين وإقامة الصلاة.. إلخ إنما يفيد من التزم بمقتضى ذلك، ولم يأتِ بما يناقضه، وأمَّا مَن لم يلتزم بذلك وأتى بالنواقض فلا يمنعه.

هذا، وقد أعرضتُ عن شبهات أخرى يتشبث بها المتصوفة القبورية، كالاحتجاج بالأحاديث الموضوعية والمنامات والإلهامات – إذ يكفي أن يقال عنها كلها: إنها مردودة – فأمَّا الأحاديث الموضوعة فمردودة مطلقًا، وأما المنامات والإلهامات فإنه لا يثبت بها شرع مطلقًا، ولا تُقبل إلا إذا جاءت موافقة للشرع، والأمر فيه كما في مراقي السعود:
وينبذ الإلهــام بالعــراء **** أعني به إلهام الأوليـــاء
قال شارحه عن الإلهام: (وليس بحجة؛ لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان فيها).
وقال: (وكذا من رأى النبي r في النوم يأمره وينهاه لا يجوز اعتماده...؛ لعدم ضبط الرائي).
( المرجع : رسالة : الشرك في القديم والحديث ، أبوبكر محمد زكريا ، 3 / 1268-1274) .