المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب [ دَعْوة التّوحيــــــد والسُــــنَّة ] لعلامة العراق



المنهج
08-29-2004, 07:22 PM
دَعْوة التّوحيــــــد والسُــــنَّة

لعلامة العراق
محمد بهجة الأثري –رحمه الله-

عضو المجمع العلمي العراقي
والمصري والسوري والمغربي

بغداد – العراق

المنهج
08-29-2004, 07:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله وحدَه ُ، بيده ناصيتي ، وله الأمرُ كلُّهُ... والصّلاة والسّلام على خير خلقه محمد بن عبدالله ، وعلى آله وصحابته ومن والاه.

أمّا بعدُ،

فإن عنوان الأسماء العالية في التاريخ العربي الإسلامي الحديث ، كالشمس يُذْكَرُ غير ملقّب، لأنّه يسمو على التلقيب بالألقاب ، والتحلية بالنّعوت.

إنّه لا يعرف بها ، ولكن هي تعرف به.
وإنّ حلية مثله لفي عَطَلِه.
والجواهرُ تُذكرُ أسماءً مجرّدة ، ولا توصف ؛ لأنّ معانيها هي أوصافها.

ويقال "الشّمسُ" و "القمرُ" ولا يُحَلَّيان ، لأنّ حليتهما في كمالهما وتمامهما.

ما كلام الأنامِ في الشّمس، إلا *** أنّها الشمسُ، ليس فيها كلام!

وقديماً أنكرت طباع العرب أن يعرَّف المشهور في الأمْلاء ، فقال قائلهم:

"قد عرفناه ، وهل يخفى القمر"؟

وإنّ من الأسماء نكراتٍ ، مُغْرِقةً في التّنكير، حُلّيت بالألقاب ، ورُصَّت لها ألفاظ التّفخيم والتّعظيم رصّاً سطوراً بعد سطور ، لِتُعَرَّفَ فَتُعْرَفَ ، فما زادتها إلا تنكيراً وضموراً وخفاءً ، ومات أصحابها وما ذُكِروا.

وقد يموتُ أُناسٌ لا تُحسُّهُمُ *** كأنهم من هَوانِ الخَطْب ما وُجِدُوا

لقد نزعت الأصالة العربية إلى التجريد ، وتعلقت بالجواهر والمعاني , فسَمَّتْ عظماءها أيام العزّة بأسمائهم المجردة ، ولم تغرقهم بالألقاب.

ولمّا استحل بعضُ الطِّباع ، أيّامَ تغلّب البُغاة الطُّغاة على ديار العرب والإسلام ، استحلى المستدرَجُون المستكينون ما حلاهم به من الألقاب البراقة ، واستعذبوا ما أذاقوهم من حلاوات الرُّتَب المُعْلِيِة المُدْنِية.

وفي سِمات أيام العزّة جمالٌ وجلالٌ فطرّيان ، عليهما من الصّدق والصّفاء رونق ورُواء ، وبالمعاني تشاد المعالي ويرفع البنيان.

فلا عَلَيَّ أن أُسمّي "محمد بن عبدالوهاب" ولا ألقّبه.

إنه معنى كريم .. استقرّ في الضّمائر ، وليس جسداً تطوف حوله الأجساد . في حروف اسمه القلائل الصِّغار ، خِصال عبقرّية كِبار .. ائتلفتْ فأنشأتْ مزاجاً فرداً ، عجيباً في أخذه وعطائه.

ذهنيّةٌ عبقرّبة ، في تكوينٍ سَوِيّ ، من طِراز خارق للمألوف قياساً إلى العادة والزمان والمكان ، وفي حاقِّ الجِبِلَّة والتّكوين.

وقوّةٌ نفسيّة وثقى ، متوثّبة ومتحدّية .. تفرض الهزيمة على القُوَى المضادّة فرضاً ، وتثبت ثباتَ طَمّاحِ الذوائب الأشمّ بوجه الأعاصير ، تتناوح من عن يمينه وشماله ، ومن أمامه ومن خلفه ، تريد زحزحته ، فترتدّ عنه وتبيد ، وهو(هُوَ)غير مضار.

وقِيَمٌ خُلُقية صافية صفاءَ ألق الضّياء في يوم الصحو البهيج ، ليس دونه حجاب .. ترفعت على شهوات النفس ، وتحلت بالإيثار ، يصرّفها عقل دَرّاك وقلب يَقِظُ ، وترفدها الرَّكانة والزَّكانة ، والتصوُّرُ الشُّموليّ الذي يخرج من دائرة الفكر المحدود ليبسط أبعاده على الآفاق.

وقد يكون الإنسان صاحب ذهنّية عبقريّة ، ولكنه لا يملك القوّة النّفسيّة المتوثّبة المتحدّية . فيكون منه صاحبُ تصورات فكريّة ، وليس صاحب قوّة فاعلة ، وقد يُغْنِي في مجال الفكر ، ولا يُغْنِي في مجال الفعل.

وقد يكون صاحبَ قوّة نفسيّة ، ولكنّه لا يملك القوّة الذهنيّة العبقريّة التي تصرِّف القوّة على مَسار السَّداد والتّوفيق ، فتتعطل قوته ، فلا يأتي بأمر ذي بال.

وقد يكون صاحبَ ذهنيّة عبقريّة وقوّة نفسيّة متوثّبة ، ولكنّه يفتقد القيم الخلقيّة الرفيعة ، فلا تُجْديهِ خاصِّيَّتاه ، أو يفتقد العقل الشّموليّ ، فيحبس جهده على أفق خاص يدور في دائرته الضَّيِّقة ، محدوداً بحدودها ، لا يخرج منها إلى ما وراءها من آفاق وأبعاد .. فلا يكون منه أمر كبير.

ولقد جمع الله في (محمّد بن عبدالوهاب) هذه الخصالَ جمعاء ، متمازجةً متحابّة ، ومترافدة ، ليجيء منه الإنسان العظيم ، الذي يصنع العظيم.

المنهج
08-29-2004, 07:24 PM
وهنا يجيء السؤال الكبير:
ما الصنع العظيم الذي صنعه (محمّد بن عبدالوهّاب)؟

الجوابُ عن هذا السؤال الكبير ، يصوغه واقع التاريخ وحقائقه ، ولست أنا من يصوغه.

واقع التاريخ ، يقرر في صراحة ووضوح بيان أنه الرجل الذي أيقظ العملاق العربي المسلم من سُبات في جزيرة العرب دام دهراً داهراً ، وأشعره وجوده الحي الفاعل ، وأعاد إليه دينه الصحيح ، ودولته العزيزة المؤمنة ، ودفعه إلى الحياة الفاعلة ليعيد سيرة الصدر الأول عزائمَ وعظائمَ وفتوحاً..

ويقرر غيرَ مُنازَع أنّه رجل التوحيد والوحدة ، والثائر الأكبر الذي رفض التفرق في الدين رفضاً حاسماً ، فلم يكن من جنس من يأتون بالدعوات ليضيفوا إلى أرقام المذاهب والطرائق المِزَقِ رقماً جديداً ، يزيد العدد ويكثّره ، ولكنّه أوجب إلغاءَ هذه الأرقام ، ودعا لتحقيق "الرقم الفرد" وحدَهُ: الرقم الذي لا يقبل التجزئة كالجوهر الفرد ، ألا وهو(الإسلام).

والإسلام ، طريقة واحده ، لا تتفرّع ، ولا تتعدّد.

وقد جاءت البينات كفلق الصباح بأن هذا "الرقم الفرد" هو الذي استقام به أمر العرب ، وكوّن الوحدة الكبرى ، والدولة العظمى وقد انضوى تحت لوائها الخفّاق أهل الأرض من كل جنس مابين مشرقٍ للشمس ومغيب ، متآخين في الله ، متساوين في الحقوق ، لا فضل فيها لأحد على أحد إلا بتقواه ، متعاونين على بناء حضارة أخلاقيّة جديدة تجمع إلى مطالب المادة مُسْتَشْرَفات الروح.

فلمّا أُفِسد التّوحيد ، وزالت الوحدة ، ذهب التفرق في العقيدة بهذا المجد العظيم .. فجاء (محمّد بن عبد الوهّاب) داعياً للعودة إلى الأصل الذي قام عليه ذلك المجد وعلا سمكه وعزّ وطال ، وقد حقق ما أراده في جزيرة العرب ، وأشاع اليقظة في العالم المسلم ، وكان لدعوته في كلِّ صُقعٍ أثرٌ مشهود..

فهذا هو الصنع العظيم ، الذي صنعه الرجل العظيم.


*****

المنهج
08-29-2004, 08:10 PM
جاء (محمد بن عبد الوهّاب) على فترة من المصلحين الكبار أصحابِ الأصوات الجهيرة في الإصلاح والدعوة إلى التوحيد والوحدة ، وحين ظُنَّتِ الظَّنون بالعرب وبالمسلمين ، إذ اكتنف الظلام جِواءَ العالم المسلم ، وانبهمت المطالع ، وركدت ريح العرب في ديارهم ، و تفرّقت كلمة المسلمين ، فضعفوا ، وهان شأنهم على الأقوياء، فطمع فيهم الطامعون من كل جنس.

وكان إشراق النور الجديد من قلب هذا الظلام ، من الأرض القفرة ، عجباً العجب، ومثار دهشة الغرب خاصة ، إذْ كانت دُوَلُه بعد عصر (الرّينصانص) والثورة الصناعية ، تُعِدّ العُدَد ، وتتآمر فيما بينها على العالم المسلم ، وتتحالف للسيطرة على ينابيع ثرواته العظيمة .. تغني بها فقرها.

وكان قد استقرّ عند هذه الدّول أن العالم المسلم قد صار جثة هامدة لا حراك بها ، فلا بد من أن تكون هي وارثة أرضه وكنوزه ومعادنه وخيراته.

فلما سمعت صيحة الإسلام الجديدة المدوّية تنطلق من بين رمال الجزيرة دهشت، فأسرعت تراجع ظنونها الخائبة ، وارتدت إلى أذهانها صيحة الإسلام الأولى وانبعاثه من هذه الجزيرة العربية نفسها كالأَتِيَّ يتحدّر دفّاقاً من مَخارِمِ الجبال إلى أطراف المعمورة فتحا وإنشاء وإعماراً ، لا أَجَلَّ منه ولا أروعَ.

فانتصبت لهذا الأمر الجديد .. ترصد أخباره ، وتتعرّف مَوارِدَهُ ومَصادِرَه ، وتتبين مبادئه وغاياته ، عسى أن يكون فجره كاذبا ً، وأن يعود نشوره موتاً.

حتى إذ كذّب الواقع أمالها ، طفِقت تحاول إبطاله ، فأوحت إلى وسائل إعلامها أنْ تُلقي الشبهات عليه ، وتشوّه صورته ، فرمته ورمتِ الناهضَ به بالعضاهة ، وخلّطت ما شاءت لها الأهواء أن تخلّط مما يعرفه العارفون وما بنا حاجة إلى ترديده ، وقلّصتِ الشأنَ كلَّه حين وضعت هذا الأمر الجديد العظيم في بؤرة الطائفية التي تزيد أرقام الطوائف رقماً جديداً ، أي عكست الحال ، فنبزته بالوَهّابية "wahhabism" وأذاعت هذا النَّبْزَ الأنباءُ الجوائب ، فتلقفته الأسماع ، وردَّدَته الألسنة ، ودونته الصحف والمجلات والكتب ودوائر المعارف الكبرى بكل لسان.

وراق الدولة العثمانية هذا النَّبْزُ ، فأجرته على ألسنة الدراويش ومرتزقة طعام التكايا والزوايا من تنابلة السلطان ، وأفرطت في إلقاء الشبهات عليه وتشويهه ، ولا سيما بعد استفحال شأنه ، وقيام دولة التوحيد والسُّنّة في جزيرة العرب على أساسه وقواعده ، فلم يكن نبز أشنع من نبز الوهابيّة في طول ممالكها وعرضها ، ودام ذلك أمداً ، ووعينا إبّانَ الطفولة وهو يقرن في بلادنا بما يسمونه "الفرمصونية" و"البُرْتكيشية" و"المسقوفيّة" ويعنون "الماسونية" لكفرها ، و"البرتغالية" لسوء أفعال البرتغال إبان احتلالهم بلاد الخليج العربي وعُمان وغيرها ، و"الروس" لحروبهم الدولة الإسلامية ومآتيهم المنكرة في هذه الحروب!.

ذلك فعل السياسة ، وفي مثله يستوي الطامعون من كل جنس وملّة عند تساوي المقاصد والأغراض ، والسياسة الفاسدة لا ضمير لها ولا خُلُق ، ولطالما استعاذ بالله العقلاء من (ساس) ومشتقاته ، ومن الجهل جُنْديّة الأعمى البصيرة الذي يلقَفُ ما تأفِكه السياسة ، ويُرجِف بما تلقيه إليه ، ليذيعه غيرَ عالم بالمقاصد والنيات والغايات.

لقد نظرت السياسات إلى هذا الأمر الجديد في الجزيرة العربية بمنظارها الخاصّ ، ورصدته بعينها اليسرى العوراء ، لا بعين الحقيقة الصحيحة ، فصوّرته بما يحقق مقاصدها وأغراضها ، ومن وراء ذلك يراد الذهاب بريح العرب ، وهم مادّة الإسلام.

وكذلك وقف رؤساء العصبيات ، وهي مختلفة الألوان والمشارب ، موقف هذه السياسات من هذا الأمر الجديد..

إنّهم تنكّروا له أشدَّ التنكّر ، وأوحوا إلى أتباعهم أن يتنكّروا له كذلك ، ويذيعوا قول السوء عنه ، فقالوا فيه ، وهو النور الذي يهديهم ، ما لم يقله (مالك) في الخمر ، فكانوا أعواناً للسياسة في تشويهه وحربه ، وقد امتزج في فكرهم الحرصُ على الموروث من الآباء بالخوف من زوال زعامتهم ، وسقوطِ الامتيازات التي يتمتعون بها ، هم وحدَهُم دونَ الأتباع الجهلاءِ المساكين المستضعفين المنقادين للرؤساء بأزمة الشعبذات ، وبالشعبذات يُسْحَرُ الجهلاء غير واعين ولا دارين.

شِنْشِنة معهودة في مجتمعات النّاس كافةً ، تقترن بانغلاق الأذهان ، وتنطوي علي حفظ المصالح والامتيازات الخاصَّة ، ومنها ينشأ الصراع الدائم في كل زمان ومكان ، وعند كل جيل وقبيل ، في شرق وفي غرب ، ولن تجد لسُنّة الله تبديلاً.

وأعظم هذا الصراع في التاريخ العربي ، هو ذلك الصراع الرهيب بين الإســلام والوثنية ، وفي الإسلام الحياةُ والنّورُ ، وفي الوثنيّة الضمور والظَّلام.

والغلب في نواميس التكوين ، إنما يكون للأصلح دائماً مع طول الجهاد والصبر ، وهو قانون لا يختلف إلا من علة غير منظورة.

وواضح أنّ الطمع والحرص على احتواء النعم والامتيازات يُلقيان في رُوع أصحاب السياسات والامتيازات ما ليس له وجود في الواقع ، وهم حين يُدعون إلى الصلاح في أي شأن من شؤون الحياة ، يتوهمون الخسران وضياع المكانات ، وفقدان الامتيازات ، فيقاومون ويقاتلون بغير عقل.

ولننظر ماذا خسر رؤساء المشركين من العرب حين تركوا شركهم ، ودخلوا في الإسـلام .. ألم ينتفعوا به هم والفقراء المستضعفون من أتباعهم في دنيا ودين؟ ألم يصبح خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسـلام؟

إن لحقيقة الأزليّة الخالدة في نواميس الحياة ، قد تصيبها السياسات والعصبيّات بشيء من الضُّرِّ ، ولكنِّها في جميع الأحوال تعجز عن طمسها أو إزالة معالمها .. ثم هي ، وأعني السياسات والعصبيات ، لا تملك الفصل في شأنها ، وليس ما تصوّره تزييناً أو تقبيحاً هو واقع الحقائق ، وإنما يفصل فيها العلم وحده بتجرده المطلق ونزاهته وموضوعيته الخالصة من الشوائب والأهواء . إنّه يَعنِيه من الأشيـاء في كل شأن يعرِض له ، تعرُّف الحقائق في عُرْيها وسفورها كيفما كانت الحال ، وفي أي صورة تكون عليها ، وإذا كانت السياسات والعصبيات تبني أحكامها على الأهواء ، والأغراض الخاصّة ، لا تحيد عنها ، فإنّ العلم يبنى تصوراته وأحكامه على البيِّنات غيرَ متحيّز ولا متحرِّف ، وهو يستمد هذه البيانات من الوثائق الأصلية الصحيحة مما يدوّنه الإنسان بنفسه خاصّة ، لأنها فصل الخطاب والحُجَّة البالغة . ومن هذه الوثائق الأصلية ونحوها يستنبط العلم التصوّرات ، ويهتدي إلى مقاطع الحق فيوقن ، ثم يرسل أحكامه التي لا تستؤنف ولا تميّز كما يقول القضاة.


*****

المنهج
08-29-2004, 08:12 PM
على هَدْي من هذه الوثائق , التمستُ مقاطع الحقّ , في هذا الأمر الجديد وصاحبِه, من معادنها , غيرَ متأثّر بسياسة من السياسات , أو عصبيّة من العصبيّات.

وبين كلِّ أمرٍ وصاحبِه , تقوم علاقة وآصرة , وتَعَرُّفُ صاحب الأمر يتقدَّم تعَرُّفَ أمره ؛ لأنه هو مصدره , وإليه يؤول.

وقد تعرّفت سيرةَ (محمّد بن عبدالوهّاب) في كتب المقربين إليه , والقريبين منه زماناً ومكاناً , فهم أعرف به , ولم ألتمس شيئاً من أمر في كتب مؤرخيه الثانويين ونحوهم.

وتعرّفتُ دعوتََه , والعِلم الّذي طُبِعت به , من مؤلفاته , وهي أنواع .. سيرة نبويّة, وتفسير , وحديث , وأحكام , وتوحيد , ومما هو أدلّ منها على طبيعة فكره واستقبال رأيه , أعني فتاواه ورسائلَه ومجادلاته ومراسلاته مع العلماء والرؤساء في جزيرة العرب وما رواء جزيرة العرب في شأن دعوته: مَناشِئِها , ومبادئها , وغاياتها , وأصولها , وأدلتها. والمرء وما يقوله ويقره ويفصح عنه من نيّته وعلمه ، لا ما يقوله خصومه فيه.

وأشهد مخلصاً أن بين سيرة (محمّد بن عبدالوهاب) ودعوته, ولأسمِّها: الدعوة التجديدية , رحماً واشجة , وآصرة وثيقة محكمة , يبدوان من غير تكلف للرؤية في هذا التطابق التام بين الفكر والتطبيق , وبين ضلاعة الدعوة وضلاعة صاحب الدعوة وشخصيه المتميزة بأنواع من الصفات الأصلية , ومنها ضلاعة تكوينه البدني , وضلاعة إيمانه , وصلابته , وتمسكه بالسنة.

المنهج
08-29-2004, 09:55 PM
والآثارُ عامّةً ، في حال قوتها أو ضَعْفها , نتيجة حال المؤثر ومزاجه كما هو معروف في مدركات العقل ومسلماته , وما خلا أدبنا العربي الأصيل من الإشارة إلى هذه الحقيقة المسلمة ومن ملحظ العلائق بين الإنسان وما يصدر عنه من شيء.


ألم يقل أحمد بن الحسين أبو الطيب قبل ألف عام:

على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ** وتأتي على قدر الكرم المكـارم؟

وضلاعة (محمّد بن عبدالوهاب) في تكوينه الجسمانيّ , وفي مواهبه وملكاته .. عجب من العجب فإن كل شيء فيه على غاية من القوة والبروز.

ضلاعته في تكوين الجسماني , تبدو في الرجولة الناضجة التي باكرت صِباه , وفي الاحتلام الذي أسرع إليه قبل إكماله الثـانيـــــة عشرة من عمره , فأحصن من فوز احتلامه.

واقترنت بهذه الضلاعة الجسمانية ضلاعة نفسية بالغة , فإذا هو يتحمل تَبِعات الزوجية , ويتصـــــرف بنفسه فرداً في هذه السنّ الطفولية , فيَعْرَوْرِي فِجـــاج الأرضيين الموحشة البعيدة المُنْتَأَى بين العيينة ومكة المباركة , فيؤدي فريضة الحج, ويؤم المدينة النبوية الطيبة المباركة , فيقيم بها شهرين متتابعين , مصلياً بالمسجـد النبوي طلباً للأجر المضاعف , ثم متشرفاً بسنة الزيارة: زيارة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم , والسلام عليه , ومستنشقاً أرج النبوة من كتب , ومستفيداً من سماع الدروس في المسجد النبوي المبارك , ثم يعود من متع الروح والقلب , مَزْهوّاً بحجه وزيارته وصلواته , وفرحاً بما شاهد من منازل الوحي وبما سمع من علماء الحرمين.

وإلى جانب هذه الضلاعة النفسية العجيبة , تبدت ضلاعته الذهبية في سرعة حفظه وحدّةِ فطنته ويَقَظَةِ قلبه وعمق فهمه ، ومن بيّنات ذلك أنه حفظ القرآن العظيم عن ظهر القلب قبل بلوغه العاشرة من العمر ، فأدهش الناس من حوله ، وقرأ الفقه على أبيه (القاضي عبدالوهاب بن الشيخ الفقيه سليمان التميمي) ، وأقبل على كتب التفسير والحديث والعقيدة يلتهمها التهاماً ، وطالبُ العلم النجيب نَهِمٌ لا يشبَعُ ، وفي اللغة العربية ما في عيون المها من السحر الحلال ، وما يأخذ بمجامع الأفئدة من الإيقاع والفتون ، وفي كتب التفسير والسُّنّة الصحيحة المطهرة والفقه والتوحيد ، الزّادُ الطَّيّب الذي يغذي العقول ، وينوّر البصائر ، ويشرح الصدور ، ويفقّه النفوس بما لها وما عليها ، لتقول طيّباً ، وتعمل صالحاً ، وفيها العلم العظيم الذي لا أجلَّ منه في علوم فقه الحياة جمعاء.

ومن هذا الفناء في العلم ، في أصغر سن ، بلغ الصّبيّ العبقريّ ما لا يبلغه كبــار السن في الأمد البعيد ، وفاض على قلمه ما وعاه فؤاده ، فإذا هو في سرعة الكتابة مثله في سرعة الحفظ: يكتب في المجلس الواحد كرّاسةً من غير تعب ، فما أشبهه في حالاته العجيبة بـ(تقيّ الدين بن تيميّة) العظيم في طفولته في الخوارق النفسية والذهنية وسرعة الحفظ وسرعة الكتابة وحدة الفطنة وكثرة الاستيعاب ، الذي أدهش دنيا الشام من حوله ، وصار مَثَلاً مضروباً في عبقرية المواهب العالية ؛ فلا تثريب على (عبدالوهّاب) الفقيه القاضي وإمام الجماعة في بلده أن يطير سروراً وإعجاباً بصبيه العبقري النجيب ، وأن يتحدث لأصحابه عن مدركاته ، وأن يعلن أنه استفاد منه فوائد في الأحكام قبل بلوغه ، بل لا تثريب عليه أنْ رآه أهلاً للصلاة بالجماعة ، وهذه رجولته ومعرفته بالأحكام وحفظه وديانته وعقله ، فقدّمه إماماً يؤم المصلّين ، فارتضوه معجبين.

المنهج
09-03-2004, 03:16 PM
وما يلبث الصّبي الرَّجل طالبُ العلم الناشئ أن يدفعه وعيه العميق إلى الموازنة بين ما يقرأ من مسائل التوحيد الخالص وما عليه ناس ببلده من مخالفة له في بعض تعبّداتهم، ومن تعلقهم بالبِدع ومحدثات الأمور، فيثور ثائرة .. يردَعُ العامّة عن منكراتهم، وينكر على العلماء أنهم يرون الاعوجاج ولا يقوِّمونه.

كان ذلك بدء الإشارة إلى ما سيكون عليه شأنه في الإصلاح في مستقبله.

وقد كبُرَ على القوم نكيرهُ، فضحِكوا منه، فارتدَّ إلى نفسه مفكِّراً في الأمر، فتحدّثه أنّه لن يتمَّ له تغيير الحال في مثل سنه، وأنه لابُدَّ له من أشياء يحققها لتكون ظهيره: من علم أوسع من العلم الذي ملك، وتجاربَ وحنكة ما ظفر منها بشيء بعدُ، وسنٍّ أكبر يطاع في مثلها إذا جهر بالحق وصدع به، فعزم أن يبدأ.

إنّ مثل هذه الرؤية الصحيحة في هذه السنّ الصغيرة، لا تكون إلا من شيخ محنّك حكيم، أو عبقريّ مُوَفَّق ومُلْهَم.. وقد كانَهُ هذا الصَّبِيُّ الرَّجلُ!.

ولكأنّه في بؤرة تصوُّره العميق لحاضر أمره ومستقبله، قد حضرت ملكاته كلها، وظل الشأن موقوفاً على إنفاذ العزم.

فإذا عزيمته حاضرة عنده، تتوثَّب به، وتحدوه على المضي بِداراً إلى غايته، وقد فعل.

ومن المرجح أنّ ذلك كان قبل بلوغه العشرين.

غادر مسقط رأسه إلى حيثُ يتاح له أن يعدّ نفسه إعداداً كاملاً للاضطلاع بالأمر الكبير الذي ينوي تحقيقه.

فإلى أي ناحية اتّجه ورحل؟.

قَصرَ مؤرّخوه المقرّبون مواضعَ رحلته على البصرة والأحسـاء والحرمين، وأضاف مؤرّخوه الثانويّون أقطاراً ومدناً كثيرة.. أضافوا مصر والقدس ودمشق وحلب واسلامبول وبغداد وكردستان وهمذان وأصفهان والرّيَّ وقُمْ، وسمِعتْ بأخرة من يقول أنه قرأ في كتاب مخطوط لشيخ من الموصل يقول فيه: إنّه (أي محمد بن عبدالوهاب) أخذ عنه. والأدلة، لتصحيح هذه المضافات إلى الأقطار الثلاثة، ليست متوافرة.

ويعنينا من هذه الرحلات أن نعرف ماذا أفاد من علم، وكسب من تجاربَ، وخبر من أحوال هذه المجتمعات في شرقي جزيرة العرب وغربيها وشماليها، وماذا انعكس من هذا كلّه على فكره من تصورات، وارتسم في ذهنه من خطوط الإصلاح ومساره.

كانت هذه المدن التي رحل إليها طلباً للعلم، أكبر مباءات العلوم العربية والشرعية في جزيرة العرب، يفد على مدارسها الطلابُ من نجد ومن الأقطار الإسلامية.

وفي البصرة، وقد أمّها مرَّتين وكانت إقامته فيها أطول إقامة قضاها خارج بلده، لقي جماعة من العلماء، سُمِّيَ منهم واحدٌ وهو (الشيخ محمّد المجموعيّ) ، تلقى عليهم النحو فأتقنه، ودرس الحديث والفقه، وفقهُ البصرة في الغالب فقه مدرسة أبي حنيفة.

وفي الأحساء وجد فقهاء، منهم الحنبليّ ومنهم المالكيّ ومنهم الشافعيّ، وهي نسب إلى مدارس سُنّيّة متشابهة، وليست مذاهب متدابرة، وعند بعض هؤلاء الفقهاء وجد استقلالاً في النظر، وصَوْرةً إلى الترجيح، وجراءة على كلّ المخالفين، ووجد عند آخر ميلاً إلى كتابة التاريخ، كما وجد "من يفتي الرجل بقول إمام، والثاني بقول آخر، والثالث بخلاف القولين ويعدّ ذلك فضيلة وعلماً، ويقال: هذا يفتي في مذهبين أو أكثر"، وينكر محمد بن عبدالوهاب ذلك ويقول فيه:

"ومعلوم عند الناس أنّ مراد هذا الفقيه، هو العلو والرياء وأكل أموال الناس بالباطل".

وقد اقتبس من خيار هؤلاء، وتذاكر معهم في شؤون من التفسير والحديث والتوحيد وأصول الإسلام، أخذاً وعطاءً.

وفي المدينة النّبويَّة، التي باكرها في صِباه، وعَرَفَها ملتقى طلاب العلم من الأقطار المسلمة، رأى حياة تختلف عن حياة الناس في البصرة والأحساء، ووجد علماء يحسنون أنواعاً من العلوم والفنون، وطرائقَ في الدروس والإقراء لا عهد له بمثلهم في بلده، وحضر دروس هؤلاء في المسجد النّبويّ، ونَهَلَ من موارد العلم الذي يفيضون فيه، ومن كلٍ أفاد وانتفع، لكنه اصطفى منهم عالمين اثنين انجذب إليهما طبعه وفكره، فوثّق من صلته بهما.

أصاب عند هذين العالمين الفكر الإصلاحيّ، والدعوة إلى التوحيد الخالص والتزام عمود الكتاب والسنة، ورفض التفرق في العقيدة، وإبطال البدع والمحدثات التي تلصق بالإسلام، فتشوّه محاسنه وتبطل قوته، والإسلام منها بريء ولها منكر.

وقد أفاد من أحدهما (وهو عبدالله بن إبراهيم بن سيف:عالم نجدي، آثرت أُسرته المجاورة، فصار مدنياً) إرشادَهُ إيّاه إلى مؤلفات تقي الدين بن تيمية علامة الإسلام المنقطع النظير، والمفكر الأصيل الكبير العقل الواسع الرواية والعميق الدّراية، والثائر الأكبر على الفساد والانحراف، والمؤلف المبتكر الذي بلغت مؤلفاته نحواً من أربع مائة كتاب وفي كل كتابٍ من العلم والفكر والنظر الصادق ما لا يظفر بشبيه له أو قريب منه إلا عند كبار أصحابه وتلاميذه، وفي مقدمتهم شمس الدين ابن القيّم الجوزية، وقد برع وفاق فكان قمّة شامخة في العلم والفكر والنظر والإخلاص. وهكذا فتح له (ابن سيف) الطريق الأفيح إلى عُباب المعارف، وقاده إلى النَّهَل والعَلّ من أصفى ينابيع المفاهيم الإسلامية، والتضلُّع من ريّها الشافي، ووصل أفقه بأفق الإصلاح الذي ينشده، وسدّده على النهج القويم المستقيم.

وأفاد من الآخر (وهو الشيخ محمّد حياة السندي: عالم نيّر العقل سديد الرّأي، من أهل السند) تبصيراً بالاستقلال في الفهم وجدواه، وتنفيراً من التقليد والتعصب لمذهب بعينه من هذه المذاهب الفقهية، أو المدارس الفقهية في الأصح، وإرشاداً إلى الدَّوَران مع الحق حيث كان، استدلالاً عليه بالأدلة القواطع من صحيح النقل وصريح العقل، ذلك أن الله تعالى قد هدى إلى التبصُّر والتفكر واستعمال العقل لتبيُّنِ كلّ أمر، وبشَّرَ عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووصفهم بأنّهم هم الذين هداهم الله وهو أولو الألباب.

*****