المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انقسم المسلمون إلى جماعتين ...و السبب؟



المقتدي بالسلف
11-21-2004, 03:28 AM
إخواني في الله
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

هذه كليمات متواضعة جمعتها من بعض أقوال أهل العلم في مسألة رؤية الهلال و الحسابات الفلكية ، و قد عرضتها على أحد المشايخ السلفيين و هو أستاذ عقيدة في الجامعة الإسلامية فاستحسنها .

و قبل أن أعرض هذه الكليمات أحب أن أقول أنّ الدافع لجمع هذه المادة هو أن المسلمين عندنا في ملدوفا - أحد جمهوريات الإتحاد السوفييتي - انقسموا إلى قسمين ، الأول : احتفل معنا بيوم العيد في يوم السبت ، و الثاني في يوم الأحد .

و السبب في ذلك أننا اعتمدنا القول باتفاق المطالع و أعلنا عن العيد بعد إعلان المملكة ، أما جماعة الإخوان المفلسين عندنا فأعلنوا عن العيد قبل 4 أيام بحسب الحسابات الفلكية و هم يتبعون مجلس الإفتاء الأوروبي ، و عندما فوجؤا بخبر إعلاننا ، اجتمعوا في مركزهم 3 ساعات و اعلنوا بأنهم سيأخذوا بالقول الفقهي الثاني و هو أن كل دولة لها مطلعها و أخبروا الناس أنهم مع سوريا سيحتفلون في يوم الأحد . ثم شنوا بعدها الدعاية الإعلامية و حذروا الناس من خطورة متابعتنا و نشروا بين العوام أن شيخ مصلانا سيتحمل أوزار جميع من أفطر في ذلك اليوم ، إلى آخر ما بثوه .

فعزمنا على بيان الحق الذي رأيناه ، فقمتُ بجمع هذه الكليمات البسيطة ، و قد تعمدت الإختصار حتى لا يطول البُحَيْث، و سُمّيَ بـ ( إظهار الحق ) ، و سأتحدث عن النقاط التالية و بسرعة

* كيفية ثبوت دخول الشهر و خروجه في الشرع المطهر .
* هل يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية ؟
* هل مَطْلعُ جميع الدول واحد أم - مختلف ؟
* كيف يصوم أهل البلدان الأوروبية التي تتعذر فيها الرؤية الشرعية للهلال؟
* كيف يصوم مسلمو ملدوفا إذ تعذرت الرؤية الشرعية للهلال؟
* شُبَيْهَةٌ في الوهن كَـبَيْت العنكبوت .
* دعوة للتأمُّل .

فأسأل الله العلي العظيم أن ينفع بهذه الكليمات إخواني و أحبائي السلفيين . إنه ولي ذلك و القادر عليه .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه
أبو عمران أسعد بن أسامة بن أحمد
المسؤول الدعوي عن مؤسسة السنة الخيرية في ملدوفا


إظهار الحق

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الخلق أجمعين ، نبينا محمد و على آله و أصحابه إلى يوم الدين أما بعد : فَمِن منطلق إيماننا بقول ربنا عز و جل: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } وبقوله عز وجل : {و َالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } وبقول النبي صلى الله عليه وسلم :( الدين النصيحة) قيل : لمن يا رسول الله؟ قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) متفق عليه. وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) متفق عليه.
نضع بين يديك أخي الكريم هذه المادة العلميةً المختارة ، و القصد منها – و الذي فطر السماء بلا عمد – بيان الحق للناس عامة في مسألة تتعلق برؤية الهلال و مدى صحة الحسابات الفلكية .

و قبل الخوض في الموضوع دعْنا نطرقُ أذنك ببعضٍ من آيات ربنا جل جلاله و ببعضٍ من أحاديث نبينا محمد عليه الصلاة و السلام ، ولتكن حال قراءتها متجردا من كل هوى أو عصبية حتى تهتدي بهدايتها.لأنها مقدمة نافعة بإذن الله و لأنّ ما بعدها يرتكز عليها .
فنقول و بالله التوفيق و السداد : تأمل يا رعاك الله في قول ربنا سبحانه و تعالى :{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... }المائدة : 3 ، وقوله تعالى :{ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } الأنعام : 38. و قال النبي صلى الله عليه و سلم ( إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم . وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها ) رواه مسلم . وجاء في صحيح مسلم :أن يهودياً قال لسلمان علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة .فقال سلمان :نعم.علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم- أن لا نستقبل القبلة في بول أو غائط ولا نستدبرها.... ، فَبِموجب هذه النصوص و غيرها عُلِمَ أنّ دين الإسلام دينٌ كاملٌ شاملٌ ، لذلك جعله الله صالحاً لكل زمان و مكان . وقد عَلِم سبحانه بما سيكون لذلك قَدّر لكل شئ قدره ، و أخبر رسوله صلى الله عليه و سلم بكل ما ستحتاجه أمة إلى قيام الساعة . فإذا عُلِمَ ذلك ؛ بانَ لكل عاقل أنّ الدين الذي كان في عهد النبي عليه الصلاة و السلام هو الدين الذي سيبقى إلى قيام الساعة ، فلا يَحِق لكائن مَن كان أن يتعبد الله بشئ لم يأتي التنصيص عليه لا في كتابه و لا في سنة رسوله عليه الصلاة و السلام .

ويقول تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً}الأحزاب :36 .وقد قضى الله ورسوله أن يكون إثبات الصوم والفطر بالرؤية أو الإتمام ولا يجوز أن يكون لنا خيرة بعد ذلك ، فقال عليه الصلاة و السلام ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) رواه البخاري .
ويقول تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ... }النور : 63 . فليخش الذين يصرون على مخالفة الهدي النبوي في هذا الأمر أن تحل بهم هذه العقوبة .
ويقول: {إِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } النساء : 59 . وقد رددنا الأمر إلى الله والرسول كما سترى ، فوجدنا أن الحكم الفصل في هذه المسألة الرجوع إلى الرؤية أو إتمام العدة ثلاثين .
ويقول تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } النساء : 65 . وتحكيمه عليه الصلاة والسلام التام يقتضي العمل بقوله: ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه ) رواه البخاري .
ويقول: { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا... }النور : 54 . فإذا أطعناه في قوله : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، حصلت لنا الهداية بنص كتاب ربنا.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه، والعمل بالحساب – كما سنُثبتُ لك - في هذه القضية الشرعية أمر محدث فهو مردود.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) متفق عليه، ومن رغب عن الجادة الشرعية النبوية – وهي الرؤية – إلى غيرها فهو راغب عن سنته، عياذا بالله من الخذلان. وما أحسن قول من قال:

دعوا كل قول عند قول محمدِ فما آمنٌ في دينه كمخاطرِ

كما نوصيك أخي طالب الحق بأن تُصَبّرَ نفسك و لو قليلاً حتى تُنْهِيَ قراءة المنشور حتى النهاية . و نوصيك بالتجرد التام و عدم التعصب لأنه صفة ذميمة ، تحمل الإنسان على اتباع الهوى ، وتدفعه إلى الميل عن جادة الصواب ، وتحجب عينيه عن رؤية الحق ، فيخبط خبط عشواء ، وقد ذمَّ العلماء التعصب وحاربوه، وهذه بعض عباراتهم في ذلك :
* قال أبو نُعيم :( قاتل الله التعصب ما أشنع إخساره في الميزان ) حلية الأولياء 9/ 11.
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :( وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من الله ، فهو من عمل الجاهلية ، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) مجموع الفتاوى ج 11/ ص 28 .
* وقال الإمام ابن عبد الهادي الحنبلي :( وما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف وترك التعصب ) نصب الراية 1/355 .
* وقال العلامة ابن القيم في نونيته :
وتعرَّ من ثوبين من يلبسهما يلقى الردى بمذمةٍ وهوان
ثوب من الجهل المركب فوقه ثوب التعصب بئست الثوبان
وتحلَّ بالإنصاف أفخر حلة زينت بها الأعطاف والكتفان
واجعل شعارك خشية الرحمن مع نصح الرسول فحبذ الأمران

و اعلم أخي الكريم أن هذه المادة العلمية ، ستتناول المواضيع التالية :-

* كيفية ثبوت دخول الشهر و خروجه في الشرع المطهر .

* هل يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية ؟

* هل مَطْلعُ جميع الدول واحد أم - مختلف ؟

* كيف يصوم أهل البلدان الأوروبية التي تتعذر فيها الرؤية الشرعية للهلال؟

* كيف يصوم مسلمو ملدوفا إذ تعذرت الرؤية الشرعية للهلال؟

* شُبَيْهَةٌ في الوهن كَـبَيْت العنكبوت .

* دعوة للتأمُّل .

والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته


القسم الدعوي في مؤسسة السنة الخيرية
كيفية ثبوت دخول الشهر و خروجه في الشرع المطهر

س: ما معنى قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ }البقرة:189.؟

ج: يسألون عن الحكمة فيها ، يسأل الناس عن الحكمة لماذا وُجدت الأهلة ؟ فأخبرهم جل وعلا أنها مواقيت للناس والحج ، مواقيت يعرف بها الناس السنين والأعوام والحج هذه من الحكمة في خلقها ، إذا هل الهلال عرف الناس دخول الشهر وخروج الشهر فإذا كمل اثنا عشر شهراً مضت السنة ،وهكذا ، ويعرف الناس بذلك حجهم وصومهم ومواقيت ديونهم و عِدد نسائهم وغير ذلك من مصالحهم . مجموع فتاوى و مقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله . ج 15 / ص 59.

س: بم يثبت دخول شهر رمضان وكيف يعرف الهلال ؟

ج: بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله ، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه .
بعده : يثبت هلال رمضان بالرؤية عند جميع أهل العلم ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) رواه مسلم وفي اللفظ الآخر : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين ) رواه ابن حبان في صحيحه. وفي اللفظ الآخر:( أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ) رواه البخاري .
والمقصود أنه يصام بالرؤية ويفطر بالرؤية ، فإن لم ير وجب إكمال شعبان ثلاثين ثم يصومون ، ويجب إكمال رمضان ثلاثين ثم يفطرون ، إذا لم تحصل الرؤية ، أما إذا ثبتت الرؤية فالحمد لله .
فالواجب أن يصوم المسلمون بالرؤية رؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان ، و يصير شعبان ناقصاً و يصومون ، و هكذا لو رأوا الهلال ليلة الثلاثين من رمضان أفطروا لتسعٍ و عشرين ، أما إذا لم يَرَوْا الهلال أكملوا شعبان ثلاثين يوماً و كَمّلوا رمضان ثلاثين ؛ عملاً بالأحاديث ( صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته ، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ) و هذا النص يَعُمّ شعبان و يَعُمّ رمضان ، و في اللفظ الآخر : ( فإن غُمّ عليكم فصوموا ثلاثين) . و الهلال يَثْبُتُ بشاهدٍ واحد في دخول رمضان ، شاهِدٌ عَدْلٌ عند جمهور أهل العلم ؛ لِما ثَبَتَ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :( تَراءى الناس الهلال فَأَخبرتُ النبي صلى الله عليه و سلم أني رأيته ، فصام و أَمَر الناس بالصيام ) رواه أبو داود ، و لمّا ثبت عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنّ أعرابياً شهِد عنده بأنه رأى الهلال ، فقال صلى الله عليه و سلم : ( أَتَشْهدُ أن لا إله إلا الله ، و أني رسول الله ) قال : نعم ، فَأمر بالصيام . رواه الترمذي . فالهلال إذا رآه عَدل في الدخول وَجَبَ الصيام به ، أما الخروج فلا بد من شاهدَيْن عَدْليْن ، و هكذا بقية الشهور لا تَثبت إلا بشهادة عَدليْن.. مجموع فتاوى و مقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله . ج 15 / ص 59 – 62 .

هل يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية ؟

اعلم رحمك الله أنه لا يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية في تحديد دخول و خروج شهر رمضان و غيره ، و قد أجمع علماء السنة قديماً و حديثاً على ذلك ، و هاك طالبَ الحق بعض أقوالهم :

• ذكر القرافي - أحد كبار علماء المالكية - في كتابه الفروق، كلاما نفيسا في بيان بطلان الاعتماد على الحساب في إثبات الصوم والفطر، ومما نقله فيه في 2/178 ( قال سند من أصحابنا - من علماء المالكية - : فلو كان الإمام - يقصد الحاكم أو الوالي - يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يُتبع لإجماع السلف على خلافه ). فلاحظ يا رعاك الله كيف نقل الإجماع على ترك العمل بالحساب.

• ومثله ما نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في الفتح ج 4 / ص 127 عن أبي الوليد الباجي : مِن إجماع السلف على عدم الاعتداد بالحساب ، و أنّ إجماعهم حجة على من بعدهم .

• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ج 25 / ص 132 ( فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يُرَى أو لا يُرَى لا يجوز ، والنصوص المستفيضة عن النبي بذلك كثيرة ،وقد أجمع المسلمون عليه ولا يُعرف فيه خلافٌ قديمٌ أصلاً ، ولا خلافٌ حديثٌ إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غُمًّ الهلالُ جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب ، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدا بالإغمام ، ومختصا بالحاسب ، فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه ، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم ) .

• قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى " الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على عبد الله و رسوله محمد و على آله و أصحابه و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فَقَد كَثُر الكلام حول العمل بالحساب الفلكي في دخول شهر رمضان و خروجه و تحديد الأعياد ، فرأَيْتُ إيضاح الحكم و بيانه لعامة الناس في هذه البلاد و غيرها ليكونوا على بصيرة في عبادتهم لربهم ، فأقولُ و بالله التوفيق :
إنّ الله سبحانه وتعالى عَلّقَ بالهلال أحكاماً كثيرة كالصوم و الحج و الأعياد و العدد و الإيلاء و غيرها ؛ لأن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار و مِن أصح المعلومات ما شُوهِدَ بالأبصار ، و لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم جَعَلَ الحُكمَ مُعَلّقاً على الرؤية وحدها ؛ لأنها الأمر الطبيعي الظاهر الذي يستطيعه عامة الناس ، فلا يحصُل لبس على أحد في أمر دينه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا) ، يعني مرة تسعةً وعشرين ومرةً ثلاثين ) البخاري ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) البخاري ، ومن هذا يتبين أن المعول عليه في إثبات الصوم والفطر وسائر الشهور هو الرؤية أو إكمال العدة ، ولاعبرة شرعاً بمجرد ولادة القمر في إثبات الشهر القمري بدءاً وانتهاء بإجماع أهل العلم المعتد بهم مالم تثبت رؤيته شرعاً . و هذا بالنسبة لتوقيت العبادات ، و مَن خالف في ذلك مَنَ المُعاصرين فمَسبوقٌ بإجماع مَنْ قبله و قولُه مردود ؛ لأنه لا كلام لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا مع إجماع السلف ". مجموع فتاوى و مقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله . ج 15 / ص 109 – 110 .
و قال رحمه الله أيضاً " وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة صنفها في هذه المسألة إجماع العلماء أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة وهو رحمه الله من أعلم الناس بمسائل الإجماع والخلاف. والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها تدل على ما دل عليه الإجماع المذكور.
ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والنظارات على رؤية الهلال ولكني أقصد منع الاعتماد عليها أو جعلها معيارا للرؤية لا تثبت إلا إذا شهدت لها المراصد بالصحة أو بأن الهلال قد ولد فهذا كله باطل، ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها وفي إمكان رؤيته أو عدمها ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته لم يكن إجماعهم حجة؛ لأنهم ليسوا معصومين بل يجوز عليهم الخطأ جميعا، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية لأنهم إذا أجمعوا دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها لا تزال على الحق إلى يوم القيامة، وأما الاحتجاج بالكسوف فمن أضعف الحجج لأنه لا يوجد نص من كتاب الله عز وجل ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يدل على أن الخسوف للقمر لا يقع إلا في ليالي الأبدار وأن الكسوف للشمس لا يكون إلا أيام الاستسرار كما يقوله بعض العلماء بل قد صرح جمع من أهل العلم بأنه يجوز أن يقع في كل وقت، وذكر غير واحد منهم أنه يمكن وقوعه في يوم عيد الفطر وعيد النحر، وهذان اليومان ليسا من أيام الأبدار ولا من أيام الاستسرار فنقابل من قال إنه لا يقع الخسوف إلا في ليالي الأبدار وأيام الاستسرار بقول من قال إنه يمكن وقوعه في كل وقت وليس قول أحدهما بأولى من الآخر، وتسلم لنا الأدلة الشرعية التي ليس لها معارض... ".
ويكفي أن تعلم أيها الموفق أن سلف القائلين بالعمل بالحساب – الذي يسمى: التسيير – هم الروافض، وبئس السلف هم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في كتابه فتح الباري 4/127 : ( وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك – أي في باب الأهلة في الصوم والفطر – وهم الروافض، ونُقل عن بعض الفقهاء موافقتهم ).




هل مَطْلعُ جميع الدول واحد أم مختلف ؟

المعروف من أقوال أهل العلم أنّ هناك قولان فقهيان قويان في هذه المسألة :
القول الأول : اتـفاق مطلع جميع الدول ، فإذا رُؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين ؛ لَزِم المسلمين جميعاً في كل الدول الصيام ، و دليلهم في المسألة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام أَمَرَ باعتماد الرؤية و لم يُفصّل في ذلك ، و قد صح عنه أنه صلى الله عليه و سلم قال ( صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته ، فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) متفق عليه ، و قوله صلى الله عليه و سلم ( لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ، و لا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ) و لم يُشِر صلى الله عليه و سلم إلى اختلاف المطالع و هو يعلم ذلك ، كما استدلوا بعموم قوله تعالى { فَمَن شهد منكم الشهر فليصمه } و الخطاب في الآية عام لجميع المسلمين . و مِن القائلين بهذا القول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله .

القول الثاني : أن لكل دولة مطلعها ، فإذا ثبت الهلال في دولة لم يلزم ذلك الدولة الأخرى إنْ لم تكن تشترك معها في المطلع ، و استدلوا بما بما ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه لم يعمل برؤية أهل الشام. وكان في المدينة - رضي الله عنه- وكان أهل الشام قد رأوا الهلال ليلة الجمعة وصاموا بذلك في عهد معاوية - رضي الله عنه - أما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة السبت، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - لما أخبره كريب برؤية أهل الشام وصيامهم: نحن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العد. واحتجوا بقول النبي- صلى الله عليه وسلم- ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) الحديث. وهذا قول له حظه من القوة.. وقد رأى القول به أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية و الشيخ ابن العثيمين و شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى.
و جاء في جواب لللجنة الدائمة و الإفتاء ما يلي ( مسألة اعتبار اختلاف المطالع و عدم اعتباره من المسائل النظرية التي للإجتهاد فيها مجال ، و الإختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم و الدين ، و هو من الخلاف السائغ الذي يُؤجر فيه المصيب أجرين : أجر الاجتهاد ، و أجر الاصابة ، و يُؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد... ) . ج 10 / ص 102 - 103

و مما سبق يتبين لك طالب الحق أن اعتماد الحسابات الفلكية لا يجوز شرعاً ، و أن اختلاف الفقهاء واقع في اتفاق المطالع ام اختلافها بالنسبة لرؤية القمر .

كيف يصوم أهل البلدان الأوروبية التي تتعذر فيها الرؤية الشرعية للقمر؟

جاء في سؤال وُجّه لللجنة الدائمة و الإفتاء و نصه : إنه من غير الممكن رؤية الهلال بالعين المجردة قبل أن يصبح عمره ثلاثين ساعة ، و بعد ذلك فإنه من غير الممكن رؤيته بسبب حالة الجو ، آخذين بعين الإعتبار هذا الوضع ، فهل يمكن لسكان انجلترا استعمال المعلومات الفلكية لهذ البلد في حساب الموعد المحتمل لرؤية القمر الجديد ، و موعد بدء شهر رمضان ، أم يجب علينا رؤية القمر الجديد قبل بدئنا بصوم شهر رمضان المبارك ؟
الجواب : تجوز الإستعانة بآلات الرصد في رؤية الهلال و لا يجوز الإعتماد على العلوم الفلكية في إثبات بدء شهر رمضان المبارك أو الفطر ، لأنّ الله لم يشرع لنا ذلك لا في كتابه و لا في سنة نبيه صلى الله عليه و سلم ، و إنما شرع لنا إثبات بدء شهر رمضان و نهايته برؤية هلال شهر رمضان في بدء الصوم و رؤية هلال شوال في الإفطار و الاجتماع لصلاة عيد الفطر و جَعَلَ الأَهِلّة مواقيتَ للناس و للحج ، فلا جوز لمسلم أن يُوَقّت بغيرها شيئاً من العبادات من صوم رمضان و الأعياد و حج البيت و الصوم في كفارة القتل خطأً و كفارة الظهار و نحوها ، قال الله تعالى { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ، و قال تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } ، و قال صلى الله عليه و سلم ( صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته ، فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) متفق عليه . و على ذلك يجب على مَنْ لم ير الهلال في مطلعهم في صحوٍ أو غيم أن يُُتموا العدة ثلاثين إن لم يره غيرهم في مطلع آخر ، فإن ثبت عندهم رؤية الهلال في غير مطلعهم لَزِمَهم أن يَتّبِعوا ما حَكَمَ به ولي الأمر العام المسلم في بلادهم من الصوم أو الإفطار ، لأنّ حكمه في مثل هذه المسألة يرفع الخلاف بين الفقهاء في اعتبار اختلاف المطالع و عدم اعتباره ، فإنْ لم يكن ولي أمرهم الحاكم في بلاده مسلماً عملوا بما يَحْكُمُ به مجلس المركز الإسلامي في بلادهم من الصوم تبعاً لرؤية الهلال في غير مطلعهم أو الإفطار عملاً باعتبار اختلاف المطالع . اهـ فتاوى اللجنة ج 10 / ص 98 – 100 .
كيف يصوم مسلمو ملدوفا إذ تتعذرت الرؤية الشرعية للقمر؟

مما سبق يتبين لك أخي الكريم طالب الحق – وفقك الله إلى ما يُحبُ و يرضى – أنّ على القائمين على مؤسسة السنة الخيرية و جمعية الثقافة الإسلامية " السلام " تشكيل لجنة خاصة لتحري رؤية هلال شهر رمضان ، فإن غُم عليهم ؛ فَلَهَم اختيار أحد القولين الفقهيين :
• إما أن يصوموا و يُفطروا مع أول دولة إسلامية تتحرى رؤية الهلال رؤية شرعية .
• أو أن يصوموا و يُفطروا مع أقرب دولة إسلامية تتحرى رؤية الهلال رؤية شرعية .

و أنه لا يجوز تحديد دخول شهر رمضان أو خروجه اعتماداً على الحسابات الفلكية ، كما لا يجوز شرعاً الأخذ بفتوى مجلس الإفتاء الأوروبي لأنهم يعتمدون على تِلْكم الحسابات التي أجمع علماء المسلمين قديماً و حديثاً على عدم مشروعيتها .

وهذه فتوى للشيخ ابن العثيمين في المسألة: سئل رحمه الله عن بعض المسلمين في بلاد الكفار وعندهم منظمة إسلامية تثبت الصيام والفطر عن طريق الحساب.

فقال الشيخ رحمه الله ( وأما إن كانت الوسائل التي تعتمد عليها المنظمة وسائل حسابية لتقدير درجات منازل القمر فإنه لا يصح اعتماد المنظمة ولا اعتمادكم أنتم عليها، لأنه اعتماد على غير ما اعتبره الشارع وهو رؤية الهلال، فإذا لم يكن للمنظمة سوى هذه الوسيلة الحسابية فلا تعتمدوا عليها، واعتبروا أقرب البلاد الإسلامية إليكم فاتبعوها في صومكم مادام لا يمكنكم تحري الهلال في البلد الذي أنتم فيه، لأن هذا غاية ما تستطيعون، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين 19/59 .

شُبَيْهَةٌ في الوهن كَبَيت العنكبوت

إنّ من العجب العجاب أن يُقال ( لماذا تعتمدون على الحسابات الفلكية في مواقيت الصلاة و لا تعتمدونها في دخول هلال شهر رمضان و خروجه ) .
و جوابنا على هذه الشُّبيْهَةِ أن نقول : إنّ مواقيت الصلاة شيء ، و إثبات دخول الهلال شيء آخر . فالأول - أي مواقيت الصلاة- أمرٌ تقريبي تقديري يَعتمد على دخول الوقت فقط ، فهو إذاً غير مُلزم .
و مثال ذلك أن يُقال : لو زالت الشمس عن كبد السماء في الساعة 12 ظهراً مثلاً، و كان المكتوب في مواقيت الصلاة أن صلاة الظهر تبدء في الساعة 12:15 ظهراً . فإنا نقول : عليك بالتزام ما رأيت من زوال الشمس . و عليه إنْ صلّيْتَ الظهر في الساعة 12:05 فصلاتك صحيحة إن شاء الله تعالى . فالمسألة تقريبية لأنّ وقت الصلاة مفتوح ، أما بالنسبة لدخول الهلال فلا تقدير في المسألة و لا تقريب . هذا أولاً .

ثانياً : من الأدلة على أن تواقيت الصلاة تقريبية و ليست دقيقة ، ما قام به بعض الجمعيات في هذه البلاد من تغيير تواقيت الصلاة أكثر من مرتين على الأقل في خلال الخمس سنوات الماضية لمّا تبيّن لهم خلاف ذلك . فلو كانت الحسابات الفلكية لتواقيت الصلاة صحيحة قطعية لما غيّروها أكثر من مرة ، و في تغييرها أكبر دليل على أن الحسابات الفلكية قد تخطئ و قد تُصيب . فَعُلِمَ من ذلك أنّ تواقيت الصلاة ليست معتبرةً و ما هي إلا حسابات تقريبية ، و نحن لا نُلزم الناس بها ، و إنما العبرة بدخول الوقت . فَلْيُتَنبّه لذلك .

ثالثاً : سؤال نُوجِهُهُ إلى كل مَن يقول بتلك الشُّبيْهَةِ ( هل دقة الحسابات الفلكية في تعيين هلال رمضان و غيره كـ دقة الحسابات الفلكية في تعيين مواقيت الصلاة أم لا ؟ ) .

فإن قال : نعم ؛ دقة الحسابات الفلكية في تعيين هلال رمضان و غيره كـدقة الحسابات الفلكية في تعيين مواقيت الصلاة . قلنا : فهذا إثباتٌ منه أنّ الحسابات الفلكية قد تخطئ ، و مصداق ذلك تغييرهم لتواقيت الصلاة أكثر من مرة .

و إن قال : لا ؛ دقة الحسابات الفلكية في تعيين هلال رمضان و غيره ليست كـدقة الحسابات الفلكية في تعيين مواقيت الصلاة . قلنا : فهذا إثباتٌ منه أيضاً أنّ الحسابات الفلكية قد تخطئ ، فلماذا هذه الزوبعة التي لا فائدة منها ، و لماذا تُلزمون الناس بأمر غير دقيق قابل للخطأ ، و لماذا تُحاوِلون إفهام العامة أن الأمرين مُتشابهان ، بينما الحق خلاف ذلك ، فمواقيت الصلاة شيء ، و إثبات دخول الهلال شيء آخر .

سارت مُشَرّقة و سِرْتَ مُغَرِّباً شتّان بين مُشَرّقٍ و مُغَرِّبِ

و خلاصة الأمر أننا نقول بأن تواقيت الصلاة التي بين أيدينا يُمكن الاستعانة بها في تعيين الوقت ولكنها ليست المستند في الأمر و لا يُعوّل عليها كل التعويل على خلاف من يقول بحجية الحسابات الفلكية و بأنها المعتبرة في الشرع . فَلْيُتَنبّه لذلك .

وقد ذكر القرافي رحمه الله في هذا الموضع الفرقَ بين اعتماد الحساب في إثبات أوقات الصلوات وعدم اعتماده في رمضان، وسنذكر لك ملخص ما قال: ( وهو أن وقت الصلاة معلق بحصول السبب وهو دخول الوقت، كقوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس، فعُلم أن الحكم معلق بالدلوك - وهو الزوال - في الظهر وليس برؤيتنا له – وهكذا في سائر الصلوات - وعليه فمن علم هذا السبب بأي طريق كان لزمه حكمه، فلذلك اعتُبر الحساب مفيدا لمعرفة أوقات الصلوات.

وأما في الأهلة فالله تبارك وتعالى لم يجعل مجرد خروج الأهلة من الشعاع سببا للصوم أو الفطر – كما هو الحال في أوقات الصلوات – وإنما جعل السبب رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس أو إكمال العدة ثلاثين، كما في الحديث صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته... ولم يقل لخروجه من شعاع الشمس – كما قال في الصلاة : أقم الصلاة لدلوك الشمس - .والخلاصة أنه فرق بين جعل سبب الصوم أو الفطر خروج الهلال وبين جعل السبب رؤية الهلال، والشرع ربط الحكم بالثاني دون الأول، فلم يجز الاعتماد على الحساب لأنه ليس رؤية له ) .

دعوة للتأمُّل

و بعد أن عرضنا لك أخي العزيز الأدلة الشرعية من كتاب الله و من سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و من إجماع السلف الصالح رحمهم الله ، و التي بيّنت و بكل وضوح أن المشروع في تحديد دخول الشهر و خروجه هو رؤية الهلال ، فَهَل يليقُ بمسلم أن يدعها و أن يضرب بها عرض الحائط ثم يذهب ليأخذ أقوال أصحاب النجوم و الكواكب من الفلكيين .
هل هان كلام الله سبحانه و كلام رسوله صلى الله عليه و سلم إلى هذا الحد، و أصبح يُقارنُ كلامهما بأقوال الفلكيين بل و يُرد.

أقول له : العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة سادةُ الأجيال
فيقول لي : شيخي قال لي عن فَلَكِهِ و الفَلَكُ عندي عُمْدةُ الأقوال
فإنا لله و إنا إليه راجعون
و اعلم أخي الكريم – وفقنا الله و إياك لمرضاته – أنّ الإعتماد على الحسابات الفلكية هو أحد الأسباب الرئيسة في تفرق المسلمين و عدم اتفاقهم في تعيين دخول و خروج الشهر ، و تأمل معي و لو للحظة واحدة في هذا السؤال : أيُّهما كان أسبق، الإعتماد على الرؤية الشرعية أم الإعتماد على الحسابات الفلكية ؟ . و لا شك أن يُقال : أن الإعتماد على الرؤية الشرعية كان الأسبق ، بل كان الأصل في المسألة ، و سار عليه النبي الكريم عليه صلوات ربي و السلام ، و سار عليه من بعده صحابته الكرام و التابعون لهم بإحسان ، حتى ظهرت هذه الحسابات .
إذاً فالأمة كانت تعتمد على الرؤية الشرعية حتى جاء أؤلئك الفلكيون و عرضوا بضاعتهم الكاسدة ، فوافقهم على ذلك بعض المتفقّهة الحادثين ، ثم انقسمت الأمة بعدها بين معارض و مؤيد . إذاً فَمَن السبب في إفتراق الأمة
هل الذي يتمسّك بما كان عليه إجماع السلف الصالح يَكونُ هو المُفرّقُ للأمة و المُشتّتُ لها .
هل يَكونُ مَن اعتمد على الرؤية فقط هو المُنفّرُ و هو المتخلف الرجعي .
هل يَكونُ مَن رفض الحساب الفلكي لأنّ السلف أجمعوا على عدم مشروعيته هو المُتعصّب و المُتحزب .
و هل ... و هل... و هل....
فإن بانَ لك المقصود و علِمتَ أنّ المسلمين كانوا على رأيٍ واحد و هو الذي شرعه الله و رسوله ؛ علمتَ مدى الفتنة التي أحدثها أؤلئك الفلكيون و مَن اتبع أقوالهم .
وأخيرا فإننا ندعوا إخواننا المسلمين جميعا إلى تأمل ما جاء في كتاب ربنا وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام،و إلى العمل بمقتضى ذلك وترك التعصب للآراء والأشخاص، والانصياع لسلطان الحق المبني على الكتاب والسنة، تحقيقا لقول الباري عز شأنه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} جعلنا الله منهم، وثبتنا على ذلك حتى نلقاه، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.


القسم الدعوي في مؤسسة السنة الخيرية

شوال 1425 هـ

سيف الكلمة
11-22-2004, 02:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين

لتبسيط الأمر
الحكم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته
ولو أراد مولد الهلال لقال صوموا لمولده
والحساب الفلكى يحدد مولد الهلال وقد يتعذر رؤيته بعد مولده

ويؤيد ذلك (وإن غم عليكم )
فإن غم علينا نكمل ثلاثين يوما

ولا يغم على بلاد المسلمين كلها فى وقت واحد
فالحكم إقليمى