المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قالوا فى فى حديث الضرير رضي الله عنه دليل على جواز التوسل قلنا لهم



سلفي بكل فخر
01-27-2005, 12:49 PM
أخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: " إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير "، وفي رواية: " وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك " ، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ ]وشفّعني فيه[". قال: ففعل الرجل فبرأ .

يرى المخالفون: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي صلى الله عليه وسلمعلم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيراً.

وأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:

أولاً: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له، وذلك قوله: (أدعُ الله أن يعافيني) فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه صلى الله عليه وسلم، لأنه يعلم أن دعاءه صلى الله عليه وسلم أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلاً:

(اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني، وتجعلني بصيراً). ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم الموسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.

ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهو خير لك ". وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – فصبر، عوضته منهما الجنة " .

ثالثاً: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له، لأنه صلى الله عليه وسلم خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه صلى الله عليه وسلم دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ كما سبق.

وهكذا فلم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها طاعة لله سبحانه وتعالى وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملاً من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء – كما هو ظاهر – وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.

رابعاً: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه أن يقول: ( اللهم فشفعه في ) وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم في، أي اقبل دعاءه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمراً، فيكون أحدهما شفيعاً للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره، قال في "لسان العرب" (8/184): (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال بشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه).

فثبت بهذا الوجه أيضاً أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم لا بذاته.

خامساً: إن مما علم النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى أن يقوله: ( وشفعني فيه ) أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا المعنى الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.

ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأعمى مفهمومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول صلى الله عليه وسلم كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحداً منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلاً: اللهم شفع فيَّ نبيك، وشفعني فيه.

سادساً: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه صلى الله عليه وسلم لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في "دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤيده كل من دعا به من العميان مخلصاً إليه تعالى، منيباً إليه قد عوفي، بل على الأقل لعوفي واحد منهم، وهذا ما لم يكن ولعله لا يكون أبداً.

كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه صلى الله عليه وسلم، بل ويضمون إليه أحياناً جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة، والإنس والجن أجمعين! ولم نعلم ولا نظن أحداً قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إلى اليوم.

إذا تبين للقارىء الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم) إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [يوسف:82] أي أهل القرية وأصحاب العير. ونحن والمخالفون متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (جاه) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (ذات) ـك أو (مكانت) ـك إلى ربي كما يزعمون، وإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (دعاء) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (دعاء) ـك إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح احد التقديرين من دليل يدل عليه. فأما تقديرهم (بجاهه) فليس لهم عليه دليل لا من هذا الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام ولا سباقه تصريح أو إشارة لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقاً، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فيبقى تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الاعتبار، والحمد لله.

أما تقديرنا فيقوم عليه أدلة كثيرة، تقدمت في الوجوه السابقة.

وثمة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلاً لقوله فيما بعد: (اللهم فشفعه في، وشفعني فيه) وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله.

على أنني أقول: لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته صلى الله عليه وسلم، فيكون حكماً خاصاً به صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح، لأنه صلى الله عليه وسلم سيدهم وأفضلهم جميعاً، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله، فعليه أن يقف عنده، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى. هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف، والله الموفق للصواب.

المقتدي بالسلف
01-27-2005, 02:47 PM
الله أكبر

ما أحسن ما سطرتَ يا أخي

بارك الله فيك

و جعله في ميزان حسناتك

و نسال الله أن ينفع به من ضل سواء السبيل

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

عبد الله الصوفى
06-13-2010, 10:20 AM
أعلم أخى أن دعاء الأعمى كان بإنى أتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمه ( صلى الله عليه وسلم ) وهذا عين التوسل بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أما قولك بأن المخالفون يرو فى الحديث دليل على جواز التوسل أقول من المخالفين ؟
هل السلف الذين نقل عنهم ابن تيميه فى الفتاوى / ج 1 / ص 264 : روى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ ( مُجَابِي الدُّعَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ سَمِعْت كَثِيرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ رِفَاعَةَ يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبْجَرَ فَجَسَّ بَطْنَهُ فَقَالَ : بِك دَاءٌ لَا يَبْرَأُ . قَالَ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : الدُّبَيْلَةُ . قَالَ فَتَحَوَّلَ الرَّجُلُ فَقَالَ : اللَّهَ اللَّهَ اللَّهَ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا اللَّهُمَّ إنِّي أَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّك وَرَبِّي يَرْحَمُنِي مِمَّا بِي . قَالَ فَجَسَّ بَطْنَهُ فَقَالَ : قَدْ بَرِئْت مَا بِك عِلَّةٌ . قُلْت : فَهَذَا الدُّعَاءُ وَنَحْوُهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ دَعَا بِهِ السَّلَفُ
أم الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه الذى نقل ابن تيميه عنه فى نفس المرجع السابق :وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مَنْسَكِ المروذي التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّعَاءِ وَنَهَى عَنْهُ آخَرُونَ .
أم الامام سلطان العز بن عبد السلام الذى نقل فى الفتاوى القول : وَرَأَيْت فِي فَتَاوِي الْفَقِيهِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَوَسَّلَ إلَى اللَّهِ بِأَحَدِ مِنْ خَلْقِهِ إلَّا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ صَحَّ حَدِيثُ الْأَعْمَى

محمدجمال حسين
06-18-2010, 02:41 AM
حديث توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم

قالوا : قد توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد " ثم نشأت الشبهة عندهم فقالوا : لو كان التوسل بالدعاء لما قال الأعمى " أسألك اللهم بنبيك " ولقال " أسألك اللهم بدعاء نبيك " فلماذا تضيفون ما لم ترد إضافته ؟
والجواب : أنه إذا كان الثابت توسلهم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين كان حياً وتوقفهم عن التوسل به إلى التوسل بدعاء غيره من بعده : فلا يعود ثم حاجة إلى تقدير مضاف لأن معنى التوسل والاستشفاع في عرف الصحابة ولسانهم هو التوسل بالدعاء لا بالذات والجاه ، ومن كان عنده ما يثبت توسلهم بالذات فليأت به .
• أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي تعلمنا منه هذه الإضافة حين قال " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها : بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم " ( ) وعلّمنا أن الدعاء هو المقصود حين قال له " إن شئت دعوتُ لك " فقال الرجل " بل أدعه " ولكن المصرين على التوسل بالذوات لا يتعلمون وإنما يتجاهلون .
وتوسل الأعمى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم هو أمرٌ مشروع لتوافر الأدلة عليه . ولابد من الوقوف في قصة الأعمى على فوائد مهمة :
• أن الأعمى ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليطلب منه الدعاء ولو كان التوسل بالذات مشروعاً لم يكن ثمة حاجة للذهاب إليه إذ كان يكفيه أن يتوسل به من غير أن يذهب إليه . فيقول ( اللهم أسألك بنبيك " لكنه ذهب وطلب منه أن يدعو له .
• أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده بالدعاء له فقال " إن شئتَ دعوتُ لك " فألحّ عليه الأعمى بالدعاء قائلاً " بل أدعُه ". وهذا وعد من الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعاء للأعمى ، علّقه على مشيئته ، وقد شاءه الأعمى بقوله (بل أدعه) ويقتضي أنه دعا صلى الله عليه وسلم له , وهو خير من وفّى بما وعد ، يؤكد ذلك أيضاً قول الأعمى في دعائه الذي علمه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو به " اللهم فشفعه فِيّ " أي اقبل دعاءه فيّ . والشفاعة معناها الدعاء كما قال في لسان العرب " الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ، والشافع : الطالب لغيره ، يتشفع به إلى المطلوب ، يقال : تشفعتُ بفلان إلى فلان " . وبهذا يثبت أن الأمر كان يدور على دعائه صلى الله عليه وسلم أو جاهه .
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتقرب إلى الله بعدة وسائل منها التوسل إليه بالعمل الصالح وهو " إحسان الوضوء" " وإتيان ركعتين " يدعو الله عقبهما أن يستجيب دعاءه في أن يقبل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له . وهذا هو معنى قوله " وشفعني فيه " أي أدعوك أن تتقبل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لي .
• وهذه العبارة لا يفقهها الحبشي وأمثاله ، بل لا يريدون أن يفقهوها لأنها تنسف بنيانهم من القواعد وتكشف أن التوسل كان بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وبالعمل الصالح لا بذات النبي صلى الله عليه وسلم . فإن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى مفهومة عندهم ولكن ما معنى شفاعة الأعمى للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال " وشفعني فيه " ؟ علما بأن معنى الشفاعة في اللغة : الدعاء . إن معناها " اللهم اقبل دعائي في استجابة دعاء نبيك صلى الله عليه وسلم لي . ولا يمكن لأحد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول " اللهم اقبل شفاعته في " فهذا مذهب باطل لا يزعم أحد أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حصل له وهو في قبره .
• فاللغة والشرع يشهدان بصحة ذلك . ولكن ماذا نفعل في أناس تجنوا على اللغة والشرع ؟
ولنتأمل هذين الحديثين : فعن أنس وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه " وفي رواية ابن عباس "ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) فمعنى شفعهم الله فيه أي قبل دعاءهم له . فيصير معنى " شفعني فيه " أي اقبل دعائي بأن تستجيب دعاءه .
• أن علماء الحديث كالبيهقي ذكروا هذه الحادثة ضمن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهو السر في حصول هذه المعجزة التي لم نسمع بعد موته صلى الله عليه وسلم مثلها بين الصحابة ولا بعدهم إلى يومنا هذا . السر هو دعاءه صلى الله عليه وسلم .
• أن من الصحابة من أصيبوا بالعمى بعد مماته صلى الله عليه وسلم كابن عباس وابن عمر، ولم يُعهد أنهم استعملوا هذا الدعاء ، بل تركوا التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوسلوا بدعاء العباس وغيره . وليس ثمة تفسير لذلك إلا افتقاد شرط دعائه صلى الله عليه وسلم وإلا فجاهه عند الله عظيم حيا وميتا .
هكذا فهم الصحابة التوسل : تركوا التوسل به إجماعا كما في قصة عمر يوم أجدبوا وسألوا الله بدعاء عمه العباس . فالثابت المروي عن جماعتهم في ترك التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد موته أصح سندا مما نقل عن فعل أحد أفرادهم مما يعارض ذلك .
وكل هذه المعاني التي ذكرت دالة على وجود شفاعته بذلك ، وهو دعاؤه صلى الله عليه وسلم له أن يكشف عاهته ، وليس ذلك بمحظور ، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء بل هو نداء ، والدعاء أخص من النداء ، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقا بل على معنى أنهم وسائل لله سبحانه بذواتهم ، وأما كونهم وسائل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله عز وجل بذواتهم فسأل منهم الشفاعة للتقريب إليهم ، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون " ( ).
• أن قوله " يا محمد إني توجهت بك إلى ربي " أي أتوجه بدعائك الذي وعدتني به حين قلت " إن شئت دعوت لك ". وهذا ما فعله الرجل فإنه توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يدعو له .
• فهو يُشهِد الله أنه توجه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ليسأل الله له وكأنه يقدم هذه الشهادةَ بين يدي سؤاله ربه ومثل هذا كثير في الدعاء كقوله تعالى { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا } وتقديم أصحاب الغار عملهم الصالح بين يدي دعائهم لله
وهذا التوجه هو حكاية حال ، يحكي فيه أنه توجه وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فطلب منه أن يدعو ربه . ولم يسأله في غيابه كما يفعل أهل البدع .
• وهؤلاء يفهمون من قوله صلى الله عليه وسلم " ائت الميضأة " وكأن معناه عندهم ، اذهب إلى بيتك . ولم لا تكون الميضأة قريبة منه صلى الله عليه وسلم كما يفهم من سياق الرواية ، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر وصلى ثم دعا بهذا الدعاء ؟!
• وبتقدير أن يكون كلامه من بعيد . فيكون التوجه خطاباً لحاضر في قلبه وليس استغاثة كما نقول في صلواتنا (السلام عليك أيها النبي) وكما يقول أحدنا اليوم (بأبي أنت وأمي يا رسول الله). وكما قالت فاطمة حـين مـات ( واأبتاه : أجاب رباً دعاه " . ودليل ذلك قوله في نهاية الدعاء (اللهم فشفّعه فِيّ ) أي اقبل دعاءه في .
• فأما التوجه الذي يفهمه الأحباش أي التوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة قبره بعد موته كما علمهم محمد بن حسن الصيادي الرفاعي أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته ( ). فهذا من سنن النصارى.
• أما سنة نبينا فقد كان صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه ويسأل الله وحده ، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي (والدعاء صلاة) ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " . فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية ، ودعوتكم الناس إلى التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء هو ملة الشرك.
فإنه توجه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ما حدث حقاً فقد توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له فوعده بذلك . ولذلك قال في آخر دعائه " اللهم فشفعه في " أي اللهم اقبل دعاءه فِيّ .
• والرجل يحكي ما فعله وليس في صيغة كلامه ما يستدل به على جواز قول المشركين ( شيء لله يا رسول الله ) وقول المالكي : فبالذي خصك بين الـورى برتبة عنها العــلا تنزل
عجل بإذهاب الذي أشتـكي فإن توقفت فمن ذا أسـأل
والدليل على ذلك أن ننظر : ماذا قال الأعمى بعد قوله ( يا محمد ) ؟ هل قال : أغثني أعد إلي بصري ؟
نعم , لقد قال (يا محمد) لكنه لم يسأله ، وأنتم إذا قلتم (يا محمد) تقولون : أغثنا أمدنا بإمدادك ، تعطف تكرم تحنن علينا بنظرة …
فإن كان سأله بعد قوله (يا محمد) فقد قامت حجتكم ، وإن كان لم يسأله فقد قامت الحجة عليكم . فالحديث حجة عليكم لا لكم .
وليس كل خطاب لغير الحاضر استغاثة به ، وإلا فقد خاطب عمر بن الخطاب الحجر الأسود قائلاً "والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك " ( ) .

صوفي ضرير يحتج بحديث الضرير
ومن الطريف أن شيخاً صوفياً ضريراً (نقشبندياً) كان يحتج علي بحديث الأعمى ، فقلت له : وأنت ألست أعمى ؟ قال : بلى ، قلت له فهل دعوت بهذا الدعاء ؟ قال : دعوت ولم يستجب لي ، لأن إيماني ضعيف . فقلت له : ليس هذا هو السبب ، بل لأن الشرط الذي تتجاهلونه (وهو الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ) غير متحقق بعد موته . وقد خير الأعمى- حين كان حياً - بين أن يدعو له أو أن يصبر وله الجنة ولكن : كيف يمكن تخييرك ؟

موسوعة أهل السنة
في نقد أصول فرقة الأحباش
ومن وافقهم في أصولهم

تأليف
عبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية
http://www.4shared.com/file/91680138/2adf8bf0/____-__.html