المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رؤية الله



الجندى
01-07-2005, 10:22 PM
السلام عليكم ورحمة الله

فليسمح لى الأخوة بهذا الموضوع من احد طلاب العلم فى مسألة رؤية الله :

أبدأ مستعيناً بالله فيما هنالك..

وأذكر أولاً خلاصة القول وهو ما قرره الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم، فقال: اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلاً، وأجمعوا أيضاً على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين. وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلاً، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح. وقد تظافرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو عشرين صحابياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآيات القرآن فيها مشهورة. واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة [ وفي كتب أهل الحديث أكثر وأدق ] وكذلك باقي شبههم وهي مستقاة في كتب الكلام [ التي أخذوها عن فلسفة الكفرة ].

وأحب ثانياً ألا يخلط بين الرؤية والإحاطة، فنحن نرى السماء ( قال تعالى: أفلم ينظروا إلى السماء ) ومع ذلك لا نحيط بها. ثم نقول لمن ادعى الحد لازماً في الرؤية: ماذا تعني بكلمة الحد؟! فإن قال: أن الله ليس بمختلط في عباده بل هو مباين لهم. قلنا له: ونحن نلتزم هذا المعنى للحد في الرؤية، ولا إشكال فيه، فعلو الله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. فإن قال: لا، أنا أعني بالحد احتواء الله والإحاطة به. قلنا له: ولم لازمت بين الرؤية والحد؟! فسيقول: لأن المرئي لا يرى حتى ينحصر في حيز يرى فيه. فنقول له: ألا ترى السماء؟! هل تحيط بها؟! هل ترى حيزاً يحصرها؟! فإن قال: ولأن الرؤية يلزم منها أن نرى بعض المرئي، وهذا يعني أننا أحطنا ببعضه! فنقول له: هل تعلم شيئاً عن الله؟! فسيقول: نعم، هو السلام المؤمن المهيمن... فنقول: إذاً أنت تحيط بشيء من صفات الله، ولا مانع منه، فكذلك الإحاطة بشيء من رؤية الله لا مانع منه والحمد لله. فإن قال: ولأن الرؤية تستلزم التركيب ( أي تكونه من أبعاض يفتقر بعضها إلى بعض )، لأنا ترى بعضاً ولا ترى بعضاً. قلنا له: هل عندما ترى السماء تجدها مركبة؟! ثم نسأله: هل علمت مما رأيت مدبراً يكون غير مركب؟ فسيقول: لا. فنقول له: وأنت تثبت لله أنه مدبر فهل تقول بأنه مركب؟! طبعاً لا، لأن الله لا يقاس على خلقه، فنقول كذلك رؤية الله ليست كرؤية ما اعتدت رؤيته من المرئيات التي تكون مركبة. فإن قال: ولأن المرئي لا يكون إلا ذو لون، وأنا أنزه الله أن يكون ذا لون. فنقول له: ألا يعتقد قلبك وجود مدبر للكون؟! فسيقول: بلى. فنقول له: هل تعلم مما رأيت مدبراً إلا أن يكون ملوناً. فسيقول: لا. فنقول: فهل يلزم منه أن ربك المدبر الذي لم تره ملون قياساً على ما رأيت؟! فسيقول: لا، ليس كمثله شيء، فهو مدبر ولا نقول فيه ملون. فنقول له: كذلك لا تقس رؤيته على رؤية ما رأيت، فينقطع بذلك التلازم ولله الحمد.
فهذه أشهر أربع شبه، كل واحدة منها أسخف من أختها.. والمحصلة أن لاتثبت واحدة منها. وأنى تثبت أمام كتاب الله وسنة محمد عبده ورسوله؟!

ثم نبدأ نسوق الأدلة على رؤية الله من كتابه سبحانه، فهو أعلم بنفسه وأفصح بياناً وأصدق قيلاً وأنصح لخلقه منهم لهم.. وهذه الأربع عماد قبول أي حكم.

قال تعالى: ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة )..

1. فقوله تعالى: ( وجوه ) دل على أن النظر حاصل بالوجوه لا بغيرها، وليس في الوجه ما ينظر سوى العين، فتعين أن المراد الرؤية البصرية..
2. ثم تأمل قوله تعالى ( إلى ربها ) فحرف الجر هنا ( إلى ) حاسم لمسألة الرؤية أنها بصرية، لأن الفعل ( نظر ) إن عدي بإلى دل على البصر، قال علماء مجمع اللغة العربية في الوجيز: نظر إلى الشيء نظراً أبصره وتأمله بعينه.. وضع تحت ( بعينه ) مئة خط.. وهذه ضربة قاضية..
3. ثم انظر بارك الله فيك أن نظر الله بالقلب حاصل يومئذ لكل أحد فالكل يومئذ مستسلم لله راج خائف..
4. ثم النظر القلبي لا يعدى فعله بحرف إلى، وإنما يعدى بحرف في ( فتقول نظر في المسألة، إذا تأملها ) أو لا يعدى بحرف ( قال تعالى: ثم نظر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر.. أي فكر ومكر ).
5. أما أن يكون النظر من باب الانتظار ( كما يقال إن غداً لناظره لقريب، بمعنى منتظره ) فهو ممنوع هنا لوجود حرف الجر ( إلى ).. فلو أريد باللفظ أنهم ينتظرون ربهم لقيل ( ناظرة ربها ).. ثم الانتظار نوع نغص وكدر، وهو ممنوع في حق أهل الجنة.
6. أما لو كان المراد ( منتظرين أجره ) لفسدت الجملة.. لأن الناظر هنا هو الوجه والوجه لا ينتظر، إنما ينتظر القلب.. ثم كيف يعبر بكلمة ( الله ) عن الأجر؟! ألا ترى هذا شديد القبح؟! ثم المؤمنون ينتظرون أجر الله وهم في الدنيا ثم وهم في القبر، وبالتالي فلا فائدة من تخصيص الانتظار بكلمة ( يومئذ ). فبطل بهذا ذلك التأويل.
7. ثم اعلم أن القرآن نزل بلغة العرب ( كما قال تعالى: بلسان عربي مبين ) يخاطب البليد والذكي والعالم والجاهل ( كما قال تعالى: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ).. فيجب حمله على ما تقتضيه لغة العرب وعلى الظاهر المتبادر من الكلام.. وهو هنا رؤية الله رؤية بصرية..
8. ثم تجد القرآن الكريم يستخدم أسلوب ( نظر إلى ) في الرؤية البصرية في غير ما موضع.. قال تعالى: ( ذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا ) وهذه تامة الوضوح.. وقال تعالى: ( وإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيه القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) وهذه كذلك واضحة.. وقال تعالى للرجل الذي أحيى له حماره: ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك.. وانظر إلى العظام ) وكلها شديدة الصراحة في رؤية البصر.. وقال تعالى عن موسى للسامري: ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ) وواضح المعنى فيها.. وقال تعالى: ( ولكن انظر إلى الجبل ) ومعناها تام الوضوح.. وقال تعالى: ( وانظر إلى آثار رحمة ربك كيف يحيي الأرض بعد موتها ) ومعناها واضح... فنقول أليس الأولى أن يطرد المعنى في هذه الآية؟! أليس الأولى تفسير القرآن بالقرآن؟! فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله..

فهذا ما يتعلق بأول آية، وهو واضح قوي دقيق، والحمد لله رب العالمين.

الآية الثانية: قال تعالى: ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين )...

فأولاً نفسر الآية على مذهب السلف أهل السنة والجماعة رضي الله عنهم. فالله تعالى يحكي قصة موسى بعد أن ترك أخاه هارون في قومه وجاء لموعد لقاء ربه، فكلمه الله كلاماً حقيقياً بصوت يسمعه، فتشوف موسى عليه السلام لما هو أعلى من ذلك فقال لربه أرني ( أي مكني من الرؤية ) لكي أنظر إليك ( أي أراك رؤية حقيقية ) فقال الله إنك لن تستطيع أن تراني في الحياة الدنيا لضعفك، ولكن إجابة لك انظر إلى الجبل الأصم الغليظ فسأكشف الحجب عنه، فإن احتمل ذلك فسأمكنك من أن تراني. فلما تجلى الله للجبل قدر نصف أنملة انهار الجبل وتفتت رمالاً من عظمة الله تعالى ( فهذا الجبل فكيف بموسى وهو بشر ضعيف ). فأغشي على موسى من هول ما رأى من حال الجبل. فلما أفاق قال سبحانك ( أنزهك عن كل نقص، إذ خر الجبل لعظمتك ) إني تبت إليك ( لأني سألتك ما لا ينبغي لي أن أسألك إياه في الدنيا ) وأنا أول المؤمنين ( تجديداً لإيمانه عليه الصلاة والسلام إذ رأى آية ما حصلت لغيره قبله ).
والآن أدلة رؤية المؤمنين لله في الآخرة من هذه الآية:

1. قال موسى عليه السلام: ( رب أرني أنظر إليك ) وقد تقدم بحث نافع في معنى ( أنظر إليك ).. فهذا يدل على علم موسى أن الله يرى، وإلا لما حسن بنبي من أشرف الرسل وأعلمهم أن يسأل الله المستحيل.
2. لو كان معنى ( أنظر إليك ) أرجو ثوابك كما قال المعطلة، لما كان في الآية معنى، لأنا جميعاً نسأل الله ثوابه. بل ولما تجلى الله للجبل، بل ولما انهد ولما أغشي على موسى.
3. قال تعالى: ( لن تراني ).. أي في الدنيا.. والدليل على عدم إفادة ( لن ) التأبيد قوله تعالى عن اليهود ( ولن يتمنوه أبداً ) فكلمة ( أبداً ) تدل على أن ( لن ) لم تفد التأبيد، إذ لو أفادته لكانت لغواً.. ثم الله تعالى قال عن الكافرين لمالك: ( ليقض علينا ربك ) وقال تعالى: ( ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ) فهنا الكفرة - وفيهم اليهود - يتمنون الموت، فدل على عدم إفادة ( لن ) التأبيد.
4. والدليل الثاني على عدم إفادة ( لن ) التأبيد، قوله تعالى: وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) ومعلوم أن الكافرين يؤمنون بالله في الآخرة، فدل أن لن هنا فقط للدنيا. وقوله تعالى: وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه ( ومعنى نقدر نضيق ) ومعلوم أن أحد لا يظن أن الله لا يضيق عليه أبداً، لكن يونس عليه السلام ظن أن الله لن يضيق عليه في مسألة بعينها وهي عقابه على ترك قومه من غير أمر، فدل على أن لن لا تفيد التأبيد..
5. كذلك قران لن بـ( أبداً ) يدل على عدم إفادتها التأبيد، لئلا يكون الكلام لغواً. كما في قوله تعالى: ( لن تخرجوا معي أبداً ) وقوله تعالى: ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً ) ولاحظ المثال الثاني حيث يكلم المنافقين عما يحسون في أنفسهم فلا داعي للتأكيد فيه ( راجع كتاب البلاغة لعلي الجارم ومصطفى أمين ).
6. ثم اعلم رحمك الله أن أهل اللغة كذلك يرون أن لن لا تفيد التأبيد ( إلا من شذ تعصباً لفاسد معتقده كالزمخشري، فصاروا يسمون لن إن أفادت القرائن أنها للتأبيد لن الزمخشرية، لشذوذه ).. وقال الإمام ابن مالك رحمه الله في ألفيته ( ومن رأى النفي بلن مؤبدا .. فقوله اردد وسواه فاعضدا ) وقال العلامة الغلاييني رحمه الله في جامع الدروس العربية ( لن حرف نفي ونصب واستقبال فهي في نفي المستقبل كالسين وسوف في إثباته، وهي تفيد تأكيد النفي لا تأبيده، وأما قوله تعالى: لن يخلقوا ذباباً، فمفهوم التأبيد ليس من لن، وإنما هو دلالة خارجية لأن الخلق لله وحده ). فهذا كلام واضح منهما رحمهما الله.
7. الوجه التالي لإبطال كون لن للتأبيد كثرة ما ورد في القرآن من القيود بعدها كقوله تعالى: ( لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ) ونحو ذلك كثير جداً في القرآن. فلما كانت في أغلب أحوالها لا تفيد التأبيد، كان الأولى حملها على عدمه.
8. ثم نقول للقوم: لم تقبلون التخصيص أو التقييد المتصل ( أي في نفس الجملة ) وترفضون التخصيص والتقييد المنفصل ( أي المأخوذ من دليل آخر )؟! وهل هذا إلا تحكم؟! وللتفصيل في مسألة المتصل والمنفصل راجع المقال بعنوان ( إلى الزميل أبو عبد الله – والمفروض أبي – تفضل للحوار ) فستراه مفصلاً.
وبهذا بطل ادعاء التأبيد في كلمة ( لن ) من ستة أوجه والحمد لله.

9. وتأمل قوله تعالى: ( لن تراني ) ففيه نفي لرؤية موسى لله تعالى في المستقبل ( دون تأبيد )، ولو أراد الله نفي إمكان رؤيته تعالى مطلقاً لقال: إني لن أرى.. والفرق بين الأسلوبين واضح. فلو قلت لشخص أنك لن تهزمني، لكان المعنى أنه هو ( تحديداً ) لن يهزمه في المستقبل ( دون تأبيد ).. ولو قال شخص آخر إني لن أهزم، لكان المعنى أنه لا يمكن أن يهزمه أي أحد أبداً. والقرآن بين لا يأتي بالغوامض كما قال تعالى: ( وهذا لسان عربي مبين ). فأرع هذا اهتمامك فإنه مهم.
10. ثم قال تعالى: ( ولكن انظر إلى الجبل ).. فلو كانت رؤية الله مستحيلة، فما الفائدة من ضرب المثل والشرط بعده؟! لكن نحن نقول أنه سبحانه وتعالى ضرب المثل بالجبل القوي ليري موسى أن طبيعة الخلق في الدنيا لا تمكنهم من رؤيته تعالى. أما في الآخرة فيتم الله عليهم خلقهم ويشير إليه قوله تعالى: ( وجوه يومئذ ناضرة ).
11. ثم قال تعالى: ( فلما تجلى ربه للجبل ).. وهذا دليل آخر، فالله الذي تجلى للجبل ممكن أن يتجلى للإنسان.. وتجلى بمعنى انكشف.. وتفسير هذه الجملة من الآية يوضحه ما رواه الترمذي بسند رجاله ثقات عن النبي أنه قرأ هذه الآية: ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ) قال الراوي: هكذا ( أي تجلى قدر هكذا ) وأمسك الراوي بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى. قال ( أي النبي ): فساخ الجبل وخر موسى صعقاً. ورواه ابن جرير برفع كلمة ( هكذا ) وإمساك الإصبع إلى النبي.
12. ثم قال تعالى: ( انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فستراني ).. ولم يقل ( لو ) لأن لو تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط، أما ( إن ) فتفيد إمكان الجواب لإمكان الشرط.. فدل على أنه يمكن أن يراه ولا يمتنع. وهذا دقيق مهم.

فهذه الأدلة من الآية الثانية على أن ربنا عز وجل يرى، لكن متى ولمن؟ فنقول: قد دل الدليل أنه تعالى يراه المؤمنون في الآخرة.

الآية الثالثة: ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون )

1. فذكر تعالى بعد وصف الكافرين وعنادهم أنه يجازيهم عليه بأن يحجبهم عنه تعالى، ويدل على أنها عقوبة قوله تعالى ( كلا.. ) وهو حرف ردع وزجر. فالحكم هنا ( وهو الحجب عن الله ) معلق على وصف ( وهو الكفر وتكذيب القرآن والران على القلب ).. فيلزم أن يوجد نقيض الحكم مع نقيض هذه الصفة.. فنقيض الصفة هو الإيمان بالله ويثبت له نقيض الحكم وهو رؤية الله، فالحمد لله. وهذا ما يسمى في الأصول بمفهوم المخالفة أو قياس العكس.
2. تبين من هذه الآية أن الحجب عن الله عقوبة، فإن قلنا أن المؤمنين لا يرون ربهم لكانت عقوبة لهم.. واللازم باطل فالملزوم باطل.
3. تأمل قوله تعالى: ( يومئذ ).. فدل على أن الاختلاف بين حالي المؤمنين والكافرين في مسألة الرؤيا إنما يكون يومئذ ( يوم القيامة ) بخلاف اتفاق حاليهم في الدنيا، إذ الكافرون لا يرون الله في الدنيا، فلو كان الله لا يرى في القيامة لما كان شيئاً تغير عليهم، ولما صح التقييد بقوله يومئذ.. ولو كان المؤمنون لا يرون ربهم في الآخرة لما قال تعالى ( يومئذ ) لأن الحال على ما هو ولم يتغير، ولكنِ المؤمنون يرون ربهم في ذلك اليوم فكان عدم رؤية الكافرين حرمان.. فتأمل هذه الكلمة فإنها تهدم كثيراً من قول المعطلة.
4. قوله تعالى: ( لمحجوبون ) من الحجب وهو الستر. والستر إنما يمنع من الرؤية. ولو كان الله لا يرى لما كان للحجاب داع.. ألا ترى أنا لا نقول للهواء الذي لا نراه أنه محجوب.. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ( فلما تجلى ربه للجبل ) وعلمت مما سبق أن التجلي كشف الستر.

الآية الرابعة قوله تعالى: ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ).

1. قال تعالى: للذين أحسنوا ( بالإيمان ) الحسنى.. فالحسنى هي الجنة، وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى: ( وكلاً وعد الله الحسنى ) وقوله تعالى: ( للذين استجابوا لربهم الحسنى ) وقوله تعالى عن ذي القرنين: ( وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرى ) ففرق بين جزاء الدنيا والحسنى فتعين كونها الجنة، وقال تعالى: ( ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) وقوله عن الكافرين ( ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) فدل على أنها ثواب ما بعد الرجوع إلى الله وهو الجنة. وسميت الجنة حسنى لبلوغها الغاية في الحسن.
2. قال تعالى: وزيادة... إذاً ماذا يمكن أن تكون الزيادة؟ وماذا يمكن أن يكون من نعيم أهل الجنة أزيد من الجنة وما فيها؟! وقد بينها النبي فيما رواه مسلم قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل. ثم تلا هذه الآية ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ). انتهى. فدل أن الحسنى هي الجنة، وأن الزيادة هي الرؤية ( وفي هذا الحديث من الدرر الكثير، فأسأل الله أن يعيننا وإخواننا على تبيينها ).
3. ثم قال تعالى: ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة... والقتر يظهر والله أعلم أنه بمعنى القترة وهي دخان يغشى الوجه من كرب أو هول وقيل سواد ويشهد لهما الآية بعدها في حال الكفار ( كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً ).. ووجه الدلالة على ما نريد في هذه الجملة أنه تعالى ذكر انتفاء العذاب والمهانة عن الوجه، فناسب أن يكون مذكوراً معه إكرام هذا الوجه، وليس ذلك إلا رؤية الله المبينة في قوله ( وزيادة ).. ولقائل أن يسأل: ربما أراد فقط نفي العذاب عن الوجه! فأقول ذلك حاصل لهم في الدنيا، فما الكرامة فيه؟! ثم عدم العذاب ليس في ذاته إكرام. ألا ترى أن الله لا يعذب الحيوانات، وليس فيه نعيم ولا إكرام لهم؟! فثبت أنه تعالى ذكر هذا النفي للعذاب عن الوجه ( خصوصاً ) إثباتاً وتأكيداً لما ذكره من نعيم له ( خصوصاً ) من رؤيته لله تعالى.. والحمد لله.
4. ثم قال تعالى: أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون... فأكد تعالى بالتكرير أن الجنة لهم، وقطع عنهم آفة النعم ( وهي زوالها إما بتلفها أو بالموت ) فوعدهم بالخلود.. فالحمد لله، اللهم اجعلنا منهم.

الآية الخامسة: قوله تعالى: ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )

الآية الخامسة: قوله تعالى: ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )

1. لنعلم أولاً أن الإدراك يخالف الرؤية.. فالإدراك له معان، لا يمكن أن يصح منها هنا إلا ثلاث: أولها الرؤية ( انظر مختار الصحاح والوجيز ) وثانيها الإحاطة بالبصر ( انظر تفسير ابن جرير، ويؤيده قوله تعالى: فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا.. ففرق بين الرؤية والإدراك ) وقد يدل على الفهم ( انظر الوجيز ). فسنتناول المعاني جميعاً، إذ كلها جداول تصب في بحر واحد، والحمد لله.
2. المعنى الأول الرؤية.. فيكون معنى الآية: لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار.. فهذا عام في جميع الأبصار ( لوجود الجمع المحلى بأل ) وفي جميع الأوقات ( لوجود قرينة وهي المضارع حيث يفيد الاستمرار التجددي ).. وهذا العام قد جاء من الكتاب ما يخصص عمومه في الأفراد ( قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) كما جاء ما يخصصه في الأوقات ( قال تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ).. فصار معنى الآية: لا تراه أبصار الكافرين في الدنيا ولا الآخرة، وتراه أبصار المؤمنين في الآخرة، وهو يراهم جميعاً في الدنيا والآخرة. وممن قال بهذا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
3. المعنى الثالث الفهم، وهو بمعنى التصور، وتصوَّر الشيء تخيله واستحضر صورته في ذهنه ( انظر الوجيز ).. لكن يمنع من هذا التفسير قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) والفهم والتصور إنما يكونان بالبصيرة وجمعها بصائر لا أبصار. فبطل أن يراد بها ذلك.
4. المعنى الثالث الإحاطة.. وهو أصل مادة ( د ر ك ).. ويشهد له قوله تعالى: ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قلا كلا ) ففرق بين الرؤية والإدراك.. وقوله تعالى: ( لا تخاف دركاً ولا تخشى ).. وقوله تعالى: ( حتى إذا أدركه الغرق ) والغرق لا يبصر إنما يحيط بالمرء كقوله تعالى: ( وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ) وهذا واضح جلي. وممن فسر الإدراك هنا بالإحاطة ابن عباس واختاره ابن جرير، وهو الأقرب لما سيأتي والله أعلم.. فيكون معنى ( تدركه الأبصار ) أي تحيط به بالرؤية والنظر.
5. مما يرجح أن الإدراك هنا بمعنى الإحاطة على كونها بمعنى الرؤية، أن أهل الأصول قرروا أنه لو تعارض عام وخاص، فإن لم يمكن الجمع بينهما بقي العام على عمومه في غير صورة الخاص وتخصص به في صورة الخاص، أما إن أمكن الجمع بينهما في صورة الخاص بأن يحمل كل منهما على معنى وجب ذلك، فيبقى العموم على حاله ويباينه الخصوص.. وهنا أمكن حمل كل منهما على معنى فامتنع التخصيص.
6. ومما يرجح أن الإدراك هنا بمعنى الإحاطة أن غالب ورودها في القرآن بمعنى الإحاطة ( وقد سبق أن سقنا الأمثلة )، ولم تأت – فيما أعلم والله أعلم – في القرآن بمعنى الرؤية أبداً. فالأولى اطراد المعنى لا شذوذه.
7. أن نفي الرؤية ليس بصفة كمال حتى يتمدح الرب بها نفسه، لأن الهواء لا يرى والبعيد لا يرى والعدم لا يرى.. ولأن هذا النفي لا يتضمن كمالاً، ومعلوم أن النفي المحض لا مدح فيه، إنما الكمال في الإثبات ( لأن غاية ما في النفي أن يدل إما على عدم قدرة الذات على الصفة المنفية فيكون ذماً، كمن لا يظلم الناس لضعفه أو خوفه.. أو على عدم قبول الذات لها فتكون دون من أمكنه الاتصاف وتركه، كالحجر لا يوصف بالظلم فخير منه العادل القادر على الظلم.. وكلاهما ممتنعان في حق الله.. فلا يبقى إلا أن تكون الصفة المنفية ما نفيت إلا لكمال في الموصوف منعها ونزهه عنها، وهذا هو اللائق بالله تعالى ).. أما إن نفينا عن الله أن يحاط به كان ذلك متضمناً كمال عظمته.. فوجب حمل المعنى على الإدراك.
8. والآن وقد تبين المعنى الراجح وأنه هو الإحاطة، فيكون معنى الآية: لا تحيط به الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا أبصار المؤمنين ولا أبصار الكافرين لكمال عظمته، وهو يحيط بهم في الدنيا والآخرة مؤمنين وكافرين لكمال حفظه ورقابتة. ثم نشرع ببيان الدليل على أن الآية تحتوي دليلاً على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
9. أولاً يتبين في هذه الآية تنزيه الله عن أن تحيط به الأبصار، وهذا فيه إعجاز البشر عن إدراك ربهم.. ولو كان الله سبحانه لا يرى لكان الأولى أن يعجزهم بالرؤية فيقول ( لا تراه الأبصار )، لأن الإعجاز بالأدنى يتضمن الإعجاز بالأعلى.. فلا يصح في مقام التعجيز ذكر الأعلى مع العجز عن الأدنى.. والقرآن فصيح بليغ بين لا يكون فيه مثل ذلك.. لهذا نرى الله تعالى في الشق الآخر من الآية قال ( وهو يدرك الأبصار ) أي يحيط بها، فذكر قدرته على الأكثر ما دل على قدرته على الأقل وهو الرؤية.. وهذا لطيف جداً لمن تأمله.
10. ثم هذه الآية نظيرة قوله تعالى: ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه – أي من علم ذاته - إلا بما شاء ).. فأثبت أولاً إحاطة علمه سبحانه بالورى، ثم تمدح نفسه بأنهم لا يحيطون به علماً كما قال تعالى في الآية الأخرى ( ولا يحيطون به علماً ).. ولم يمنع امتناع إحاطتهم بعلمه من أن يعلموا شيئاً عنه، فهم يعلمون أنه سميع بصير علي قوي... وكذلك هذه الآية هنا، نفت الإدراك ولم تنف الرؤية التي ثبتت من أدلة خارجة، بل دلت الآية ذاتها عليه كما سبق. والحمد لله.

وبهذا استبان لكل منصف إن شاء الله الحق الذي لا مراء فيه، أما من لم يكفه القرآن وراح يتخبط بفلسفة وكلام فارغ فنقول له: ( فبأي حديث بعده يؤمنون ).
وما حالهم إلا كما قال ابن جرير رحمه الله بعد أن ساق هذه المسألة في تفسيره: ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس ... ليعلم الناظر في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبس عليهم الشيطان، مما يسهل على أهل الحق البيان عن فساده، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يترددون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة! انتهى. فلله درك يا إمام والله ما تجاوزوا كلامك خطوة..
والحمد لله رب العالمين.

الحجاج
01-09-2005, 11:53 PM
من أجمل ما قرأت في موضوع الرؤية .. بارك الله فيكم ونفع بكم وزادكم وكاتب المقال بسطة في العلم.

زهرائي
01-11-2005, 01:01 AM
4 - الآية: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
استدل القائلون بجواز الرؤية بآيات متعددة والمهم فيها هو الآية التالية ، أعني قوله سبحانه : ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) ( القيامة / 20 - 25 ).
يقول الشارح القوشجي في شرحه لتجريد الإعتقاد : إن النظر إذا كان بمعنى الانتظار يستعمل بغير صلة ويقال انتظرته ، وإذا كان بمعنى التفكر يستعمل بلفظة في ، وإذا كان بمعنى الرأفة يستعمل بلفظة اللام ، وإذا كان بمعنى الرؤية استعمل بلفظة إلى ، فيحمل على الرؤية ( 1 ).
أقول : لقد طال الجدال حول ما هو المقصود من النظر في الآية ، بين مثبتي الرؤية ونافيها ، ولو أتينا بأقوالهم لطال بنا المقام ، فإن المثبتين يركزون على أن الناظرة بمعنى الرؤية ، كما أن نافيها يفسرونها بمعنى الانتظار ، مع أن تسليم كونه بمعنى الرؤية غير مؤثر في إثبات مدعيها كما سيظهر ، والحق عدم دلالتها على جواز رؤية الله بتاتا ، وذلك لأمرين :
الأول : أنه سبحانه استخدم كلمة وجوه لا عيون ، فقسم الوجوه إلى قسمين : وجوه ناضرة ، ووجوه باسرة ، ونسب النظر إلى الوجوه لا العيون ، فلو كان المراد هو الرؤية لكان المتعين استخدام العيون بدل الوجوه ، والعجب أن المستدل غفل عن هذه النكتة التي تحدد معنى الآية وتخرجها عن الإبهام والتردد بين المعنيين ، وأنت لا تجد في الأدب العربي القديم ولا الحديث موردا نسب فيه النظر إلى الوجوه وأريد منه الرؤية بالعيون والأبصار ، بل كلما أريد منه الرؤية نسب إليهما .
الثاني : لا نشك أن الناظرة في قوله ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) بمعنى الرائية ، ونحن نوافق المثبتين بأن النظر إذا استعمل مع إلى يكون بمعنى الرؤية ، لكن الذي يجب أن نلفت إليه نظر المستدل هو أنه ربما يكون المعنى اللغوي ذريعة لتفهيم معنى كنائي ، ويكون هو المقصود بالأصالة لا المدلول اللغوي ، فلو قلنا : زيد كثير الرماد ، فالجملة مستعملة في معناها اللغوي ، ولكن كثرة الرماد مراد استعمالي لا جدي ، والمراد الجدي هو ما اتخذ المعنى الاستعمالي وسيلة لإفهامه للمخاطب ، والمراد هنا هو جوده وسخاؤه وكثرة إطعامه ، فإذا قال الرجل : زيد كثير الرماد ، فلا نقول : إن القائل أخبرنا عن كثرة الرماد في بيت زيد الذي يعد أوساخا ملوثة لبيته ، فيكون قد ذمه دون أن يمدحه ، بل يجب علينا أن نقول : بأنه أخبر عن جوده وسخائه ، والعبرة في النسبة المراد الجدي لا الاستعمالي ، وهذه هي القاعدة الكلية في تفسير كلمات الفصحاء والبلغاء . والآن سنوضح مفاد الآية ونبين ما هو المراد الاستعمالي والجدي فيها ، وذلك لا يعلم إلا برفع إبهام الآية بمقابلها ، فنقول : إن هناك ستة آيات تقابلها ثلاثة ، وهي كالآتي :
1-( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ) يقابلها : ( وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ) .
2 -( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ) يقابلها : ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَة ) .
3 -( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) يقابلها : ( تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .
فلا شك أن الآيات الأربع الأول واضحة لا خفاء فيها ، وإنما الإبهام وموضع النقاش هو الشق الأول من التقابل الثالث ، فهل المراد منه جدا هو الرؤية ، أو أنها كناية عن انتظار الرحمة ؟
والذي يعين أحد المعنيين هو الشق الثاني من التقابل الثالث ، أعني ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) فهو صريح في أن أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم ، ويظنون نزوله .
وهذا الظن لا ينفك عن الانتظار ، فكل ظان لنزول العذاب منتظر ، فيكون قرينة على أن أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى ربهم ، أي يرجون رحمته ، وهذا ليس تصرفا في الآيات ولا تأويلا لها ، وإنما هو رفع الإبهام عن الآية بالآية المقابلة لها ، وترى ذلك التقابل والانسجام في آيات أخرى ، غير أن الجميع سبيكة واحدة .1
-( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ) يقابلها : ( ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ) .
2 -( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ) يقابلها : ( تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) ( 1 ). فإن قوله ( ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ) قائم مقام قوله ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فيرفع إبهام الثاني بالأول .
3 -( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ) يقابلها : ( عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ) ( الغاشية / 2 - 4 ).
4 -( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ) يقابلها : ( لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) الغاشية / 8 - 10 ).
أنظر إلى الانسجام البديع ، والتقابل الواضح بينهما ، والهدف الواحد ، حيث الجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة ، إلى ناضر ومسفر ، وناعم وإلى باسر ، وأسود ( غبرة ) وخاشع .
أما جزاء الصنف الأول فهو الرحمة والغفران ، وتحكيه الجمل التالية : إلى ربها ناظرة ، ضاحكة مستبشرة ، في جنة عالية .
وأما جزاء الصنف الثاني فهو العذاب والابتعاد عن الرحمة ،
وتحكيه الجمل التالية : تظن أن يفعل بها فاقرة ، ترهقها قترة ، تصلى نارا حامية .
أفبعد هذا البيان يبقى شك في أن المراد من ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) هو انتظار الرحمة ! ! والقائل بالرؤية يتمسك بهذه الآية ، ويغض النظر عما حولها من الآيات ، ومن المعلوم أن هذا من قبيل محاولة إثبات المدعى بالآية ، لا محاولة الوقوف على مفادها .
ويدل على ذلك أن كثيرا ما تستخدم العرب النظر بالوجوه في انتظار الرحمة أو العذاب ، وإليك بعض ما ورد في ذلك : وجوه بها ليل الحجاز على الهوى إلى ملك كهف الخلائق ناظرة وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن يأتي بالفلاح فلا نشك أن قوله : وجوه ناظرات بمعنى رائيات ، ولكن النظر إلى الرحمن هو كناية عن انتظار النصر والفتح . إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسر فلا ريب أن اللفظين في الشعر وإن كانا بمعنى الرؤية ، ولكن نظر الفقير إلى الغني ليس بمعنى النظر بالعين ، بل الصبر والانتظار حتى يعينه .
قال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( آل عمران / 77 )، والمراد من قوله : ( لاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ) هو طردهم عن ساحته وعدم شمول رحمته لهم وعدم تعطفه عليهم ، لا عدم مشاهدته إياهم ، لأن رؤيته وعدمها ليس أمرا مطلوبا لهم حتى يهددوا بعدم نظره سبحانه إليهم ، بل الذي ينفعهم هو وصول رحمته إليهم ، والذي يصح تهديدهم به هو عدم شمول لطفه لهم ، فيكون المراد عدم تعطفه إليهم ، على أن تفسير قوله ( لاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ) ب‍ لا يراهم يستلزم الكفر ، فإنه سبحانه يرى الجميع ( وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) .
والحاصل : أن النظر إذا أسند إلى العيون يكون المعنى بالمراد الاستعمالي والجدي هو الرؤية على أقسامها ، وإذا أسند إلى الشخص كالفقير أو إلى الوجوه فيراد به الرؤية استعمالا والانتظار جدا .
ثم إن لصاحب الكشاف هنا كلمة جيدة ، حيث يقول بهذا الصدد : يقال : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي يريد معنى التوقع والرجاء ، ومن هذا القبيل قوله : وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني نعما وقال : سمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم تقول : عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم ، تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها ، كما هو معنى قولهم : أنا أنظر إلى الله ثم إليك ، وأتوقع فضل الله ثم فضلك .

رؤية الله في الأحاديث النبوية
قد تعرفت على موقف الكتاب من رؤيته سبحانه ، وأنه كلما يذكر الرؤية وسؤالها وطلبها كان يستعظم ذلك ويستفظعه إجمالا ، وعندما يطرحها تفصيلا يعدها أمرا محالا ، كما عرفت أن ما تمسك به القائلون بجواز الرؤية من الآيات لا يدل على ما يدعون .
بقي الكلام في الروايات الواردة حول الرؤية في الصحاح والمسانيد ، ودلالتها على المطلوب واضحة كما ستوافيك ، لكن الكلام في حجية الروايات التي تعارض الذكر الحكيم وتباينه ، فإذا كان الكتاب العزيز مهيمنا على سائر الكتب فلماذا لا يكون مهيمنا على السنن المروية عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، التي دونت بعد مضي 341 سنة من رحيله ( صلى الله عليه وآله ) ولم تصن عن دس الأحبار والرهبان ، قال سبحانه : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ) ( المائدة / 48 ) وقال تعالى : ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ( النمل / 76 ).
ولا يعني ذلك ، حذف السنة من الشريعة ورفع شعار حسبنا كتاب الله ، بل يعني التأكد من صحتها ثم التمسك بها في مقام العمل .

وإليك ما ورد في الصحاح :
روى البخاري في باب الصراط جسر جهنم بسنده عن أبي هريرة قال : قال أناس : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فإنكم ترونه يوم القيامة ، كذلك يجمع الله الناس فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم . . . إلى أن يقول : ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول : يا رب قد قشبني ريحها ، وأحرقني ذكاوها ، فاصرف وجهي عن النار ، فلا يزال يدعو الله فيقول : لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ، فيصرف وجهه عن النار ، ثم يقول بعد ذلك : يا رب قربني إلى باب الجنة ، فيقول : أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك ، فلا يزال يدعو فيقول : لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ، فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره ، فيقربه إلى باب الجنة ، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : ربي أدخلني الجنة ، ثم يقول : أو ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك ، فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو حتى يضحك ( الله ) ، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها . . .
ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ، مع اختلاف يسير
ورواه أيضا عن أبي سعيد الخدري باختلاف غير يسير في المتن وفيه : حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها ، قال : فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد ، قالوا : يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، لا نشرك بالله شيئا ، مرتين أو ثلاثا ، حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب ، فيقول : هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق ، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه ، إلا أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه . . .
وقد نقل الحديث في مواضع من الصحيحين بتلخيص ، ورواه
( 1 ) البخاري ، الصحيح 8 : 117 باب الصراط جسر جهنم .
( 2 ) صحيح مسلم 1 : 113 باب معرفة طريق الرؤية .
( 3 ) صحيح مسلم 1 : 115 باب معرفة طريق الرؤية .
أحمد في مسنده ( 1 ).
تحليل الحديث إن هذا الحديث مهما كثرت رواته وتعددت نقلته لا يصح الركون إليه في منطق الشرع والعقل بوجوه :
1 - إنه خبر واحد لا يفيد شيئا في باب الأصول والعقائد ، وإن كان مفيدا في باب الفروع والأحكام ، إذ المطلوب في الفروع هو الفعل والعمل ، وهو أمر ميسور سواء أذعن العامل بكونه مطابقا للواقع أو لا ، بل يكفي قيام الحجة على لزوم تطبيق العملة عليه ، ولكن المطلوب في العقائد هو الإذعان وعقد القلب ونفي الريب والشك عن وجه الشئ ، وهو لا يحصل من خبر الواحد ولا من خبر الاثنين ، إلا إذا بلغ إلى حد يورث العلم والإذعان ، وهو غير حاصل بنقل شخص أو شخصين .
2 - إن الحديث مخالف للقرآن ، حيث يثبت لله صفات الجسم ولوازم الجسمانية كما سيوافيك بيانه عن السيد الجليل شرف الدين ( رحمه الله ) .
3 - ماذا يريد الراوي في قوله : فيأتي الله في غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ؟ فكأن لله سبحانه صورا متعددة يعرفون بعضها وينكرون البعض الآخر ، وما ندري متى عرفوا التي عرفوها ، فهل كان ذلك منهم في الدنيا ، أو كان في البرزخ ، أم في الآخرة ؟ 4 - ماذا يريد الراوي من قوله : فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق ،فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه . . . ؟ فإن معناه أن المؤمنين والمنافقين يعرفونه سبحانه بساقه ، فكانت هي الآية الدالة عليه .
5 - كفى في ضعف الحديث ما علق عليه بعض العلماء (يرحمهم الله ) حيث قالوا : إن الحديث ظاهر في أن لله تعالى جسما ذا صورة مركبة تعرض عليها الحوادث من التحول والتغير ، وأنه سبحانه ذو حركة وانتقال ، يأتي هذه الأمة يوم حشرها ، وفيها مؤمنوها ومنافقوها ، فيرونه بأجمعهم ماثلا لهم في صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فينكرونه متعوذين بالله منه ، ثم يأتيهم مرة ثانية في الصورة التي يعرفون ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فيقول المؤمنون والمنافقون جميعا : نعم أنت ربنا ، وإنما عرفوه بالساق إذ كشف لهم عنها ، فكانت هي آيته الدالة عليه ، فيتسنى حينئذ السجود للمؤمنين منهم دون المنافقين ، وحين يرفعون رؤوسهم يرون الله ماثلا فوقهم بصورته التي يعرفون لا يمارون فيه ، كما كانوا في الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر ، ماثلين فوقهم بجرميهما النيرين ليس دونهما سحاب ، وإذا به بعد هذا يضحك الرب ويعجب من غير معجب ، كما هو يأتي ويذهب ، إلى آخر ما اشتمل عليه الحديثان مما لا يجوز على الله تعالى ، ولا على رسوله ، بإجماع أهل التنزيه من أشاعرة وغيرهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
غير أن هناك مطالب متفرقة لا يجمعها فصل واحد نشير إليها ، منفصلة عما مضى من البحث :
الأول : أن أكثر من طرح مسألة الرؤية فإنما بحث عنها بدافع روحي ، وهو إثبات عقيدته والتركيز على نحلة طائفته ، ولذلك ربما انتهى البحث والدراسة عند بعضهم إلى الخروج عن الأدب الإسلامي .
وهذا هو العلامة الزمخشري يشبه أهل الحديث والحنابلة القائلين بالرؤية بما في شعره ويقول :

جماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمر لعمري مؤكفة
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى وتستروا بالبلكفة

إن ما ذكره في البيت الثاني وإن كان حقا فإن القول بالرؤية لا ينفك عن التجسيم والتشبيه ، والقول بأنه جسم بلا كيف أو أنه يرى بلا كيف مهزلة لا قيمة لها ، لما عرفت من أن الكيفية محققة لمفهوم الرؤية بالبصر ، كما أنها محققة لمفهوم اليد والرجل ، فاليد بالمعنى اللغوي بلا كيفية أشبه بأسد لا رأس له ولا بطن ولا ذنب .
ولكن بيته الأول لا يناسب أدب الزمخشري الذي تربى في أحضان الإسلام والمسلمين وخالط القرآن جسمه وروحه . ولما أثار هذا الشعر حفيظة الأشاعرة وأهل الحديث قابلوه بمثل ما قال ، فقد قال أحمد بن المنير الإسكندري في حاشيته على الكشاف باسم الانتصاف : وجماعة كفروا برؤية ربهم حقا ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عدلية قلنا أجل عدلوا بربهم فحسبهم سفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه إن البادي وإن كان أظلم ولكنهما كليهما خرجا عن مقتضى الأدب الإسلامي ، فالمسلم ما دام له حجة على عقيدته ولم يكن مقصرا في سلوكها لا يحكم عليه بشئ من الكفر والفسق ولا العقاب ولا العذاب .
وقد نصره تاج الدين السبكي بقوله : عجبا لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل ما فيهم لعمري معرفه قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفه وتلقبوا عدلية قلنا نعم عدلوا بربهم فحسبهم سفه ( 1 ) فيا لله ماذا يعني تاج الدين السبكي من قوله : تعطيل الذات مع نفي الصفة ، فإن أحدا من المسلمين لا يعطل الذات عن الوصف بالعلم والقدرة والحياة والسمع ، نعم إن عنى من تعطيل الذات نفي وصفه سبحانه بالأوصاف الخبرية بمعانيها اللغوية ، كاليد والرجل والنزول ووضع القدم في الجحيم ، فإن هذا ليس تعطيلا ، بل مرجعه إلى التنزيه مع عدم التعطيل بجعلها كناية عن المعاني الآخر ، تبعا لأسلوب الفصحاء والبلغاء والذكر الحكيم ، كلام فصيح وبليغ ، ليس فوقه شيء فلا يعد مثل ذلك تعطيلا ، نعم ، من يحاول وصفه سبحانه بهذه الصفات بمعانيها اللغوية ، ويقول : إن لله تبارك وتعالى يدا ورجلا ونزولا وحركة بالمعنى الحقيقي ولكن لا تعرف كيفيتها ، يحاول الجمع بين المتضادين ، فإن مقتضى الحمل على المعاني اللغوية سيادة تلك المعاني على موردها ، ومقتضى نفي الكيفية نفي معانيها اللغوية ، فكيف يعدون أنفسهم من المثبتين وأهل التنزيه من المعطلة .
ولا يقاس ذلك بوصفه سبحانه بالعلم والقدرة مع عدم العلم بالكيفية ، لأن الكيفية فيهما ليست مقومة لواقعهما ، فالعلم بمعنى انكشاف الواقع ، وأما كونه عرضا أو جوهرا حالا أو محلا فليست مقومة لمفهومه حتى يرجع نفي الكيفية إلى نفي واقع العلم ، وهذا بخلاف اليد ، فإنها بلا كيفية ليست يدا لغة .
وأظن أنه لو انعقد مؤتمر علمي في جو هادئ واستعدت الطائفتان للتأمل في براهين النافين والمثبتين لقل الخلاف وتقاربت الطائفتان . نعم ، إن خلافا دام قرونا لا ينتهي بأسبوع أو شهر أو بعقد مؤتمر أو مؤتمرين ولكن الرجاء تقريب الخطى وعدم تكفير إحدى الطائفتين للطائفة الأخرى .
أو ليس الأولى لنا ألا نقسم رحمة ربنا وعذابه وجحيمه بيننا كما قسمه الإسكندري في تعليقته على الكشاف ، ونتركه إلى الله سبحانه فهو أعلم بمن هو في لظى أو شفه منه ، أو قريب من الجنة : ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) ( الزخرف / 32 ).
الثاني : إن أكثر الباحثين في الرؤية يبحثون في مفهوم الرؤية لغة ، ويحشدون كلمات أهل اللغة من القدامى والجدد ، كما أنهم يبحثون في واقع الرؤية علميا ، وهل هي بسقوط الشعاع من العين على الأشياء أو بالعكس ، مع أنا في غنى عن هذه المباحث ، إذ ليس البحث في المقام عن لغة الرؤية ولا في واقعها العلمي ، وإنما البحث في أمر اختلفت فيه كلمة الأمة ، ألا وهو رؤية الله تعالى بالعين الآخرة ، وليس البحث في هذا الإطار متوقفا على دراسة مفهوم الرؤية وواقعها ، وليس مفهومها أمرا مبهما حتى نستمد في تفسيرها من كتب اللغة .
نعم ، من أراد الاستدلال على الجواز ببعض الأحاديث الماضية من أنكم سترون ربكم يوم القيامة . . . وشككنا في معنى الرؤية ، كان البحث عن مفهومها أمرا صحيحا ، وقد سبق منا أن محل النزاع هو إمكان الرؤية بالعين التي نرى بها الأشياء في الدنيا ، وأما الرؤية بحاسة خامسة أو بالقلب أو بالرؤيا فليس مطروحا في المقام ، ولذلك استغنينا عن نقل كلمات أصحاب المعاجم كالعين للخليل ، والجمهرة لابن دريد ، والمقاييس لابن فارس ، واللسان لابن منظور ، والقاموس للفيروز آبادي وغيرهم .

الثالث : لقد أخذنا على عاتقنا التمسك بالأدب الإسلامي في الدراسة والتحليل ، ولكن رب حديث يسمعه الإنسان من آخر ربما يجره إلى القسوة أو التجرؤ على المقابل ، وبدوري لما كنت أتفحص الكتب والتفاسير حول المسألة رأيت أمورا من بعض المثبتين أشبه بالمهزلة ، مع أن القائل يعد من المفسرين الكبار ويكال له بصاع كبير ، وإن كنت في ريب مما قلنا فاستمع إلى قول الآلوسي : قال : روى الدارقطني وغيره عن أنس من قوله ( صلى الله عليه وآله ) : رأيت ربي في أحسن صورة ، ومن الناس من حملها على الرؤية المنامية ، وإذا صح هذا الحمل فأنا ولله الحمد قد رأيت ربي مناما ثلاث مرات ، وكانت المرة الثالثة عام 4612 ه‍ رأيته جل شأنه وله من النور ما له متوجها جهة المشرق وكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت ، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى ( عليه السلام ) ثم إلى مقام محمد ( صلى الله عليه وآله ) فذهب بي إليها فرأيت ما رأيت ولله تعالى الفضل والمنة
نحن لا نعلق على كلامه بشيء سوى أنها إما كانت أضغاث أحلام ليس لها شيء من الحقيقة ولا شيء من الواقع ، أو أنها كانت صور تفكير الرجل في يومه ونهاره حول تلك المسألة العقائدية فانعكس ما هو مخزون في نفسه على صفحات ذهنه في المنام .
أما آن للواعين من الأمة أن ينزهوا كتبهم من هذه الخرافات حتى لا يتخذها المادي الغاشم ذريعة للسخرية والتهكم على الدين وأهله .
الرابع : إن النافين للرؤية يركزون على الروايات المثبتة حسب ادعائهم ، ولكنهم لا يركزون على الروايات النافية ، فإن هذه الروايات من غير فرق بين المثبتة والنافية وإن كانت روايات آحاد لا تفيد علما في مجال العقائد ، ولكن مقتضى الإنصاف الاستدلال بالرواية المخالفة أيضا ، وإليك بعض ما ورد في هذا المضمار :
1- روى البخاري في تفسير قوله ( وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ) عن عبد الله بن قيس أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : جنتان من فضة آنيتهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيها وما بين القوم وبين أن ينظروا إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .
2 - روى مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله ( ص ) : هل رأيت
ربك ؟ قال : نور أنا أراه ؟ .
ودلالة الحديث على إنكار الرؤية واضحة ، فإن الرسول ينكر الرؤية بأنه سبحانه ليس نورا حتى أراه . نعم ، رواه مسلم بصورة أخرى أيضا ، روى عن عبد الله بن شقيق قال : قلت لأبي ذر : لو رأيت رسول الله ( ص ) لسألته ، فقال : عن أي شيء كنت تسأله ؟ قال : كنت أسأله هل رأيت ربك ؟ قال أبو ذر : قد سألت فقال : رأيت نورا .
ولعل المراد ما رأيت سبحانه وإنما رأيت حجابه كما في الحديث التالي :
3 - روى مسلم عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله ( ص ) بخمس كلمات فقال : إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور . وفي رواية أبي بكر . . . النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه .
4 - روى الطبري في تفسير قوله سبحانه حاكيا على لسان موسى عن ابن عباس قال : يقول : إنا أول من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك .
نعم ، من لا يروقه قول ابن عباس من الرواة ، نقله وذيله بقوله : يعني في الدنيا ، وهذا تأويل للرواية منه .
5 - روى الطبري في تفسير قوله ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) عن قتادة أنه قال : ( لا تدركه الأبصار . . . ) وهو أعظم من أن تدركه الأبصار .
6 - روى مسروق قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين هل رأى محمد ربه ، فقالت : سبحان الله لقد وقف شعري مما قلت ، ثم قرأت ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) .
7 - روى الشعبي قال : قالت عائشة : من قال : إن أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ، قال الله : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ )
وأضاف الطبري وقال : قال قائل هذه المقالة معنى الادراك في هذا الموضع هو الرؤية ، وأنكروا أن يكون الله ليرى بالأبصار في الدنيا والآخرة .
ويظهر من الطبري أن القائلين بالرؤية حاولوا منذ زمن قديم تأويل لفظ الادراك في الآية بالإحاطة . فقد نقل عن عطية العوفي أنهم ينظرون إلى الله ، لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره يحيط بهم فذلك قوله ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) .
وأنا أجل عطية العوفي تلميذ ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري عن هذا التفسير الذي لا يوجد له أصل في اللغة ، وهذه هي الكلمة الدارجة بين أهل الرجال في أصحاب الرسول ، يقولون : أدرك رسول الله أو لم يدركه ، فلا يراد من الأول أنه واكب حياته منذ بعثته حتى رحيله ، بل يراد منه أنه رآه مرة أو مرتين ، أو أياما قلائل ، وربما يقال : إنه أدرك رسول الله وهو صبي فيعدونه من الصحابة .
الخامس : إن للإمام عبده وتلميذه صاحب المنار كلمات حول الرؤية ، قد حاولا بإخلاص جمع كلمة المسلمين في هذه المسألة ، فمن أراد فليرجع إلى تفسيره ، وله كلام في تفسير قوله ( صلى الله عليه وآله ) : لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ، قال : والمعنى أن النور العظيم هو الحجاب الذي يحول بينه وبين خلقه وهو بقوته وعظمته ملتهب كالنار ، ولذلك رأى موسى ( عليه السلام ) عند ابتداء الوحي نارا في شجرة توجه همه كله إليها ، فنودي الوحي من ورائها ، وفي التوراة أن الجبل كان في وقت تكليم الرب لموسى ( عليه السلام ) وإيتائه الألواح مغطى بالسحاب .
ورأى النبي الخاتم الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ليلة المعراج نورا من غير نار ، وربما كان هذا أعلى ، ولكنه كان حجابا دون الرؤية أيضا ، فقد سأله أبو ذر ( رضي الله عنه ) وقال : هل رأيت ربك ؟ فقال : نوره ، إني أراه ؟ وفي رواية أخرى : رأيت نورا ومعناهما معا رأيت نورا منعني من رؤيته ، لا أنه تعالى نور ، وأنه لذلك لا يرى ، وهذا يتلاقى ويتفق مع قوله حجابه نور ولذلك جعلنا أحاديث النور شاهدا واحدا في موضوعنا ، وهي تدل على عدم رؤية ذات الله عز وجل وامتناعها .
السادس : إن القائلين بالرؤية على فرقتين : فرقة تعتمد على الأدلة العقلية دون السمعية ، وفرقة أخرى على العكس .
فمن الأولى سيف الدين الآمدي ( 155 - 316 ) يقول : لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي ، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية ، وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين ، فلا يذكر إلا على سبيل التقريب .
ومن الثانية ، الرازي في غير واحد من كتبه فقال : إن العمدة في جواز الرؤية ووقوعها هو السمع ، وعليه الشهرستاني في نهاية الأقدام

والحق أن من حاول إثبات الرؤية بالدليل العقلي فقد حرم عن نيل مرامه ، فإن الأدلة العقلية التي أقامتها الأشاعرة في غاية الوهن ، فإنهم استدلوا على الجواز بوجهين : أحدهما يرجع إلى الجانب السلبي وأنه لا يترتب على القول بالرؤية شئ محال ، والآخر يرجع إلى الجانب الإيجابي وهو أن مصحح الرؤية في الأشياء هو الوجود ، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق .
أظن أن كل من له أدنى معرفة بالمسائل العقلية يدرك ضعف الاستدلال ، إذ كيف لا يترتب على الرؤية بالعين تشبيه وتجسيم ، مع أن الرؤية بالمعنى الحقيقي لا تنفك عن الجهة للمرئي ، مضافا إلى أن واقع الرؤية عبارة عن انعكاس الأشعة على الأشياء ، فإثبات الرؤية بلا هذه اللوازم نفي لموضوعها ، وأوضح ضعفا ما ذكره من أن المجوز للرؤية هو الوجود ، وهو مشترك بين الواجب والممكن ، إذ المجوز ليس الوجود بلا قيد ، بشهادة أن النفسيات كالحسد والبخل والعشق والفرح لا ترى بالعين ، ورؤيتها بغيرها كحضورها عند النفس خارج عن محط البحث ، بل المصحح هو الوجود الواقع في إطار الجهة وطرفا للإضافة بين العين وطرفا للإضافة بين البصر والمبصر ، ومثل ذلك يساوي الوجود الإمكاني المادي .
ولضعف هذا النوع من الاستدلال نرى أن الشريف الجرجاني بعدما أطال البحث حول البرهان العقلي قال : إن التعويل في هذه المسألة على الدليل العقلي متعذر ، فلنذهب إلى ما ذهب إليه الشيخ أبو منصور الماتريدي من التمسك بالظواهر النقلية .
السابع : إن المنكرين للرؤية يفسرون قوله سبحانه : ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) بالانتظار ، وكلامهم حق في الجملة ، لكن أغلب من يذكر هذا التفسير لا يفرق بين المعنى بالمراد الاستعمالي والمعنى بالمراد الجدي .
وقد عرفت أن المعنى بالمراد الاستعمالي غير المعنى بالمراد الجدي ، فقد أريد من الجملة حسب الاستعمال الرؤية وأريد منها الانتظار جدا ، فمثلا تقول : إني أنظر إلى الله ثم إليك ، فالمعنى الابتدائي هو الرؤية ، ولكن المعنى الجدي هو الانتظار .
وهناك خلط آخر في كلامهم ، حيث لا يفرقون بين النظر المستعمل المتعدي ب‍ إلى والمتعدي بنفسه ، فلذلك يستدلون على أن الناظر في الآية بمعنى الانتظار بقوله تعالى : ( مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ) ( يس / 49 )
وقوله : ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ) ( الأعراف / 53 )

وقوله : ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) ( البقرة / 210 ) مع أن الاستشهاد في غير محله ، لأن كون اللفظة بمعنى الانتظار فيما إذا تعدت بنفسها غير منكر ، وإنما البحث فيما إذا كانت متعدية ب‍ إلى ، فعلى ذلك يجب التركيز في إثبات كونها بمعنى الانتظار على الآيات والأشعار التي استعملت وتعدت ب‍ إلى وأريد بها الانتظار .

الثامن : يقع بعض السطحيين في تفسير المقطع الأول من آيات سورة النجم ( 1 - 18 ) في خطأين : خطأ في إثبات الجهة لله سبحانه ، وخطأ في إثبات الرؤية للنبي ، وإليك الآيات ، ثم الإشارة إلى مواضع الاشتباه ، أعني قوله سبحانه : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ( النجم / 1 - 18 ).
إن الجمل التالية : ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) إلى قوله : ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) يؤكد على شدة اقتراب النبي من جبرئيل ، أي على بعد ما بين القوسين أو أدنى ، وهو تعبير عن منتهى القرب .
والضمائر كلها إلا المجرور في ( إِلَى عَبْدِهِ ) يرجع إلى جبرئيل الذي كني عنه بشديد القوى ، وأين هو من قربه ( صلى الله عليه وآله ) منه سبحانه . ومن التفسير الخاطئ هو إرجاع الضمير في قولنا ثم دنا فتدلى إلى النبي ، وتفسير الآية بقرب النبي من الله على أقرب ما يمكن ، وبالتالي تصور أن لله جهة وقربا وبعدا ، وبذلك يتضح خطأ من فسر الآية على نحو أثبت لله جهة وقربا .
إن المرئي في قوله : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) حسب الآيات المتقدمة هو الأفق الأعلى ، والدنو والتدلي والوحي ، وحسب الآية اللاحقة هو آيات الرب حيث قال : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )
ومن تلك الآيات هو جبرئيل الذي هو شديد القوى ، وأين الآية من الدلالة على رؤية النبي ربه .
ومن التفسير الخاطئ جعل المرئي في قوله : ( ما رأى ) هو الرب ، ومن حسن الحظ أن السنة أيضا تفسر الآية برؤية جبرئيل .
عن مسروق قال : كنت متكئا عند عائشة فقالت : يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية ، قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا ( ص ) رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، قال : وكنت متكئا فجلست ، فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ! ألم يقل الله عز وجل : ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) و ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) ؟ فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ( ص ) فقال : إنما هو جبرئيل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض ، فقالت : أو لم تسمع أن الله يقول : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ؟ أو لم تسمع أن الله يقول : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ؟
قالت : ومن زعم أن رسول الله ( ص ) كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) قالت : ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول : ( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) .
التاسع : إن للشيخ الجصاص الحنفي ( م / 370 ) كلاما رائعا في تفسير قوله سبحانه : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) وقد فسر الروايات الدالة على الرؤية بالعلم الضروري الذي لا يشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك ، ولأجل إيقاف القارئ على كلام ذلك المفسر الكبير الذي هو من السلف الصالح نذكر نص كلامه : قوله تعالى : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) يقال : إن الادراك أصله اللحوق ، نحو قولك : أدرك زمان المنصور ، وأدرك أبا حنيفة ، وأدرك الطعام ، أي لحق حال النضج ، وأدرك الزرع والثمرة ، وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال ، وإدراك البصر للشئ لحوقه له برؤيته إياه ، لأنه لا خلاف بين أهل اللغة إن قال القائل أدركت ببصري شخصا معناه : رأيته ببصري ، ولا يجوز أن يكون الادراك الإحاطة ، لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركا له ، فقوله تعالى : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) معناه : لا تراه الأبصار ، وهذا بمدح ينفي رؤية الأبصار كقوله تعالى : ( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ذم ونقص فغير جائز إثبات نقيضه بحال ، كما لو بطل استحقاق الصفة بلا تأخذه سنة ولا نوم لم يبطل إلا إلى صفة نقص ، فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال ، إذ كان فيه إثبات صفة نقص . ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله تعالى : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) لأن النظر محتمل لمعان ، منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف ، فلما كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه ، والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت ، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك ، لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة.
والله تعالى أعلم ورسوله صلى الله عليه وسلم من بعده .

حارث
01-11-2005, 03:58 PM
بالنسبة لما نقله السيد الزهرائى عن شرح تجريد الاعتقاد للطوسى وبالمناسبة نتساءل من هو صاحب تجريد الاعتقاد وماهو دوره فى تاريخ الإسلام ولماذا يعظمه الشيعة ؟
هل يستطيع السيد الزهرائى أن يلقى لنا الضوء على هذا الرجل ؟
أما بالنسبة لنفى الرؤية ونفى الضفات عموما كما لاحظنا من ميل الزهرائى إليه فهو مذهب الجهمية والمعطلة والذى نقله الشيعة عنهم لعجزهم عن صياغة مذهب كلامى فسماهم الناس ب(...) المعتزلة والجهمية على كل حال لا يسعنا هنا ردا على كلام الطوسى وشراحه إلا أن ننقل نحن عن ابن تيمية نصير الدين الحثيقى الذى حارب التتار وجاهدهم وكانت له مواقفه المشهودة فالشىء بالشىء يذكر !!
وأما الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي حنيفة وأبي يوسف وأمثال هؤلاء وسائر أهل السنة والحديث والطوائف المنتسبين إلى السنة والجماعة كالكلابية والأشعرية والسالمية وغيرهم فهؤلاء كلهم متفقون على إثبات الرؤية لله تعالى والأحاديث بها متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بحديثه وكذلك الآثار بها متواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وقد ذكر الإمام أحمد وغيره من الأئمة العالمين بأقوال السلف أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان متفقون على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار ومتفقون على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة منهم من نفى رؤيته بالعين في الدنيا ومنهم من أثبتها وقد بسطت هذه الأقوال والأدلة من الجانبين في غير هذا الموضع والمقصود هنا نقل إجماع السلف على أثبات الرؤية

بالعين في الآخرة ونفيها في الدنيا إلا الخلاف في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وأما احتجاجه واحتجاج النفاة أيضا بقوله تعالى لا تدركه الأبصار سورة الأنعام 103 فالآية حجة عليهم لا لهم لأن الإدراك إما أن يراد به مطلق الرؤية أو الرؤية أو الرؤية المقيدة بالإحاطة والأول باطل لأنه ليس كل من رأى شيئا يقال إنه أدركه كما لا يقال أحاط به كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال ألست ترى السماء قال بلى قال أكلها ترى قال لا ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال إنه أدركها وإنما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك وإنما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع بل المستدل بالآية عليه أن يبين أن الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية وأن كل من رأى شيئا يقال في لغتهم إنه أدركه وهذا لا سبيل إليه كيف وبين لفظ

الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص أو اشتراك لفظي فقد تقع رؤية بلا إدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية فإن الإدراك يستعمل في إدراك العلم وإدراك القدرة فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد كالأعمى الذي طلب رجلا هاربا منه فأدركه ولم يره وقد قال تعالى فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين سورة الشعراء 61 62 فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي فعلم أنه قد يكون رؤية بلا أدراك والإدراك هنا هو إدراك القدرة أي ملحوقون محاط بنا وإذا انتفى هذا الإدراك فقد تنتفى إحاطة البصر أيضا ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكره هذه الآية يمدح بها نفسه

سبحانه وتعالى ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح لأن النفى المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا ولأن المعدوم أيضا لا يرى والمعدوم لا يمدح فعلم أن مجرد نفى الرؤية لا مدح فيه وهذا أصل مستمر وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتا لا مدح فيه ولا كمال فلا يمدح الرب نفسه به بل ولا يصف نفسه به وإنما يصفها بالنفي المتضمن معنى ثبوت كقوله لا تأخذه سنة ولا نوم وقوله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وقوله ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وقوله ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم سورة البقرة 255 وقوله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض سورة سبأ 3 وقوله وما مسنا من لغوب سورة ق 38 ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصف الرب تعالى بها نفسه وأنها تتضمن اتصافه بصفات الكمال الثبوتية مثل كمال حياته وقيوميته وملكه وقدرته وعلمه وهدايته وانفراده بالربوبية والإلهية ونحو ذلك وكل ما يوصف به العدم المحض فلا يكون إلا عدما محضا ومعلوم أن العدم المحض يقال فيه إنه لايرى فعلم أن نفى الرؤية عدم محض ولا يقال في العدم المحض لا يدرك وإنما يقال هذا فيما لا يدرك لعظمته لا لعدمه وإذا كان المنفى هو الإدراك فهو سبحانه وتعالى لا يحاط به
منهاج السنة النبوية ج: 2 ص: 317-320

زهرائي
01-11-2005, 06:24 PM
دعك مما كتبه الطوسي أو غيره :
ما رأيك في الأحاديث المنقولة عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أنس وعن أبي هريرة والموجودة في البخاري ومسلم والتي نقلتها اليكم .
أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعضه ؟
ما لكم تستكبرون ؟
على الدوام تصبون جم غضبكم على الشيعية والصوفية حينما تفقدون المنطق والمنهجية وعندما يختلف معكم بقية المسلمين ، اين الوسطية التي تدعونها ؟ كل من خالفكم فهو كافر ؟
مرة أخري ما رأيك في الحاديث الموجودة في الصحيحين والتي نقلها أنس وعائشة رضي الله عنهما ؟
أرجو الإجابة يا حارث

حارث
01-12-2005, 01:08 AM
كل ما نقلته من أحاديث لا تنفى وقوع الروية فى الآخرة ..
دعك أنت من النقل عن نصير التتار وتعال ناقشنى فى دلالة تلك الأحاديث على ما تزعمه من نفى رؤية المؤمنين ربهم فى الأخرة ولنبدأ بأقواها دلالة على ذلك من وجهة نظرك .