المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هؤلاء العلماء تابوا ... من عقائدٍ ضالة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة



المنهج
08-30-2004, 02:21 PM
عبدالقادر بن بدران الدمشقي نبذ الصوفية ولزوم منهج السلف

هو الإمام العلامة المحقق المفسر المحدِّث الأصولي الشيخ عبدالقادر بن أحمد بن مصطفى ببن بدران الدمشقي –رحمه الله تعالى- ، ولد عام (1280–1346هـ) في بلدة "دوما"

عاش ابن بدران في بيئة كانت فيها الصوفية منتشرة ، والجهل فيها متفشٍ ، وقد قرأ على بعض الشيوخ الذين كان مسلكهم صوفياً ، وصرح بفضل الله عليه ، وأنه اتبع منهج السلف ، الذي هو أحكم والقرون المفضلة ، ومنهج الأئمة المصلحين.

يقول في هذا الصدد: ( إنني لما مَنَّ عليَّ بطلب العلم ، هجرت له الوطن والوسَن ، وكنت أطوف المعاهد لتحصيله وأذهب كل مذهب ... فتارة أطوح بنفسي فيما سلكه ابن سينا ... وتارة أتلقف ما سكبه أبو نصر الفارابي من صناعة المنطق ... ثم أجول في ميادين العلوم مدة – فارتدَّ إليَّ الطرف خاسئاً وهو حسير ... فلما هِمْتُ في تلك البيداء ، ناداني منادي الهدي الحقيقي: "هلمّ الشرف والكمال ، ودع نجاة ابن سينا الموهمة إلى النجاة الحقيقية ، وما ذلك إلا بأن تكون على ما كان عليه السلف الكرام من الصحابة والتابعين ، والتابعين لهم بإحسان ... ) فهنالك هَدأَ روعي ، وجعلت عقيدتي كتاب الله ، أكِلُ علم صفاته إليه بلا تجسيم ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل ، وانجلى على ما كان على قلبي من رَيْن أورثَته قواعدُ أرسطوطاليس ، وقلت ما كان إلا من النظر في تلك الوساوس والبدع والدسائس ... إن مَن اتبع هواه هام في كل وادٍ ، ولم يبالِ بأي شِعب سلك ولا بأي طريق هلك ... ) [المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران ص42-43]

هذا جانب من عقيدته ، وهناك جانب آخر لا يقلّ عنه أهمية ، ألا وهو نبذ الخرافة والبدع المنكرة من الصوفية ، التي تختلق الكرامات وتنقلها عن أقطابها.

من ذلك قوله –رحمه الله-: "أقول إن نقل الكرامات أصبح أمراً عسيراً ، لأن أصحاب الرجل (الولي والشيخ) يستعملون الغلو دائماً ، والأخبار تحتمل الصدق والكذب ... " ثم ينقل عن المتصوفة قصصاً وأخبراً عجيبة في هذا المجال [منادمة الأطلال ومسامرة الخيال]

يقول الشيخ محمد بن ناصر العجمي متحدثاً عن عقيدة ابن بدران:
وحدثني الأديب الكبير علي الطنطاوي ، حينما سألته عن العلامة ابن بدران فقال: "كانت الوهابية تُعَدُّ تهمة خطيرة مخيفة ، وكانوا يحذروننا من الاجتماع بهم ، فوقفت مرة في حلقة ابن بدران ، العالم الحنبلي المعروف ، وكان هناك طلاب يمرّون في الأسواق ، فرأوني في حلقة ابن بدران وقدّموا فيّ تقريراً إلى المشايخ ، فضُربت (فلقة) في رجلي" [علامة الشام:عبدالقادر بن بدران ص22]
وسبب ذلك أن ابن بدران كان على منهج السلف ، ودمشق آنذاك ، وكذلك أكثر المدن السورية ، كانت على جمود المتصوفة ، والبعد عن مرونة العلماء المجتهدين في أيام الدولة العثمانية.

فقد كان ابن بدران يظهر تعلقه بأئمة السلف: ابن تيمية وابن القيم الجوزية ، فيقول: "كان ابن تيمية على منهاج ما كان عليه الصحابة والتابعون بإحسان ، ويناهض حصون العادات السيئة والبدع ، فيدُكّها ولا يخشى في الله لومة لائم .. فهبّ قوم قصروا عن مداه ، فعاندوه حسداً وبغياً .. ولاشك أنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ، فعليه رحمة الله تعالى" [الفتاوى القازانية ص207]

أما مذهبه فقال محمد بن سعيد الحنبلي: "... وكان شافعياً ثم تحنبل ، وسبب ذلك – كما قاله بعض الخواص عنه:
" كنت في أول عمري ملازماً لمذهب الإمام الشافعي –رحمه الله- سالكاً فيه سبيل التقليد ، ثم منَّ الله عليّ فحبب إليّ الاطلاع على كتب التفسير والحديث وشروحها ، وأمهات كتب المذاهب الأربعة ، وعلى مصنفات شيخ الإسلام وتلميذه الحافظ ابن القيم ، وعلى كتب الحنابلة ، فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني من غير تحزب لمذهب دون مذهب ، فرأيت أنَّ مذهب الحنابلة ، أشد تمسكاً بمنطوق الكتاب العزيز والسنَّة المطهرة ومفهومها ، فكنت حنبلياً من ذلك الوقت" [نبذة في ترجمة ابن بدران في آخر كتاب المدخل]

لقد تميز ابن بدران بالعفة والأدب والعلم والتقوى ، مع الزهـــــد في حطــام الدنيا ..

وقد أثنى عليه كل عالم منصف يعرف قدره وفضله:
قال عنه الزركلي:
" فقيــه أصولي ، عارف بالأدب والتاريخ كاره للمظاهر ، يقنع بالكفاف ، لا يُعنى بملبس أو بمأكل ، ضعف بصره قبل الكهولة ، وفلج في أعوامه الأخيرة" [الأعلام 1/37]
وقال الأستاذ أدهم الجندي:
"وبرع ابن بدران في سائر العلوم العقلية والأدبية والرياضية ، وتبحر في الفقه والنحو ، فكان –رحمه الله- علماً من الأعلام"
وقال: "كان شيخاً جليلاً زاهداً في حطام الدنيا ، متقشفاً في ملبسه ومسكنه ومعيشته .. " [أعلام الأدب والفن: 1/224-225]
وقال عنه محمد تقي الدين الحصني:
" .. كان سلفيَّ العقيدة ، يبح التقشف ويميل بطبعه إلى الانفراد عن الناس ، والبعد عن الأمراء ، وله اختصاص في علم الآثار
والكتب القديمة ، ومعرفة أسماء الرجال ومؤلفاتهم من صدر الإسـلام إلى اليوم" [منتخبات التواريخ لدمشق:2/762-763]
وقال الشيخ محمد بن السعيد العثماني:
" كان –رحمه الله- شيخاً جليلاً مقتفياً لطريقة السلف الصالح مدافعاً عنها ، صابراً على أذى الأعداء فيها ، تاركاً للتعصب ، مع الدين والتقوى والعفة والصلاح .. " [نبذة من ترجمة ابن بدران في آخر المدخل]
وقال العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار في كلامه عن شيخيه جمال الدين القاسمي وابن بدران:
"وكانت صلة ابن بدران بالقاسمي حسنة ، وكان للشيخين أمل كبير وسعي عظيم ، وفي تجديد النهضة الدينية العلمية في ديار الشام ، فقد أشبها –رحمهما الله- أئمة السلف تعليماً للخواص ، وإرشاداً للعوام ، وتأليفاً للكتب النافعة ، وزهداً في حطام الدنيا الزائلة" [مقدمة منادمة الأطلال]
وقال محب الدين الخطيب حين ذكر وفاته في مجلة الفتح:
" هو –أي ابن بدران- من أفاضل العلماء .. تلقى العلم عن المشايخ مدة خمس سنوات ، ثم انصرف إلى تعليم نفسه بنفسه ، فكان من أهل الصبر على التوسع في اكتساب المعارف ، من العلوم الشرعية والأدبية والعقلية ، وهو حنبلي المذهب .. " [الفتح،العدد 67]


وقد عُينَّ مُفتياً للحنابلة ، ومُدرساً بالجامع الأموي .. وغير ذلك ..

وقد ابتلي كثيراً ، من الحكام ومشايخ الدولة ، والصوفية ، والجهلة الأغمار ، وكان يشتكي من التعدي والحسد ، وتألبهم عليه ، يقول البارودي: " الشيخ ابن بدران أحد فقهاء قصبة دوماء ، وهو من العلماء المجددين . كان جريئاً لا يهاب أحداً ... " ثم ذكر أن من جرئته أعترض على بعض مخالفات رئيس بلدية دوما صالح طه ، فأصدر صالح طه أمراً من الوالي بإبعاد الشيخ ابن بدران عن دوما ، فانتقل إلى دمشق مدة سنيتن حتى انتهت مدة نفيه ، وقد أفاد أهل دمشق وانتشرت دعوته الإصلاحيـة السلفية ، وخدم تاريخ دمشق بتهذيب تاريخ دمشق ، وألف [الروض الباسم في تراجم المفتين بدمشق الشام]

ولقد ألف ابن بدران المؤلفات الكثيرة ، التي تشهد له بالفضل وسعة الاطلاع ، غير أن بعضها لم يكتمل ، بسبب ما أصيب به من داء الفالج في آخر عمره .. وقد بلغت مصنفاته (46 مصنفاً) . وفيما يلي ذكر أهم تلك المصنفات:
1 – المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل
2 – منادمة الاطلال ومسامرة الخيال
3 – الروض الباسم في تراجم المفتين بدمشق الشام
4 – العقود الدرية في الأجوبة القازانية
5 – العقود الياقوتية في جيد الأسئلة الكويتية
6 – حاشية الروض المربع شرح زاد المستنقع "الجزء الأول"
7 – تعليق على لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة
8 – تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر "يقع في ثلاثة عشر مجلداً"
9 – تاريخ دوما منذ فجر الدولة العباسية حتى القرن الرابع عشر الهجري
10 – الآثار الدمشقية والمعاهد العلمية
11 – شرح روضة الناظر لابن قدامة
12 – ديوان تسلية اللبيب عن ذكر حبيب


وقد تتلمذ على يديه خلقٌ كثير ، من أبرزهم:
1 – المؤرخ خير الدين الزركلي ، صاحب كتاب الأعلام.
2 – العلامة محمد صالح العقاد الشافعي ، الذي كان يقال عنه: "الشافعي الصغير"
3 – العلامة المؤرخ محمد أحمد دهمان ، وهو من أخص طلابه ، وقد أسس في حياة شيخه المطبعة والمكتبة السلفية بدمشق ، حيث طبع مؤلفات شيخه ابن بدران.
4 – الأديب الشاعر محمد سليم الجندي ، من أعضاء المجمع العلمي في دمشق ، قال علي الطنطاوي عنه: " ما أعرف تحت أديم السماء أعلم منه بالعربية وعلومها" [دمشق للطنطاوي 114]
5 – الشاعر الأديب محمد بن محمود البزم ، ترجم له الزركلي في الأعلام.
6 – فخري بن محمود البارودي ، من رجال السياسة والأدب.
وعلمـــاء آخرون ، إذ أنجب تلامذة أصبحوا أعلاماً خالدين ، كما يقول أدهم الجندي في كتابه "أعلام الأدب والفن" 1/225


وقد أصيب آخر حياته بمرض الفالج ، فنقل للمستشفى وظل فيه ستة أشهر ، ثم خرج ، وتوفي – رحمه الله- في ربيع الثاني 1346. ودفن في مقبرة الباب الصغير بدمشق.

* غالب هذه الترجمة استفادتها من كتاب [عُلماء الشام في القرن العشرين]

المنهج
08-30-2004, 02:27 PM
علامة الشــام محمد بهجة البيطار من بيت غلاة الصوفية إلى إتباع السلفية

محمد بهجة بن محمد بهاء الدين البيطار ، العالم الفقيه ، والمصلح الأديب ، والمؤرخ الخطيب ، ولد بدمشق في أسرة دمشقية عريقة ، جدها الأعلى من الجزائر.

كان والده من شيوخ دمشق ، ومن مشايخ الصوفية الغلاة ، يقول الطنطاوي:
" ومن أعجب العجب ، أن والد الشيخ بهجة كان صوفياً من غلاة الصوفية ، القائلين بوحدة الوجود ، على مذهب ابن عربي ، وابن سبعين والحلاج ... " [رجال من التاريخ ص416-417]

نشأ في حجره ، وتلقى عليه مبادئ علوم الدين واللغة .. ثم درس على يد أعلام عصره ، مثل: جمال الدين القاسمي ، محمد الخضر حسين ، محمد بن بدران الحسني ، محمد رشيد رضا ..

وكان تأثره بالشيخ جمال الدين القاسمي كبيراً ، قال عاصم البيطار ولد الشيخ بهجة:
" وكان والدي ملازماً للشيخ جمال الدين ، شديد التعلق به ، وكان للشيخ – رحمه الله- أثر كبير ، غرس في نفسه حب السلفية ونقاء العقيـدة ، والبعد عن الزيف والقشور ، وحسن الانتفاع بالوقت والثبات على العقيدة ، والصبر على المكاره في سبيلها ، وكم كنت أراه يبكي وهو يذكر أستاذه القاسمي"

فسبحان من يخرج الحي من الميت .. وقد أسهم في نشر العقيدة الصحيحة .. وتولى عدد من المناصب العلمية ..

وقد اختير الشيخ "بهجة البيطار" في جمعية العلماء ، ثم في رابطة العلماء في دمشق.
وتولى الخطابة والإمامة والتدريس في جامع "القاعة" في الميدان خلفاً لوالده ، ثم في جامع "الدقاق" في الميدان أيضاً ، استمر فيه حتى وفاته.

تنقل في وظائف التدريس في سوريا والحجاز ولبنان ، كما أنه درّس في الكلية الشرعية بدمشق: التفسير والأخلاق ، ودرّس كذلك في دار المعلمين العليا وفي كلية الآداب في دمشق .. وبعد التقاعد قصر نشاطه على المحاضرات الجامعية والتدريس الديني.
وكان الشيخ عضواً في المجمع العلمي العربي ، ومشرفاً على مجلته.
سافر للحجاز وحضر مؤتمر العالم الإسلامي في مكة المكرمة عام 1345هـ ، وأبقاه الملك عبدالعزيز فجعله مديراً للمعهد العلمي السعودي في مكة ، ثم ولاه القضاء ، فاشتغل به مدة ثم استعفاه ، قولاه وظائف تعليمية ، وجعله مدرساً في الحرم ،وعضواً في مجلس المعارف .. ثم دعي الشيخ لإنشاء دار التوحيد في الطائف ..

وكان خطيباً بارعاً يخطب ارتجالاً ..

وقد كان سبباً في هداية عدد كبير من طلبة العلم والمثقفين والأدباء إلى العقيدة الإسلامية الصحيحة ..
ومنهم الشيخ الأديب علي الطنطاوي حيث يقول عن تلكم الحوارات :
" " لقد وجدت أن الذي أسمعه منه يصدم كل ما نشأت عليه ، فقد كنت في العقائــد على ما قرره الأشاعرة والماتريدية ، وهو شيء يعتمد في تثبيت التوحيـد من قريب أو بعيد على الفلسفة اليونانية ، وكنت موقناً بما ألقوه علينا ، وهو أن طريقة السلف في توحيد الصفات أسلم ، وطريقة الخلف أحكم ، فجاء الشيخ بهجة يقول: (بأن ما عليه السلف هو الأسلم ، وهو الأحكم) ... وكنت نشأت على النفرة من ابن تيمية والهرب منه ؛ بل وبغضه ، فجاء يعظمه لي ، ويحببه إليّ ، وكنت حنفياً متعصباً للمذهب الحنفي ، وهو يريد أن أجاوز حدود التعصب المذهبي ، وأن اعتمد على الدليل ، لا على ما قيل ... وتأثرت به ، وذهبت مع الأيام مذهبه مقتنعاً به ، بعد عشرات من الجلسات والسهرات في المجادلات والمناظرات ... )
رجال من التاريخ لعلي الطنطاوي ص 414

ثم يقول الشيخ علي الطنطاوي-رحمه الله تعالى-:
" وكان اتصالي بالشيخ بهجـة قد سبب لي أزمة مع مشايخي ، لأن أكثر مشايخ الشام ممن يميلون إلى الصوفية ، وينفرون من الوهابيــة ، وهم لا يعرفونها ولا يدرون أنه ليس في الدنيا مذهب اسمه الوهابيـــة ، وكان عندنــا جماعة من المشايخ يوصفون بأنهم من الوهابيين ، على رأسهم الشيخ محمد بهجة البيطار ... "
المرجع السابق: ص416


ولقد ترك عدة مؤلفات قيمة منها:
1 – مسائل الإمام أحمد:أبو داود "تعليق"
2 – أسرار العربية: لابن الأنباري "تحقيق"
3 – قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث: محمد جمال الدين القاسمي "تحقيق وتعليق"
4 – الإسلام والصحابة الكرام بين السنَّنة والشيعة
5 – تفسير سورة يوسف
6 – حياة شيخ الإسلام ابن تيمية: محاضرات ومقالات ودراسات
7 – الرحلة النجدية الحجازية: صور من حياة البادية
8 – حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر/ لجده عبدالرزاق البيطار "تحقيق وتقديم"
9 – الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين ، وهو شرح الأربعين العجلونية: تأليف جمال الدين القاسمي "تقديم وتحقيق"
10 – كلمات وأحاديث ، كان بعنوان: الثقافتان الصفراء والبيضاء


توفي غرة جمادى الآخرة 1369هـ في دمشق ..

رحم الله الشيخ محمد بهجة البيطار ، فقد كان يحمل لواء الدعوة السلفية في الشام حينما كانت الصوفية سائدة ، والتعصب للمذاهب الفقهية غالباً.


* غالب هذه الترجمة استفادتها من كتاب [عُلماء الشام في القرن العشرين]

المنهج
08-30-2004, 02:30 PM
علامة العراق الألوسي ولزومه منهج السلف

هو جمال الدين أبو المعالي محمود شكري بن عبدالله بهاء الدين بن أبي الثناء شهاب الدين محمود الحسيني الآلوسي البغدادي رحمه الله ، من سادات آل البيت ، ولد في رمضان 1273هـ ، وجده صاحب التفسير الشهير ، وقد كان صوفياً فمنّ الله عليه بالهداية فاتبع السنة ، ونبذ البدعة ، فأصبح سنياً سلفياً [وسنذكر مراحل حياته لاحقاً] .. تأثر بمؤلفات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تأثراً بالغاً ، وإلى ذلك أشار كامل الرافعي بقوله: (لم أرَ أحداً يقدر مؤلفات ابن تيمية وابن القيم قدرهما مثلهما) أي محمود شكري وابن عمه علي الآلوسي.

وكان سلفياً مُحباً لدعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب وناشراً لها ومدافعاً عنها لأنها دعوة الكتاب والسنة ، وقد أفرد كتاباً شرح فيه أحد رسائل الإمام وهي (مسائل الجاهلية) ..

وقد جاهد في نشر الحق والرد على الباطل ، فشن غاراته على الخرافات المتأصلة في النفوس فكتب الرسائل وألف المؤلفات التي زعزعت أسس الباطل وأحدثت دوياً وإصلاحاً عظيماً .. وارتفع صوته كمصلح ديني يدوّي في المطالبة بتطهير الدين مما لحقه من أوضار البدع.

وكعادة المصلحين والمجاهدين يبتليهم الله بخصومة المشركين وأهل البدع والحاسدين ، فذهبوا يُشنعون عليه ، ويرمونه بتهم شتى منها: أنه يبث فكرة الخروج على السلطان؟!! ويؤسس مذهباً يناصب كل الأديان؟!! وأن تأثيره سار بين الناس؟! فأغروا والي بغداد (عبدالوهاب باشا) … فصدر الأمر بنفي السيد محمود وابن عمه السيد ثابت نعمان الآلوسي والحاج حمد العسافي النجدي رحمهم الله إلى الأناضول.

فلما وصلوا للموصل قامة قائمة الموصليين لأن الذين أمر بنفيهم من أعلام العراق الكبار ، وأن في الموصل عدد كبير من العلماء وطلبة العلم السلفيين ، فطلبوا من السلطان الصفح .. فصدر العفو عنهم وعادوا بعد أن مكثوا شهرين في الموصل .. وعادوا منصورين ، فقام الشيخ عبداللطيف بن ثنيان في صحيفته الرقيب بالانتصار للشيخ والرد على تلك الوشايات والافتراءات وصدر مقالاً (الحمد لله عاد الحق لأهله)

ولما هاجم الإنجليز العراق عام 1333هـ سعى الآلوسي طالباً النجدة من بعض الأمراء العرب لكنهم لم يستجيبوا لطلبه فعاد إلى بغداد ، واستمر بالتدريس والتأليف حتى سقطت بغداد بيد الإنجليز ، فعرضوا عليه القضاء فرفض وامتنع عن مخالطتهم ، ورفض جميع المناصب من الإفتاء والمشيخة وكل خدمة غير خدمة العلم الصحيح ونشره بين أفراد الأمة.
وقبل عضوية مجلس المعارف ، ليتمكن من توسيع نطاق العلم في العراق ، وعضوية المجلس العلمي العربي بدمشق فخرياً ، توفي الإمام سنة 1342هـ.

وقد رثاه العلماء والأدباء والشعراء .. يقول الشاعر العراقي معروف الرصافي :
محمود شكري فقدنا منك حبر هدى *** للمشكلات بحسن الرأي حلالا
قد كنت للعلم في أوطاننا جبلاً *** إذا تقسّم فيها كان أجبالاً

ورثاه تلميذه محمد بهجة الأثري بقصيدة منها:
بغدادُ قد أقفرت من بعد مصرعه *** فقلقل الركبُ عن بغداد أهبالا
هذي المدارس أضحت وهي باكية *** من بعد شيخ بنى الآداب أطلالا

ورثاه ناجي القشطني بقصيدة مطلعها:
لا السجن يبكينا ولا التبعيدُ *** كلا والإرهابُ والتهديد
سنطلُ نهزأ بالخطوبِ تَجلُّداً *** مهما استمر الضغطُ والتشديدُ
ثم قال:
محمود شكري أنت ناصر ديننا *** لله درُّ أبيك يا محمودُ
أحييت بالتنقيدِ ميتَ عقائد *** ما مسّها فحص ولا تنقيد

ورثي بالعديد من المراثي تجده العديد منها في كتاب (أعلام العراق) للشيخ محمد بهجة الأثري رحمه الله.

من مؤلفات الإمام رحمه الله تعالى:
1- تجريد السنان في الذب عن أبي حنيفة النعمان.
2- صب العذاب على من سب الأصحاب (رد على الرافضة) .
3- السيوف المشرقة مختصر الصواعق المحرقة (رد على الرافضة)
4- المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الإثني عشرية (رد على الرافضة)
5- سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين (رد على الرافضة)
6- فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب.
7- غاية الأماني في الرد على النبهاني (رد على داعية الشرك النبهاني في تجويزه الاستغاثة بسيد الخلق ورد على تهجمه على شيوخ الإسلام ومنهم الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب)
8- الآية الكبرى على ضلال النبهاني في رائيته الصغرى (رد على هذا الضال)
9- فتح المنان في الرد على صلح الإخوان من أهل الإيمان (وهو تتمة رد العلامة عبداللطيف بن الشيخ عبدالرحمن بن حسن رحمهم الله الذي توفي قبل إتمامه في الرد على هذا الضال)
10- كنز السعادة في شرح كلمتي الشهادة.
11- تصريف الأفعال.
12- المفروض من علم العروض.
13- الدار اليتيم في شمائل ذي الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم.
14- تأريخ نجد
والعديد من المؤلفات والتي زادت على الخمسين مؤلفاً ..

وقد أخذ منه العلم وأجز العديد من طلبة العلم وعلى رأسهم الشيخ محمد بهجة الأثري والعلامة طه الراوي والشاعر معروف الرصافي وهو الذي لقبه بالرصافي رحمهم الله جميعاً…سيرة عطرة جداً..


لقد عاش شيخنــا ثلاثة مراحل ..

المرحلة الأولى:
كان فيه صوفيـــاً خالصاً: وهذا الطور يبدأ من أول حياته إلى أن تجاوز الثلاثين من عمره.
وفي هذا يقول العلامة الأثري –رحمه الله- في كتابه "أعلام العراق" ص 91:
" .. ولكن الشاب المتأثر بالعقيدة الخلفية ، والمتشبع بالروح الصوفيــة الموروثة له من أبيه وأستاذه الأول لم يستطع ملازمة عمه المستقل بعلمه وآرائه الضارب بالخزعبلات الصوفية والمذاهب التقليدية عرض الحائط ، فصرف التعصب بصره عن عمه".


المرحلة الثانيـة:
كان فيه ما زجاً بين الصوفية والعقيدة السلفية ، ولم يستمر هذا الطور معه طويلاً.
وفي هذا يقول العلامة الأثري:
" لما بلغ الألوسي هذا الطور من حياته ، واتسعت آفاقه الذهنيـة والعلمية ؛ رأيناه يبدأ حلاً جديدة من أحوال التفكير والاجتهاد ، ويعيد النظر فيما تعاوره في أثناء الشباب من اختلاط العقائد والنزعات المذهبية المختلفة ... "
[محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص76]


المرحلة الثالثة:
وهو آخر ما استقر عليه المصنف رحمه الله ؛ وهو طور نبذ التصـــــوف ، والمجاهرة بدعوة التوحيـــد.
وفي هذا يقول العلامة الأثري:
" ثم ما لبث الألوسي أن أصحر عن انحيازه في جرأة وقوة إلى الحركة السنية السلفية ، مع مقاومة الدولة العثمانيـة الصوفيــة لهذه الحركة الإصلاحيــة بكل قواها الرجعية ، واستعلن وقوفه إلى جانبها بكتابه (فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان) الذي فرغ من تأليفه في غرة ذي الحجة سنة 1306هـ وطبع بالهند سنة 1309هـ



وقد توفي – رحمه الله تعالى- 4/10/1342هـ على أثر مرض ألمَّ به في أواخر شهر رمضان من العام نفسه ، نسأل الله أن يرفع منزلته في عليين ..


وهكذا النفوس الكبار ، الباحثة عن الحق ، وهذا هو العلم الذي يهدي للحق ، ويرشد صاحبه للبحث عنه ، ويتعالى على ما وجد عليه الآباء والأجداد ، لأنه يعبد الله لا يبعد ما وجد!!
نسأل الله أن يبصر الغافل ، وينير بصيرة الجاهل ، ويرشد المسترشد السائل ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.