المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 3 أمور من أصول الإختلاف بيننا و بين الصوفية ؟ مقال رائع أنصحكم بقراءته



المقتدي بالسلف
01-26-2005, 05:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني الكرام

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده . اما بعد

أضع بين يدي إخوني الأعزاء هذا المقال الرائع بحق ، و الذي يتحدث عن مسائل هامة هي من أصول الدين التي خالف الصوفية كثيراً منها ، و الذي ينظر بعين الإنصاف يجد أن للصوفية عظيم الأثر في ضعف كيان هذه الأمة ، فقد نشروا كثيراً من العقائد الفاسدة بين المسلمين ، و لبّسوا على كثير من العوام و خدعوهم بمظاهرهم الخارجية و أعمالهم .
و الحديث عن الصوفية يطول ، لذلك إليكم هذا المقال الرائع و هو بعنوان :

أضواء إسلامية على بعض الأفكار الخاطئة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد: فإن من أغرب الأمور وأعجبها وأشدها وقعا على قلب كل مؤمن واع وأشدها حيرة لعقله وأذهبها للبّه ما وقع فيه كثير من المنتسبين للإسلام من ضلال بعيد في الفكر وانحراف خطير في المعتقد وانحدار فيه إلى مستوى من الجاهلية لم تبلغه أيّ جاهلية مضت على مدار التاريخ.

صحيح أن المشركين في كل جاهلية قد عبدوا الطواغيت والأوثان من دون الله واستكبروا في الأرض وكذبوا الرسل وعاندوهم أشد العناد والمكابرة.
غير أن احتجاجهم لشركهم وتعصبهم لوثنيتهم ما كان يتجاوز أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى ((الزمر)) وأن هذا أمر اعتادوه وألفوه وورثوه عن آبائهم كما يقص علينا القرآن وهو أصدق حديث عرفته البشرية {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} الزخرف.
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}.

فأنت ترى أنهم لا يبالغون ولا يهولون في تمجيد آلهتهم ولا يتجاوزون الواقع الذي كان عليه معبوداتهم من أنها لا تسمع دعاءهم ولا تجلب لهم نفعا ولا تدفع عنهم ضرا كل ما في الأمر أنهم قلدوا آباءهم في أمر وجدوهم عليه وتراث يريدون الحفاظ عليه.

وإذا قرأت تاريخ الجاهلية ترى تعلق كثير منهم بمعبوداتهم فيه ضرب من الاستخفاف فالرجل يحمل حجرا معه ليعبده فإذا وجد حجرا أجمل منه رمى حجره الأول واتخذ الأخير معبوده الجديد ويتخذ الرجل معبوده يصنعه من التمر فإذا مسه الجوع أكله بدون تردد أو وجل.
وكانوا إذا ركبوافي الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ناسين آلهتهم لأن ثقتهم فيها ضعيفة متجهين إلى الله الذي بيده النفع والضر والإنقاد من الشدائد.

إن مثل هذا الكلام والأسلوب يزعج كثيرا من الناس ويثيرهم وأكثر ما يزعج أولئك الصيادين الذين اتخذوا من سدانة القبور ومن كرامات الأولياء شبكات لاصطياد الأغمار والبله والمغفلين قارن بين واقع المشركين الأولين الذي قصه الله علينا وهو أصدق القائلين وبين عقائد هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام.

قارن بين ما تراه من أفعالهم وما تسمع من أقوالهم وما تقرؤه من كتبهم في كرامات الأولياء ومراتبهم من أن هناك أقطابا وأوتادا وغوثا و. . . و. . .الخ.
وما لهم من خوارق العادات ومن تصرفات في شؤون الكون واطلاع على الغيوب تر العقائد الوثنية الأولى أقل جهلا وغلوا من عقائد هؤلاء المتأخرين، إنا نقول لهؤلاء كما قال تعالى لأهل الكتاب _ لأن هؤلاء _ يزعمون أنهم أهل القرآن فنقول {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ}.
ونقول لعلمائهم إن كان فيهم علماء.
{لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

تعالوا نحتكم إلى القرآن الحكيم الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} كما أمرنا الله {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
وإلى السنة المطهرة قول الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ولا تكونوا كالذين قال الله فيهم {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} فإن صددتم فاسمعوا قول الله {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.

وإن كنتم على استعداد للتحاكم إلى الرسول كما أمر الله بذلك فهنا بعض المسائل نحب أن يركز الكلام عليها وأن يدور الحديث حولها وليس عليكم إلا أن تتحلوا بالإنصاف وتتجردوا من التعصب وتقبلوا بعقولكم وقلوبكم وتصغوا بآذانكم بجد إقبال من يريد الحق وعلى ضوء مناقشة تلك المسائل بالأدلة من الكتاب والسنة ستبين لكم الحق من الباطل

وإليكم ما نريد مناقشته:

1_ دعاء غير الله من الموتى والغائبين والاستغاثة بهم.

2_ إدعاء أن غير الله يعلم الغيب سواءا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والأولياء.

3_ إدعاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بشرا.


(المسألة الأولى _ وهي دعاء غير الله)


نريد أن نعرف حقيقة الدعاء لغة وشرعا.

1_ قال في الصحاح دعوت فلانا صحت به واستدعيته ودعوت الله له وعليه.

2_ وقال في القاموس الدعاء الرغبة إلى الله.

3_ وقال في المصباح دعوت الله أدعوه دعاء ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير ودعوت زيدا ناديته وطلبت إقباله.

4_ وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "والدعاء الطلب والدعاء إلى الشيء الحث على فعله ودعوت فلانا سألته ودعوته إستغثته".

فالدعاء إذا استدعاء ورغبة ونداء وابتهال بالسؤال واستغاثة والذي يدعو الله راغب إليه ومنادٍ له ومبتهل وسائل له ومستغيث به والداعي لغير الله من ميت وغائب كذلك.

(حقيقة الدعاء في القرآن)

1_ قال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} آل عمران.
2_ وقال تعالى عن زكريا أيضا: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً}.
فالدعاء المذكور في آل عمران سمّاه هنا نداء وفسر النداء في سورة مريم بطلب الولد.

حقيقة الدعاء في السنة:

1_ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله سبحانه لا يتعاظمه شيء أعطاه".
فسمى ما يطلبه العبد من ربه دعاء ومسألة رغبة وهو موافق لأقوال أئمة اللغة.

2- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي" متفق عليه وأخرجه الترمذي.

3_ وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم فليعزم الدعاء ولا يقل اللهم إن شئت فأعطي فإن الله لا مستكره له" متفق عليه.

والأحاديث ومؤلفات العلماء وتراجمهم في الدعاء شيء لا يأتي عليه العد بل عوام الناس إذا ذكر لفظ الدعاء لا يتبادر إلى أذهانهم إلا هذه الحقيقة وهي النداء والسؤال والطلب.
إذا تقررت وفهمت حقيقة الدعاء على ضوء الكتاب والسنة واللغة العربية وواقع الناس فالله تعالى قد أمرنا بدعائه ونهانا أشد النهي عن دعاء غيره.
قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.

أمرنا الله بدعائه وعلمنا آداب الدعاء التي يرجى من ورائها الإجابة وهي:
1_ التضرع
2_ الخفية
3_ الخوف
4_ الطمع.

وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.

فهنا ندب تبارك وتعالى عباده إلى دعائه وأخبر أن المستكبرين عن دعائه مستكبرون عن عبادته لأن الدعاء أهم أنواع العبادة وأعظمها فالتارك لدعائه استكبارا كافر سيدخل جهنم داخرا أي صاغرا وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبن أبي حاتم عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
قال الترمذي صحيح الإسناد ومعنى الدعاء هو العبادة كما قال العلماء أي جلها ومعظمها كقوله صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة" أي أعظم أركان الحج، وكقوله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة" ولا شك أن الدعاء كذلك ولذا تعبدنا الله به في كل صلاة.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}.

هذه لمحة عن أهمية الدعاء وإشارة خاطفة إلى بعض ما أمرنا به ربنا تعالى من دعائه وحده.

أما دعاء غير الله فقد نهى الله تبارك وتعالى عنه أشد النهي وحكم على فاعله بالضلال وضرب فيه الأمثال وأبدى فيه وأعاد وركز عليه تركيزا قويا واعتنى بموضوعه أقوى عناية وأشدها وكيف لا يكون كذلك وهو أعلى أنواع العبادة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة" بعريف الجزءين وهو من طريق القصر المعروفة عند البلاغيين.
ولنشر الآن إلى قليل من كثير مما ورد في القرآن الكريم في هذا الموضوع قال تعالى مخاطبا نبيه الكريم: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ}.
والظلم هنا هو الشرك {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ}.
فهذا نهي صريح للنبي صلى الله عليه وسلم عن دعاء غير الله مهما علت منزلته وارتفعت درجته سواء كان نبيا أو ملكا مقربا، فهذا أكمل المخلوقات وسيد المرسلين والنبيين لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا قال تعالى في سورة الأعراف آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فبديهي أنه لا يملك ذلك لغيره وصرح بهذا المعنى في آيات أُخر قال الله آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً}.
{قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}.
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}.
وقال صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا.
يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا".

فإذا كان أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم كذلك، فغيره أبعد عن ذلك وأبعد، فهذه البيانات الواضحة والتصريحات القوية التي تصدر عن أصدق القائلين الهدف الأصيل منها أن يقطع المؤمن الصادق كل أمل وكل رجاء من غير الله ويتجه بدعائه ورجائه ورغباته وكل مطالبه إلى الله وحده مباشرة.
ولذا قال عقب هذه الآية التي تلوناها عليكم من سورة يونس: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}.
وقال في سورة الأنعام مستعملا الأسلوب نفسه: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

2_ وقال تعالى ضاربا مثلا لحال من يدعو غير الله: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}.
شبهت حال من يدعو غير الله بحال شخص استولت عليه الشياطين فحرفته عن الجادة فهو تائه مضطرب الفكر والعقل ذاهب اللب يتخبط في سيره لا يهتدي لجهة ولا يعرف مقصدا في الوقت الذي يدعي فيه إلى خلاصه والطريق الذي فيه نجاحه وفلاحه فيمعن ويوغل في البعد عن طريق الخلاص والنجاة حتى يلقى هلاكه ومصيره المشئوم.

3_ وقال ضاربا مثلا لخيبة الأمل التي يُمنى بها من يدعو غير الله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ}.
فهل يستجيب ماء بئر في الدنيا لمن وقف على حافته يمد كفيه ويبسطهما إليه ولو كان ملتهب الأحشاء محترق الفؤاد من الظمأ؟

4_ وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}.
وهذا تصوير صحيح لواقع كل مدعو من دون الله وأن من في السموات والأرض لو اجتمعوا لخلق ذرة فضلا عن ذباب لا يستطيعون، ولوقفوا عاجزين وهذا غاية الغايات في العجز، فإذا كان هذا حال المدعوين فلماذا لا يثوب الداعون لهم إلى رشدهم ولذا قال ما قدروا حق قدره إن الله لقوي عزيز، فهو قادر على كل شيء غالب على كل شيء غنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، والواقع أن الذين يستجيزون لأنفسهم دعاء غير الله مضروب لهم ومن جراء فقدان هذا الشعور والإحساس لم يرهفوا أسماعهم لهذا المثل الذي قال الله فيه فاستمعوا له وإلا لكان لهم منه أكبر زاجر وأقوى رادع ولفتحوا أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم على قدرة الله الهائلة التي يصغر أمامها كل شيء فاتجهوا إليه وحده ضارعين وداعين.

5_ وقال تعالى مبينا غناه المطلق وفقر من عداه المطلق وأن المدعوين من دون الله جميعا صفر اليدين مما يتعلق به المشركون بهم الداعون لهم من دون الله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}.
فهذه الآية فيها تحطيم لكل أمل يتعلق به المشركون فالمدعوون من دون الله مع الأسف لا يملكون من هذا الملك الواسع والكون الكبير السموات والأرض مثقال ذرة لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل المشاركة والله غني غنىً مطلقا فليس هو سبحانه وهي متوقفة على إذنه، على أنه لا حظ فيها لهؤلاء المشركين الداعين لغير الله وإنما هي للموحدين فماذا استفاد المشركون؟
النار وبئس القرار، ولا كرامة.

وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}.

فالله تبارك وتعالى يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يتحدى المشركين بأن يشيروا إلى أي نقطة من السموات والأرض قد خلقها آلهتهم ولو مجتمعة أو أي جزئية شاركوا فيها في الخلق والتصرف وهم لا يمكن أن يدعو ذلك فهم معترفون بأن الله وحده المنفرد بخلق الكون والتصرف في شئونه.
فإن توقح متوقح منهم فليت بالبرهان الواضح ولا يمكنه ذلك لا من طريق النقل ولا من طريق العقل وبعد عجزهم الفاضح أمام التحديات فما حكمهم إن أصروا على دعاء غير الله؟
حكمهم أنهم خلق الله إنهم غارقون في ضلال بعيد لأنهم يدعون من لا يملك شيئا في السماوات والأرض لا لنفسه ولا لغيره وقد عجزوا وأفحموا عن إقامة البرهان على شيء من ذلك وهم مع ذلك لا يستجيبون لهم ولو بحت أصواتهم وانقطعت حناجرهم من النداء والهتاف ولو استمروا فيهما إلى يوم القيامة.

والنتيجة المرة أنهم يوم القيامة يبارزونهم ويصارحونهم بالعداء الشديد {وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} إنها لنهاية أليمة ومصير مشئوم وهذا الذي أشرنا إليه قليل من كثير فما يزخر به القرآن من محاربة هذا الاتجاه المخزي فمن أراد أن يعرف الحقيقة فليمط عن وجهه حجاب التعصب الأعمى وليقرأ القرآن ملاحظا ما أشرنا إليه فسيجد الأمر أوضح وأقوى.
يتبع ...

المقتدي بالسلف
01-26-2005, 05:12 PM
المسألة الثانية: وهي ادعاؤهم وزعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثير من الصالحين يعلمون الغيب.


وقبل الخوض في هذه المسألة نبدأ بمقدمة ينكشف بها أن المزاعم الباطلة والافتراءات الكاذبة لا ترفع شيئا من منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من تعظيمه وتوقيره في شيء بل ذلك عدوان على منصبه ومنابذة لشرعه ورسالته.

إن المؤمن الحق يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم البشر وسيد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنه يجب تعظيمه وتوقيره وتعظيم واحترام ما جاء به من قرآن وسنة وأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وهنا نتساءل ما هو البرهان الصحيح العملي الذي يقيمه المؤمن على هذا الحب والتعظيم والتوقير.
والجواب: السديد أن ذلك يكون بطاعته.

1_ والتفاني فيها واتباع ما جاء به بحيث لا يزاحمه في هذه الطاعة وهذا الاتباع الصادق أحد كائنا من كان جاعلا المؤمن نصب عينيه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ }.

2_ ويكون ذلك بحبه الصحيح الذي يفوق حب النفس والوالد والولد والمال والناس أجمعين "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

3_ ويكون ذلك بموافقته في كل أمره فما أحبه رسول الله يحبه وما أبغضه يبغضه.

4_ ويكون ذلك أيضا بتصديقه في كل ما أخبر به تصديقا وإيمانا لا يرقى إليه أدنى شك ولا ريب واتخاذ أخباره قضيا مسلمة لا تقاس ولا توزن بكلام أحد بل أقواله وأفعاله وأخباره وتشريعاته في الميزان الصحيح الحق لأقوال الناس وأعمالهم فما وافقه فهو الحق وما خالفه فهو الباطل سواء كان في مجال الاعتقاد أو التشريع أو الأخلاق أو السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو غيرها من شئون الحياة الدنيا أو الدين.

أما الغلو فيه وإطراؤه مع الاستخفاف بأوامره ونواهيه وتشريعاته وتعاليمه وبغض ما يحبه وحب ما يبغضه وتقديم طاعة الناس والأهواء على طاعته والحيدة والروغان عند أخباره فهذا في الواقع هو العداء السافر أو المقنع فما قيمة تعظيم مزعوم لا ينقاد صاحبه ولا يسلس له قياد إلا فيما يوافق هواه وما يتبعه من مذاهب وتقاليد وعادات، ما قيمة تعظيم أشبه بصراع عنيف مع تعاليمه ومصادمة لا تقف عند حد، فإذا قال افعلوا هذا قيل سمعنا وعصينا وإذا قال اتركوا ذلك قيل لا بد من فعله وإذا أخبر عن أمر أنه كذا وكذا قيل لا بد من وزن هذا الكلام وعرضه على آراء الناس، فإذا قال صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله"، قيل ليس لنا بد من إطرائك والغلو فيك وإذا قال الله لرسوله {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}.
لا يرفع أناس الخبر رأسا ولم يقيموا له وزنا ولم يعيروه أي اهتمام بل قالوا :
( فإن من جودك الدنيا وضرتها = ومن علومك علم اللوح والقلم )

ولنضرب مثلا يتضح به الحب الصحيح من الكاذب هناك زعيم مخلص متفان فيما ينفع أتباعه صادق اللهجة لم يجرب عليه كذب له أتباع فريق منهم سهل الانقياد سريع الاستجابة لا يتلكأ ولا يتلعثم عند أمر أو نهي لا يأمره ذلك الزعيم بأمر إلا بادر وسارع إلى تنفيذه ولا ينهاه عن شيء إلا كان أشد الناس ابتعادا عنه ولا يخبره بخبر إلا أصاب موضع اليقين من قلبه ولا يفعل فعلا إلا أتسم به ورأى أنه القدوة الحسنة.

وفريق آخر يمتاز بالمبالغة والتهويل في تمجيد تمجيد ذلك الرئيس رغم أنه يكره هذه المبالغات وهذا الغلو أشد الكراهية عرف ذلك من أقواله وأفعاله المتواترة وتصريحاته القوية وتعليماته. ومبادؤه قائمة على أساس محاربة هذا اللون من الانحراف والإتيان عليه من القواعد ورغم كل ذلك يصر هذا الفريق على موقفه ويمعن فيه غير أنه بجانب هذا الغلو يمتاز بأسلوب آخر وهو أن أوامر هذا الرئيس وزواجره وتوجيهاته لا يذعن لها هذا الفريق ويروغ عنها روغان الثعلب فإذا قال افعلوا هذا الأمر واتركوا ذاك والأمر الفلاني واقعه كذا قالوا والله يا سيادة الرئيس أمرك هذا لا يوافق مزاجنا وليس عندنا نشاط ولا استعداد لتنفيذه ويمكن إن نفذناه أن نواجه مشاكل لأنه لا يتفق مع رأي فلان ولا يناسب مزاج علان ونهيك ندخله في خبر كان وخبرك فيه سطحية وسذاجة لا بد له من ميزان، وعلى كل حال أحسن رأي عندنا أننا نمدحك ونطريك ولو كان الغلو والإطراء أبغض شيء إليك، ثم ضربوا بتعليماته السديدة وتوجيهاته الرشيدة عرض الحائط فخالفوا أوامره ونواهيه، وحرفوا أخباره وتأولوها كما أملت عليهم أهواؤهم ولم يقفوا عند هذا الحد بل صبوا جام غضبهم على الفريق الطائع المنقاد وأوسعوهم لوما وتجريحا واحتقارا وسخرية ووجهوا إليهم الشتائم والمطاعن ورموهم بالدواهي من المفتريات فأي الفريقين أحق بذلك الزعيم وأقربهم إليه وأحبهم لديه لا يخفى ذلك على المنصف العاقل.

ولنشرع الآن في بيان هذا الموضوع على ضوء الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وواقعهم،

1- قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ‍َ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.
ومعنى الآية واضح كل الوضوح أن علم الغيب أمر مختص بالله جملة وتفصيلا وأن هذا أمر استأثر به لا يشركه فيه غيره كاختصاصه واستئثاره بالربوبية والألوهية وغيرها من صفاته العليا التي انفرد بها واستأثر بها وحده.

2_ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}.

وهذا أمر امتاز به وحده كما امتاز بتصويرنا في الأرحام كما يشاء.

3_ {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} إلى قوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ}.
وهذا تصريح واضح من نبي كريم من أولي العزم بحقيقة ناصعة يوافقه عليها كل نبي ورسول اختاره الله وكل مؤمن هداه الله.

4_ {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ}.
أمر الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يعلن هذه الحقائق الساطعة فليس عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا يقول إنه ملك ولا يخرج عن الطريق الواضح الذي رسمه الله له وهو اتباع الوحي فلا تخفى هذه الأمور الواضحة إلا على من أعمى الله قلبه وطمس بصيرته من المكذبين المعارضين أو من الغلاة المبالغين.

5_ وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ}.
وهذا أمر من الله لنبيه أن يعلن هذه الحقيقة أنه لا يعلم الغيب إنما الغيب لله وحده وقد بلغ رسول الله كما أمره الله ونحن على ذلك من الشاهدين ومن المؤمنين المصدقين لا نمتري في هذه الأخبار الصادقة ولا نشك فيها ولا نحرفها ولا نؤولها.

6_ وقال تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}.
وهذه الإحاطة والشمول لا تنبغي إلا لجلاله الكبير المتعال.
{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.

هذه الآيات التي تلوناها وأضعافها في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تدور على حقيقة واحدة بشتى الأساليب من عموم وشمول وإحاطة وإجمال وتفصيل واستقصاء واستيعاب وقصر وتأكيد مما لا يدع بعض هذه النصوص فضلا عن جميعها أدنى شك في أن الله وحده هو المنفرد بهذا الكمال وأن ادعاء علم الغيب لأحد غير الله سواء رسول الله أو غيره تكذيب وقح لله ولرسوله ولكتابه شاء ذلك أو أباه.

ولنضف إلى ما سبق نصوصا أخرى تخص رسول الله بالذات بنفي علم الغيب عنه زيادة في إقامة الحجة.

1_ {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} سورة الأنعام.

2_ وقال تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
وقد سبقت الإشارة إلى معاني هاتين الآيتين، إلا أننا نلفت النظر هنا إلى أنه يجب أن نفهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنه يوحى إليهم لا يجوز أن يعتقد فيهم أنهم يعلمون الغيب بدليل أنه جمع في آية واحدة بين نفي علم الغيب عنه وإثبات الوحي له إذا فعلم الغيب شيء وكونهم يوحى إليهم شيء آخر ولو جاز أن يعتقد فيهم ذلك لجاز الاعتقاد ونفسه في كل من بلغوه ذلك الوحي وهو في غاية البطلان والضلال.

3_ وقال تعالى معاتبا نبيه صلى الله عليه وسلم: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}.
فسبب هذا العتاب أن بعض الأشخاص استأذنوه صلى الله عليه وسلم في القعود عن الجهاد وقدموا إليه معاذير غير صحيحة ولا واقعة فأذن لهم بناء على تلك الأعذار التي قدموها ظانا صحتها وواقعيتها غير عالم أن الله سيعاتبه في هذا الأمر وإلا لما أقدم عليه وهو أحرص الناس على مرضاة ربه وقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} فهؤلاء المنافقون من سكان المدينة ومن حولها والمنافقون من أهل المدينة بالذات قد مهروا في النفاق لكثرة ممارستهم له حتى أتقنوه وهم ولا شك يشكلون خطرا على رسالته وأصحابه ومع ممارستهم إياه مدة طويلة وفي قلب المدينة إلى تسع سنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلمهم كما قال تعالى:
{ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُم} وقال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ}.
{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً}.
ففي هذه النصوص ما يشفي المؤمن ويقنعه أن علم الغيب مختص بالله وحده وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدعي ذلك وإذا كان كذلك فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وأولى.

ولننتقل إلى رحاب السنة المطهرة.

1_ عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار".
فالحديث صريح أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر والبشر وغريرهم من المخلوقات لا يعلمون الغيب وإنما ذلك لله وحده ولرسول الله يخشى أن يقلب بعض الناس للسنهم وفصاحتهم الحق باطلا والباطل حقا فيقضي رسول الله بنحو ما يسمع لأن بواطن الأمور وسرائر النفوس وخفاياها لا يعلمها إلا الله.

2_ وروى الإمام مسلم عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة رضي الله عنها قالت: يا أبا عائشة ثلاث من تحدث بواحدة منهم فقد أعظم على الله الفرية.
قلت ما هن، قالت من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى.
فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى عليه وسلم فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض" فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
أو لم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}.
قالت: ومن زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}.

ومن زعم أنه يخير بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، فعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وهي أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ترى أن نسبة واحدة من هذه الثلاث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أظم الافتراءات على الله ولنلاحظ كيف استدلت على عدم إمكان رؤيته لربه بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} الآية، لأنها ترى وتعالم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر تنطبق عليه الآية كما تنطبق على غيره من الرسل الكرام لأن الجميع مشتركون في هذا الوصف وهو البشرية وهذا الذي أنكرته عائشة إنما هو الرؤية في الدنيا وأما رؤية الله في الآخرة فهي ثابتة للمؤمنين بالكتاب والسنة فلا تنكرها عائشة رضي الله عنها.
واستدلت على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب بقوله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} وهو استدلال في موضعه وهو عين الحق والصواب الذي لا تشك فيه عائشة ولا غيرها من الصحابة الكرام وجميع المؤمنين ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية كما قالت رضي الله عنها.

3_ وعن ابن عباس رضي الله عنه قال أخبرتني ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أصبح يوما واجما" -أي حزينا كئيبا- فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني أما والله ما أخلفني" قال فظل رسول الله يومه ذلك على ذلك ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا فأمر به فأخرج ثم أخذ بيده ماء مكانه فلما أمسى لقيه جبريل فقال: "لقد كنت وعدتني أن تلقاني" قال: "أجل ولكننا لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة" رواه مسلم.
فجبريل وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في الليل وطبعا يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره فلم يأته لذا أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم واجما ولا يعلم لذلك سببا ولو أن السبب هو الجرو لبادر إلى إخراجه فورا ثم استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك الحل من الكآبة والحزن. يفكر في الأمور التي قد تكون سببا في تأخر جبريل فوقع في نفسه جرو كلب فأمر به فأخرج كما قالت ميمونة.
ثم سأل جبريل عن سبب تأخره لأنه لم يستيقن إلى وقت سؤاله السبب الحقيقي وفي رواية لمسلم عن عائشة يحتمل أن تكون هي هذه الحادثة ويحتمل أن تكون حادثة أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة متى دخل هذا الكلب ههنا؟"
فقالت: "والله ما دريت"، فهذه الحادثة وأمثالها كثير مما يدور في بيته وهو لا يعلمه فيسأله عنه أهله.
فقد تنفد نفقة أهله فلا يعلم بها فيأتيه الضيف فيرسل إلى أهله واحدة واحدة فيقلن والله ما عندنا غير الماء كما روى مسلم فلماذا يحرج أهله بالسؤال وهو خير الناس لأهله وأفضلهم معاشرة ما ذلك؟ إلا أنه لا يعلم الغيب.

4_ ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق استأجر أجيرا يدلهما على الطريق ومن يعلم الغيب لا يلجأ إلى ذلك.

5_ وعن أنس رضي الله عنه: "أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك" فإذا خفي عليه شيء كهذا وأمثاله وإذا مسه مرض أو أذى لا نقول لماذا؟ لأنا نعلم أنه بشر رسول وسنة الله في البشر أنهم مبتلون وأشدهم بلاء الرسل ثم الأمثل فالأمثل كما قال هو صلى الله عليه وسلم.

6_ وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتى بضب محنوذ فأهوى إليه صلى الله عليه وسلم بيده فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل منه فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده" وفي رواية أخرى في مسلم "وكان قلما يقدم إليه طعام حتى يحدث به ويسمى له فأهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الضب فقالت امرأة من النسوة الحضور أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدمتن له قلن هو الضب فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده". والعبرة من الحديث.

1_ أن رسول الله كان يكره الضب ما صرح بذلك غير مرة وفي هذه المناسبة أهوى بيده ليأكل منه لأنه لا يعلم أنه الضب ولما أخبر رفع يده.

2_ اعتقاد أصحابه وأهل بيته أنه لا يعلم الغيب ولهذا كان قلما يقدم إليه طعام حتى يحدث به ويخبر ويسمي له.

3_ قول المرأة أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدمتن له والمخاطب بهذا أهل بيت النبي صلى عليه وسلم ويمكن أن يكون عندهن غيرهن نساء أخر، وفي القوم خالد بن الوليد وابن عباس ولم ينكر هذا أحد منهم لأنه مستقر عندهم أنه لا يعلم الغيب وحاشاهم أن يكونوا غلاة.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يقر على باطل يسمع هذا كل يوم ولم يقل لهم لا حاجة بي إلى أن تخبروني لأني أعلم الغيب والله تبارك وتعالى قد أمر رسوله بأن يستشير أصحابه فقال وشاورهم في الأمر فكان يستشيرهم وأحيانا يميل إلى رأي يكون الصواب في غيره كما في قصة أسرى بدر حيث هوى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس أبي بكر ولم يأخذ برأي عمر فأنزل عليه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ}.
فجاء عمر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يبكيان فقال يا رسول الله ما يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد عرض علي العذاب دون هذه الشجرة للذي عرض على أصحابك".
والشاهد منه أن الصحابة كانوا يدلون بآرائهم إذا استشارهم ولا يقولون لا حاجة إلى رأينا لأنك تعلم الغيب ولننقل كلاما يتمشى مع ما اقتضاه الكتاب والسنة.
وما كان عليه السلف الصالح: قال ابن الهمام في المسايرة في العقائد (ص202) وذكر الحنفية تصريحا بالتفكير باعتقاد أن النبي صلى عليه وسلم يعلم الغيب لمعارضته قوله تعالى {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} هذا الكلام في الكتاب المذكور في خاتمة الفصل التاسع.
يتبع

المقتدي بالسلف
01-26-2005, 05:22 PM
المسألة الثالثة وهي: هل الرسول ليس من البشر


وبقيت ثالثة الأثافي وهي من أغرب الغرائب وأعجبها قولهم: إن رسول الله ليس بشرا وتضليل من يقول إنه بشر وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل فنحن إذا مضطرون إلى أن نسوق الأدلة على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم.

آسفين أشد الأسف على من ينتسب إلى الإسلام ويؤمن بالقرآن والسنة ويصل في الانحطاط الفكري والضلال العقائدي إلى هذا المستوى.

1_ قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
فالآية تنص على أن رسول الله من أنفس المؤمنين قال المفسرون: "إن المراد بقوله من أنفسهم أنه من العرب" وقال آخرون: "إن المراد أنه من البشر" ووجه المنة على التفسير الأول يفقهون عنه ويفهمون ولا يحتاجون إلى ترجمان.
وعلى التفسير الثاني أنهم يأنسون به بجامع البشرية.

2_ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} والشاهد من الآية قوله: {ٌمِنْ أَنْفُسِكُمْ} وتفسيره كالأول و{مِنْ} في الموضعين للتبعيض فهو بعض من البشر.

3_ وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
والأميون هم العرب وقوله منهم أي من الأميين العرب ومن تبعيضية فهو من بعض العرب وواحد منهم فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم النبي العربي الأمي الهاشمي من أشرف العرب وأكرمهم محتدا. ولو كان من عنصر آخر لذكره الله في هذه المقامات.

4_ وقال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} وعشيرة الرجل قبيلته وبنو أبيه الأدنون ولما نزلت عليه هذه الآية صعد على الصفا ونادى يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب اشترِ نفسك من الله لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله لا إني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا وهكذا فهم رسول الله أن عشيرته الأقربين وبني أبيه هم هؤلاء الذين صدع فيهم بهذا الأمر.

5_ وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ} وقومه هم العرب الأميون بالكتاب والسنة وإجماع كل الأمم العرب والعجم.

(إثبات بشرية الرسول من السنة)

وقبل أن نسوق الأدلة من السنة نذكر نسبه صلى الله عليه وسلم فهو محمد بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
فمن يزعم أنه صلى الله عليه وسلم ليس بشرا فماذا يقول في هذا النسب ولماذا جاء عن طريق هؤلاء فهل هؤلاء أيضا غير بشر.

1_ روى مسلم رحمه الله عن واثلة بن الأسقع يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم".

2_ وروى الترمذي عن واثلة بن الأسقع أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واسطفاني من بني هاشم".

3_ وروى الترمذي أيضا عن المطلب بن وداعة قال: جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه سمع شيئا. (أي من الطعن في بني هاشم) فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: "من أنا" فقالوا" أنتَ رسول الله عليك السلام" فقال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم بيتا وخيرهم نفسا"، فهذه الفرق والقبائل والبيوت كلها من البشر ولو كان رسول الله من عنصر آخر لذكره في هذه المناسبات وإنا لنأسف إذ نستنبط أمورا بديهية هي من باب تحصيل الحاصل ولكن ماذا نصنع وقد وجد في الناس من يتلقف أفكارا مسمومة هدامة تدس على المسلمين الهدف منها هدم الإسلام واقتلاع قواعد التوحيد من الأساس يتلقفونها ثم لا تلبث أن تتحول عندهم إلى عقائد راسخة من أعظم أركان الدين فيوالون يعادون من أجلها ويحرفون نصوص القرآن والسنة من أجلها مهما بلغت من الكثرة والوضوح.
وعندما رسخت في نفوسهم هذه الأفكار المدسوسة شوهت نظرهم الصحيح فأصبحوا ينظرون إلى البشرية من الزاوية التي نظر منها المشركون فكان المشركون يتحقرون البشرية ويرون استحالة اجتماع البشرية والرسالة وأن الإنسان لا يمكن أن يرتفع إلى مستوى يؤلهه لتلقي الوحي من الله.

قال تعالى حكاية لموقفهم: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً}.

{ قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}.

{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}.

{ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}

وهؤلاء نظروا من نفس الزاوية إلى البشرية واحتقروها فعز عليهم يكون رسول الله بشرا وتلقفوا أسطورة من نسج خيال أعداء الإسلام أن رسول الله خلق من نور، وهذه الدسيسة تشبه إلى مدى بعيد دسيسة اليهود على النصارى، واليهود أعدى أعداء عيسى عليه السلام فدسوا على أتباعه أنه ابن الله وأنه هو الله لقصد إضلالهم ولا يبعد أن تكون فكرة أن رسول الله ليس بشرا وإنما هو من نور دسيسة من دسائس اليهود والقصد إضلال المسلمين ونحن بحمد الله معشر المؤمنين نرى الإنسان البشر المؤمن العادي أفضل من جميع الأنوار فكيف برسول الله الذي هو أفضل الخلق أجمعين.

قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.

وكل ما في السموات والأرض سخره الله لهذا الإنسان البشر {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

فأنوار الكواكب والشمس والقمر والنار والكهرباء كلها مسخرة لهذا البشر الكريم فالذي يجرد رسول الله من بشريته فقد احتقره من حيث يعزم أنه يكرمه ويجله ثم هذه الأسطورة لا تستطيع أن تثبت أمام نص واحد من القرآن وقد تقدمت لكم النصوص التي تلوناها على مسامعكم، ونضيف إليها الآن ما لا يدع مجالا للشك في الإيمان ببشرية رسول الله المثلى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} فقد أكد بشريته بأقوى أنواع التأكيد فإن القصر من أسباب التأكيد عند البلاغيين ثم زاد ذلك تأكيدا بقوله: {مِثْلُكُمْ} أي مثلنا في الخلق و التكوين له جسم مكون من لحم وعظام وعصب وله شعر وعينان ويدان يبطش بهما ورجلان يمشي بهما، ويأكل كما نأكل ويشرب كما نشرت ويجوع ويمرض وقد تولد بين أبوين هما عبد الله ابن عبد المطلب وآمنة بنت وهب.

وقد تزوج كثيرا من النساء وأنجب أولادا كما يتزوج البشر وينجبون ثم أشار في الآية إلى الميزة التي امتاز بها صلى الله عليه وسلم و هي الوحي فقال : {يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}وهذا هو المضمار الذي لا يباريه فيه أحد والقمة الشاهقة التي بلغها النبي العربي الكريم،وقال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً}.

فـأنتم ترون أن الكفار قد بلغ بهم التعنت أقصى مدى فطلبوا من رسول الله ما لا يدخل تحت قدرة البشر ولا غيرهم من الخلق ولا يقدر عليه إلا الله فلذا أمر الله نبيه أن ينزهه بالتسبيح فقال: {ُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي}ثم بين حقيقة نفسه وواقع أمره بكل صراحة ووضوح فقال:{هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً}وصفان ظاهران أولهما (بشر) وثانيهما (رسول) بأقوى طرق القصر والتأكيد لأن هل هنا استفهام بمعنى (ما)النافية والنفي وإلا أقوى طرق القصر والتأكيد والقص هنا حقيقي بمعنى أنه لا يتجاوز البشرية والرسالة إلى غيرهما فالبشرية تستلزم كل خصائص البشرية والرسالة تستلزم كل مقومات الرسالة وخصائصها، وقال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} الآية وقال تعالى في سورة (ص).

{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} فقال رجل منهم وقال منذر منهم فبأي حديث بعد الله وآياته نؤمن.

وإليكم الآن أقواله الصدقة الواضحة الصريحة الصحيحة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا فلما سلم قيل له: "يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء" قال: "وما ذاك" قالوا: "صليت كذا وكذا" فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم فلما أقبل علينا بوجهه قال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتك به ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني" رواه البخاري.
وانظر فتح الباري ج1 ص503.

وهذا موافق للآيات الكريمة من ناحية القصر والتأكيد وذكر المماثلة في البشرية وزاد أمرا آخر من لوازم الطبيعة البشرية فقال: "أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني".

وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار". رواه الجماعة.

وهذا الحديث يوافق الآيات والحديث السابق في استخدام الطريق نفسه والأسلوب عينه وفيه بالإضافة إلى إثبات بشريته نفي علم الغيب عنه وقد تقدم لنا في بحث المسألة الثانية أن عائشة رضي الله عنها استدلت على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرَ ربه بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} رواه مسلم

وعائشة رضي الله عنها أعلم الناس به فلو كان رسول الله غير بشر لقال لها أنا لست بشرا ولأخبرتنا بذلك ولكنا نراها تحتج على عدم رؤيته لربه ببشريته وأن الآية تنطبق عليه والصحابة الكرام كانوا يعلمون أنه بشر وهو يؤكد لهم هذه الحقيقة وهم قد بلغوها إلى التابعين ومن بعدهم يتداولون هذه الحقيقة مؤمنين بها من أعماق القلوب كإيمانهم برسالته .

وهكذا نقف على هذه الحقائق الثلاث واضحة جليه على ضوء الكتاب والسنة تولى الله بيانها على أبلغ وجوه البيان بشتى الطرق كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك وليس بعد الحق إلا الضلال وما بعد بيان الله ورسول الله بيان فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر والمرجع إلى الله وحده.

وهو سبحانه سيكافئ ويجازي كل امرئ بما يعتقد وبما يعمل والله نسأل أن يثبتنا على الحق والتمسك بالكتاب والسنة ويتوفانا على ذلك إنه سميع الدعاء.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم.

بقلم

الشيخ ربيع بن هادي المدخلي

المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية

و قد نشر في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في العدد 16 شهر ربيع الثاني عام 1392هـ
منقول

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته