المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قالو إن تقسيم التوحيد غير معروف لأحد قبل ابن تيمية، بل هو الذي اخترعه قلنا لهم



سلفي بكل فخر
02-15-2005, 11:36 AM
الرد عليها: هذه الشبهة تدل على قصور علمهم وقلة خبرتهم ومعرفتهم بكتب السلف الصالح؛ إذ هي مليئة بالتصريح تارةً وبالإشارة تارةً إلى هذه الأقسام، ولو ذهبت أنقل كل ما في ذلك لطال المقام، ولكن حسبي ما أوردت بعض النقول من النصوص المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة لبعض الأئمة الذين كانوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ليظهر كذب من يتهم شيخ الإسلام بهذه التهمة حيث أوردت قول كل من الإمام ابن بطة، وابن منده، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وابن جرير الطبري وغيرهم ـ رحمهم الله ـ.

إشكــال:

فإن قيل: إن كثيرًا من العلماء – الذين صنفوا في علم الكلام (من المتكلمين) قد أعرضوا عن بيان هذه الأقسام للتوحيد، بل أغلبهم بذلوا جهودهم في إثبات الجزء الأول من التوحيد، ولم يتعرضوا للأجزاء الأخرى، فهل هناك سبب معين في إعراضهم عن ذكر توحيد الألوهية؟ وهل هذا ناتج عن عدم فهمهم للآيات القرآنية والسنة الصحيحة، وهل كان الجميع – متقدموهم ومتأخروهم – بمعزل تام عن معرفة هذا الجزء من التوحيد؟

دفع الإشكال: لا، بالتأكيد، بل لعل المتقدمين كانوا يعرفون هذا الجزء – وإنما لم يصنفوا تصانيف مستقلة بالبحث عن حقيقة توحيد الألوهية وما يضاده من الشرك ومظاهره وذرائعه ووسائله؛ لأنه لم يظهر ما ظهر عن المتأخرين من جماهير الطوائف.

والذي يؤكد هذه الحقيقة – أن علماء أهل السنة والجماعة الذين تصدوا للرد على الأشعرية وغيرهم لم يذكروا – فيما أعلم – مسائل توحيد الألوهية فيما خالف فيه أولئك، فلو كان عندهم شيء مخالف لذكروه ولردوا عليه.

وبالجملة: فهذا يؤكد أن المتقدمين من الطوائف وقدماء الأشاعرة والماتريدية لم يكونوا ينازعون في أن الاستعاذة بغير الله لا تجوز، وكذلك الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله والحلف وغير ذلك، كما ينازع المتأخرون منهم والمتصوفة المنبثقة من المتكلمين، ويفهم هذا من وجهين:

الأول: تنصيص بعض المتقدمين من الأشاعرة على توحيد الألوهية، ومن ذلك:

أ- ما قاله الباقلاني: والتوحيد له هو (الإقرار بأنه ثابت موجود وإله واحد فرد معبود ليس كمثله شيء)، وقال أيضًا: (إنه ليس معه إله سواه ولا من يستحق العبادة إلا إياه).

وممن صرح به من المتأخرين: الباجوري حيث قال معرفًا للتوحيد: (هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتًا، وصفاتًا، وأفعالاً)، فهذا التعريف – مع ملاحظة الإجمال فيه في الأسماء والصفات- شامل لجميع مدلولات التوحيد.

ب‌-وأيضًا مما يؤكد أن المتقدمين منهم كانوا يعرفون ما يجهله كثير من متأخريهم في هذا الزمان من أن الدعاء والرغبة والرهبة والخوف لا يكون إلا لله ومن الله، ما ورد من أقوالهم في ذلك وتحذيرهم عن بعض صور الشرك وذرائعه، منها:

1- ما قال الحليمي: (والدعاء [في] الجملة من جملة التخشع والتذلل؛ لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز اسمه؛ ولذلك قال الله عز وجل: }ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ{، فأبان [أن] الدعاء عبادة، والخائف فيما وصفنا كالراجي؛ لأنه إذا خاف خشع وذلَّ لمن يخافه وتضرع إليه في طلب التجاوز عنه).

وقال أيضًا: (إنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله جل جلاله، إذ كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحدًا من دونه نفعًا ولا ضرًا).

2- قال الرازي: (قال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم مقامات العبودية، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل…) فذكرها.

وقال أيضًا: إنه عليه السلام قال: »الدعاء هو العبادة « … فقوله: » الدعاء هو العبادة « معناه: معظم العبادة وأفضل العبادة).

وقال أيضًا: (كل من اتخذ لله شريكًا فإنه لا بد وأن يكون مقدمًا على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه إما طلبًا لنفعه أو هربًا من ضرره، وأما الذين أصروا على التوحيد وأبطلوا القول بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا الله ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان رجاؤهم من الله وخوفهم ورغبتهم في الله ورهبتهم من الله، فلا جرم لم يعبدوا إلا الله ولم يستعينوا إلا بالله؛ فلهذا قالوا: } إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ { قائمًا مقام: لا إله إلا الله).

فهذه الأقوال فيها رد على زعم كثير من المتأخرين الذين يجيزون دعاء غير الله مطلقًا، وعلى قولهم: إن ذلك لا يكون شركًا إلا إذا اعتقد الداعي التأثير في المدعو من غير الله.

الوجه الثاني: الذي يدل أيضًا على أن أمر توحيد الألوهية كان معروفًا لدى بعض منهم، أنه لما حدثت بعض ذرائع الشرك ومظاهره في توحيد الألوهية عند بعض المسلمين أنكر بعض أئمة المتكلمين ذلك، ومن هؤلاء:

1- الرازي: في تفسير قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) نقل في بيان كيفية اتخاذ المشركين آلهتهم شفعاء اختلاف العلماء في ذلك: ستة أقوال، فذكر بعد الثلاثة الأولى قوله: (ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء عند الله).

2- قول أبي شامة: (قد عمَّ الابتلاء – أي النبذ للشريعة – من تزيين الشيطان العامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك: أنه رأي في منامه بها أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسنته، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمون بها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر… فما أشبهها بذات أنواط الوارد في الحديث ) .