المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : & كتــ الصوفيـة نشأتها وتطورها ـــاب &



المنهج
08-16-2004, 04:34 AM
دراسات في الفرق
الصوفية
نشأتها وتطورها


تأليف
محمد العبْده طارق عبد الحليم

الطبعة الرابعة
1422 هـ - 2001 م

المنهج
08-16-2004, 04:34 AM
" عندما يكون الفكر الإسلامي في حالة أفول ـ كما هو حاله في الوقت الحاضر ـ فإنه يغرق في التصوف وفي المبهم وفي المشوش , وفي النزعة إلى التقليد الأعمى ".
مالك بن نبـي


" حين خبت تلك النار داخل الصدور بدأ المسلمون يزحفون إلى المقامات ".
محمد إقبال

المنهج
08-16-2004, 04:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

1- فإن هذا البحث عن الصوفية لم يقصد به الاستقصاء لكل ما كتب عن الصوفية أو كل ما كتب الصوفية أو كل ما كتب الصوفية عن أنفسهم والتفتيش عن أقوالهم وآرائهم وطرقهم بالتفصيل, فإن هذا شيء يطول وليس عن غرضنا, بل الهدف الذي وضعناه نصب أعيننا هو إعطاء فكرة مركزة موجزة عن الصوفية لأناس ينشدون الحق وتحصيله بعيداً عن هذا الركام من الفرق والتفرق, ولذلك فإن معرفة أصولهم ومراحل تطورهم, والبدع التي وقعوا فيها ورؤوس طرقهم تكفي لمعرفة حالهم وأما الغارقون في التصوف فقد قال السلف عنهم: إن صاحب البدعة قل أن يرجع عنها.

2- نحن لا نكتب عن صوفية كانت وبادت أو هي جزء من التراث كما يقال اليوم بل هي موجودة موصلة بالماضي, بل نستطيع أن نقول أنهم عادوا بعد أن انحسر ظلهم قليلاً, عادوا بقوة لغاية في نفس من يستفيد من عودتهم ليزاحم بهم دعوة الإسلام الحق, فالبريلوية في المشرق والتجانية في المغرب و بينهما الشاذلية والبرهانية .. إلى آخر أسماء الطرق التي لا تنتهي, عادوا إلى المدينة ومكة بعد أن خلت منهم عشرات السنين. فلماذا لا ننبه المسلمين إلى أخطائهم وخطرهم؟

3- عندما نتكلم عن الصوفية فإنما نقصد المعنى الاصطلاحي, أي الصوفية التي جاءت بكتب ومصطلحات خاصة, فيها إشكالات وبعد عن المنهج الإسلامي الصحيح أدت فيما بعد إلى أمور خطيرة مثل الإتحاد والحلول, فهذا لا شك أنه تفرق وبعد عن خط أهل السنة والجماعة, وأما الذين يقولون: إنما نعني بالصوفية السلوك الإسلامي وترقيق القلوب والزهد في الدنيا فيقال لهم: لماذا تسمون هذه الأشياء صوفية وقد أصبحت علماً على رموز وأشكال تخالف الإسلام فهلاّ ابتعدتم عن الشبهات وتركتم هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان " والزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف" .
"والذين اكتفوا بحسن الخلق والزهد في الدنيا والتأدب بآداب الشرع لقبوا بالنساك والقراء والزهاد والعباد, والذين أقبلوا على دراسة النفوس وآفاتها وما يرد على القلب من خواطر وحرصوا على الصيغة المذهبية لقبوا بالصوفية" .

فالقضية ليست قضية سلوك وإنما هي أساليب مستحدثة مخترعة أعجمية في الرياضات الروحية أدت إلى الشطح والقول على الله بغير على فغاية الصوفية الاتصال بالله ـ بزعمهم ـ والبعد عن الناس, وهذا مضاد لمنهج الأنبياء الذين لم يبعثوا إلا ليهزوا أركان العالم ويوقظوا الناس من سباتهم, ولذلك فنحن لا نعتبر أعلام الزهاد والعباد كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأمثالهم داخلين في الصوفية بهذا المعنى الذي نقرره , فضلاً عن أن نعتبر أمثال الحسن البصري ومن قبله كما يحاول الصوفية أن يقرروا وبدون حياء كما يصفهم ابن الجوزي, وكل فرقة تحاول التمويه على الناس وتنسب إليها أعلام أهل السنة, فكل الأحاديث الباطلة والمضحكة عند الشيعة الإمامية تنسب إلى جعفر الصادق وهو بريء منها وهو من أئمة أهل السنة.

والفرق بين الزهد الأول والتصوف هو كالفرق بين التشيع بمعناه اللغوي الذي هو المناصرة والمحبة لعلي رضي الله عنه بدون غلو وبين التشيع الذي استقر أخيراً كفرقة لها عقائدها المميزة بعد أن أدخلت الباطنية الغلو في علي توسلاً إلى الطعن في الصحابة, وهكذا بثت الباطنية تعاليمها الإلحادية في غلاة الصوفية .


4- إن اعتبار الصوفية (فرقة ) لا بد أن يثير الاستغراب والتساؤل, لأن الاعتقاد السائد أنهم من غمار أهل السنة.

وجواباً على هذا الاعتراض نقول: إذا كانت الصوفية تعتقد أن طريق الوصول إلى الله سبحانه وتعالى بالكشف والذوق والرياضيات الروحية التي ما أنزل الله بها من سلطان, فلا شك أن هذا تفرق مذموم فكيف بمن يتكلم بالحلول والإتحاد, فهذا كفر صريح. وإذا كان علماء السلف قد ذموا علم الكلام وما جرَّ وراءه من بدع وتفرق, وإن كان بعض العلماء الذين خاضوا فيه قصدوا الدفاع عن الإسلام بنوايا حسنة, فكيف لا يذم من ابتدع طريق التصوف الأعجمي في الفناء والرهبانية وذكر الله بالرقص والدف " ومن يعتقد أن لأحد طريقاً إلى الله من غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر من أولياء الشيطان" .

ثم إن هناك من العلماء الذين كتبوا في موضوع (الفرق) من اعتبرها كذلك, كالرازي في كتابه (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ) قال: " اعلم أن أكثر من قص فرق الأمة لم يذكر الصوفية وذلك خطأ .. " , ثم ذكر طبقاتهم وفرقهم. وقد جعل ابن النديم في كتابه (الفهرست) المقالة الخامسة ( في السياح والزهاد والعباد والمتصوفة المتكلمين على الخطرات والوساوس ) .

وعقد ابن حزم في كتابه ( الفصل في الملل والنحل ) فصلاً لذكر ( شنع قوم لا تعرف فرقهم ) ثم قال: " وادعت طائف من الصوفية أن في أولياء الله من هو أفضل من جميع الأنبياء, وأن من عرف الله فقد سقطت عنه الأعمال" .
وجاء في كتاب ( البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ) لعباس بن منصور الحنبلي: " ولم يشذ أحد منهم ـ أي عن أهل السنة والجماعة ـ سوى فرقة واحدة تسمت بالصوفية يتقربون لأهل السنة وليسوا منهم وقد خالفوهم في الاعتقاد والأفعال " والظاهر أن المؤلف يتكلم عن غلاة الصوفية.

والقصد أننا لا نعني بكلمة فرقة إلا التفرق المذموم في الشرع وهو الابتعاد عن أصالة الإسلام الذي يمثله جيل الصحابة ومن تبع أثرهم. ونحن نعلم أن هناك أفاضل ينتسبون إلى التصوف ولكن هذا لا يمنع من الكلام عن الصوفية بشكل عام, وهؤلاء العلماء أخذوا بجانب الصوفية لظنهم أنها الطريق الوحيد لتربية النفس, وهذا خطأ منهم, ومع ذلك فهم لا يتعمقون في التصوف المنحرف المؤدي إلى البطالة أو الكفر, والمرجئة كذلك تصنف مع الفرق ومع ذلك فقد ابتلي بها بعض العلماء فإذا اعتبرنا الصوفية فرقة ابتعدت قيلاً أو كثيراً عن منهج السلف فلا يعني هذا أن كل من انتسب إليها ضال منحرف, فقد يكون من أعظم العباد ولكن فيه نقصاً في جانب من جوانب الإسلام الشامل المتكامل والمسلم يكون فيه من النقص بمقدار ابتعاده عن السنة.

5- ونحن لا ننكر أن أوائل الصوفية أثروا الجانب الروحي ـ إذا صح التعبير ـ بكلامهم عن أعمال القلوب و خطراتها والتركيز على الإخلاص والتوكل والإنابة والخشية لله سبحانه وتعالى ولكنهم تشددوا في هذا ونقبوا عما لم ينقب عليه من هو أفضل منهم, كما أننا لا ننكر أن البعض في الطرف المقابل قد يكون عنده قسوة قلب وهذا مرفوض أيضاً, بل هذا فيه شبه باليهود الذي وصفهم الله سبحانه في القرآن بأن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة, كما أن عبادة الله دون علم فيه شبه بالنصارى والتوسط المعتدل هو المطلوب, " صراط الذين أنعمت عليهم " فلا نكون كالمغضوب عليهم وهم اليهود, ولا كالضالين وهم النصارى.


6- إن التصوف بالمعنى الاصطلاحي الذي قررناه مستمر إلى الآن وله أثر سلبي واضح في تربية الأجيال المسلمة, تربية الإذلال والعبودية للشيخ, وتصديق كل ما هو غير معقول؟! إنها مأساة حقيقة أن يظهر بين الفينة والأخرى دجال كذاب يمشي وراءه شباب من طلبة الكليات العلمية وغير العلمية, عدا العوام وأنصاف العوام. هذه التربية جعلت من هؤلاء الشباب أصفاراً بلهاء ينتظرون كلمة من الشيخ أو معجزة خارقة على يديه.

يقول ابن عقيل محذراً من الصوفية والمتكلمين:

[ ما على الشريعة أضرمن المتكلمين والمتصوفين, فهؤلاء ( المتكلمون ) يفسدون عقائد الناس بتوهمات شبهات العقول, وهؤلاء ( المتصوفة ) يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان. فالذي يقول: حدثني قلبي عن ربي فقد استغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد خبرت طريقة الفريقين فغاية هؤلاء ( المتكلمين ) الشك, وغاية هؤلاء ( المتصوفة ) الشطح ] .

لهذه الأسباب ولاستمرار المتصوفة في تخريب الأجيال الإسلامية في كل مكان كان لا بد من الكتابة عنهم, ونحن إن شاء الله لا نبخس الناس أقدارهم ولكن كل طائفة أو فرقة تظن أنها وحدها على الحق, وكل حزب بما لديهم فرحون, فهم يظنون أنهم أفضل الخلق, وأنهم صفوة أوليائه, فالغزالي يعتقد أن هذا هو الطريق ولا طريق غيره لتصفية النفس, وكأنه لم يسمع بشيء اسمه أهل السنة والجماعة أو أهل الحديث, أهل العلم والعمل أمثال أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك وأئمة أهل الفقه والحديث وهم كثيرون جداً .

والذي يقرأ في أول شدوه للعلم كتب الغزالي أو الحارث المحاسبي يظن أن هذا هو الطريق ولا طريق غيره, وتبقى الحقيقة وراء كل ذلك قائمة كالشمس في رابعة النهار, تلوح لمن صح قصده, وأصاب علمه, وانتهج الصراط المستقيم.

وأخيراً نرجو من الله سبحانه وتعالى أن نوفق لعرض نشأة الصوفية وتطورها بدون تعصب أو تحامل والله من وراء القصد, والحمد لله رب العالمين.


* * *

المنهج
08-16-2004, 04:36 AM
الفصل الأوَّل
تطوّر الصوفيَّة



لم تكن الصوفية ـ بطبيعتها ـ فرقة واضحة متميزة حتى يمكن للباحث تتبع تطورها طوراً طوراً عبر السنين وإنما هي فرقة ( هلامية ) ليس لها شكل محدد, فقد تجد معتنقي أفكارها مَنْ هم من الفقهاء, أو تجدهم متميزين ببدعهم مدعين الانتساب لأهل السنة, وهذا الأمر مما يُصّعب مهمة الباحث في أطوار الصوفية عندما يقصد إلى التحديد الدقيق لمراحلها المختلفة.

ومن ثم سنحاول بيان هذه الأطوار بذكر المعالم الرئيسية التي مرت بها الفرق عبر القرون, وما قد يكون من ظهور أفكار كبرى تصلح أن يعتبرها الباحث مرحلة من المراحل, فهو تطور امتزج فيه التاريخ بالفكر, فما أصعب أن تنفصل عرى الارتباط الذي دام من منشأ هذا التفرق حتى يوم الناس هذا.

وقد قسمنا مراحل تطور الصوفية إلى ثلاثة مراحل مسبوقة بتمهيد لها وهو ظهور طبقة العباد والزهاد في المجتمع الإسلامي.

ثم أول المراحل وهم أوائل الصوفية الذين يصح أن يقال فيهم: من هنا بدأ التفرق, تتبعها مرحلة المصطلحات التي استقلت بها الفرقة, ثم ظهور فكرة وحدة الوجود وتداخلها في فكر الصوفية مع امتزاجها بالفلسفة الغنوصية اليونانية .


* * *

المنهج
08-16-2004, 04:37 AM
المبْحثُ الأَوَّل
المجتمع الإسلاميُ وظهُور طبقة العُبَّاد

نشأ المجتمع الإسلامي الأول نشأة طبيعية متكاملة غير متكلفة, جمعت بين بقايا من الفطرة السليمة والوحي المنزل من عند الله سبحانه وتعالى, كان العرب يومها وخاصة أهل المدن كقريش و الأوس والخزرج أقرب إلى الفطرة من الأمم الأخرى, فلا ريب أن الله اختار لنبيه أفضل الأجيال, رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنفه ورعايته فكانوا: " كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ... " . وعندما يبدر من أحدهم أي اجتهاد يخالف الحنيفية السمحة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصحح لهم الطريق ويعود بهم إلى الجادة المستقيمة, وعندما همّ ثلاثة من الصحابة بترك الدنيا من نساء وأموال بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بردهم إلى الطريق الوسط قائلاً لهم: " أما أنا فأصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني " .

فالتوسط هو الأصل " وإذا نظرت في عمومات الشريعة, فتأملها تجدها حاملة على الوسط, فطرف التشديد يؤتي به في المقابلة من غلب عليه الانحلال, وطرف التخفيف في مقابلة من غلب عليه الحرج الشديد فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحاً وهو الأصل الذي يرجع إليه " .

كان الصحابة رضوان الله عليهم فيهم الفقير والغني, وفيهم التاجر والمزارع والعامل وكان بعضهم يتناوب الحضور للتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغه للآخرين, وأما أهل الصفة فإنهم لم ينقطعوا للعبادة أو العلم باختيارهم وإنما كان أحدهم إذا وجد عملاً ترك حاله الأولى, هكذا كانت حياة الصحابة حياة طبيعية تجمع بين العلم والعمل والجهاد في سبيل الله, وبينما هو متعلم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هو بين أهله وولده وضيعة يمارس حياته اليومية المعتادة. والتزام أحدهم بعبادة معينة أكثر من الآخرين كفعل عبد الله بن عمرو بن العاص لا يغير من الصورة شيئاً, فهو شخصية متكاملة ولا تزال الفوارق الفردية تمايز بين الناس في جانب دون آخر. فهم كما وصفهم الإمام الجويني: " ولم يرهق وجوههم الكريمة وهج البدع والأهواء ولم يقتحموا جراثيم اختلاف الآراء كالبيضة التي لا تتشظى" .

وكان التابعون وكثير من تابعي التابعين على مثل ذلك, يجمعون بين العلم والعمل, بين العبادة والبعد عن الناس مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الشريعة, ولأسباب معينة قد يغلب على أحدهم الخوف الشديد والبكاء المستمر, فهؤلاء وإن كانت أحوالهم عالية جداً, ولكن أحوال الصحابة ومن اقتفى أثرهم من التابعين أفضل, ولذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: " أنتم أكثر صوماً وصلاة من أصحاب محمد وهم كانوا خيراً منكم قالوا: لم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لأنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة" .

ومن هؤلاء العباد في المدينة:

عامر بن عبد الله بن الزبير: كان يواصل في الصوم فيقول والده: رأيت أبا بكر وعمر ولم يكونا هكذا .

صفوان بن سليم: من الثقات قال عنه أحمد بن حنبل: يستشفى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره, وكان يصلي على السطح في الليلة الباردة لئلا يجيئه النوم, وقد أعطى الله عهداً أن لا يضع جنبه على فراش حتى يلحق بربه, توفي سنة 132هـ . فإذا كان ما أورده الذهبي صحيحاً فهذا خلاف قوله صلى الله عليه وسلم ( وأصلي وأنام ).

ومنهم في البصرة طلق بن حبيب العنزي, من كبار العاملين, وعطاء السلمي بكى حتى عمش .

ومنهم كرز بن وبر الحارثي نزيل جرجان: من العباد والزهاد قال عنه الذهبي:" هكذا كان زهاد السلف وعبادهم أصحاب خوف وخشوع وتعبد وقنوع لا يدخلون في الدنيا وشهواتها ولا في عبارات أحدثها المتأخرون من الفناء والاتحاد" .

ومنهم في الكوفة: الأسود بن يزيد بن قيس: كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يصفرَّ جسمه . وداود الطائي, يذكر عنه أنه ورث بيتاً فكان لا يعمره إذا خربت ناحية منه حتى خرب البيت كله وجلس في زاوية منه, وقد نحل جداً من قلة الأكل .

ويبدو أن من أسباب ظهور طبقة العباد والزهاد في القرن الثاني الهجري هو إقبال الناس على الدنيا يجمعون منها ويتفاخرون , فكانت ردة الفعل عند البعض هي الابتعاد الكلي عنها, ولا بد أن هناك أسباباً أخرى قد تكون شخصية, وقد تكون من أثر إقليم معين أو مدينة معينة, فإن من الخطأ تفسير ظاهرة ما بسبب واحد.

ثم حدثت مرحلة انتقالية بين هذا الزهد المشروع وبين التصوف حين أصبح له تآليف خاصة, ويمثل هذه النقلة مالك دينار فنراه يدعو إلى أمور ليست عند الزهاد السابقين, منها التجرد أي ترك الزواج, وهو نفسه امتنع عن الزواج وكان يقول: " لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويأوي إلى مزابل الكلاب" . ويقول: " إنه لتأتي عَلَيّ السنة لا آكل فيها لحماً إلا في يوم الأضحى, فإني آكل من أضحيتي" . وكثيراً ما يقول: قرأت في بعض الكتب, قرأت في التوراة,ويروى عن عيسى عليه السلام: " بحق أقول لكم, إن أكل الشعير والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس " أو قوله: " أوحى الله إلى نبي من الأنبياء " أو " قرأت في الزبور ... " .

فمن الواضح ومن خلال قراءة ترجمته في كتب الطبقات أنه متأثر بما ترويه الكتب القديمة عن الزهاد والرهبان .. ومن الواضح أن هذه الكتب قد حرفت ولسنا مأمورين بقراءتها بل منهيون عن الأخذ منهم وتقليدهم.

وربما يكون عبد الواحد بن زيد ورابعة العدوية من أقطاب هذه المرحلة الانتقالية, واستحدثت كلمة العشق للتعبير عن المحبة بين العبد والرب ويرددون أحاديث باطلة في ذلك مثل: " إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت نعيمه ولذته في ذكري عشقني وعشقته " وبدأ الكلام حول العبادة لا طمعاً في الجنة ولا خوفاً من النار, وإنما قصد الحب الإلهي, وهذا مخالف للآية الكريمة: " يدعوننا رغبا ورهباً " . ومثل قول رابعة لرجل رأته يضم صبياً من أهله ويقبله : " ما كنت أحسب أن في قلبك موضعاً فارغً لمحبة غيره تبارك اسمه " . وهذا تعمق وتكلف لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبل أولاد ابنته ويحبهم .

يقول ابن تيمية : ملاحظاً : هذا التطور : " في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء : الرأي , والكلام, والتصوف, فكان جمهور الرأي في الكوفة, وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة, فإنه بعد موت الحسن وابن سيرين ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وظهر أحمد بن علي الهجيمي وبنى دويرة للصوفية وهي أول ما بني في الإسلام ( أي دار خاصة للالتقاء على ذكر أو سماع ) وصار لهم من التعبد المحدث طريق يتمسكون به, مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع, وصار لهم حال من السماع والصوت, وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء في القول والعمل, وأما الشاميون فكان غالبهم مجاهدين " .

كما لخص هذا التطور الإمام ابن الجوزي فقال : " في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانت كلمة مؤمن ومسلم, ثم نشأت كلمة زاهد وعابد, ثم نشأ أقوام وتعلقوا بالزهد والتعبد واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها, هكذا كان أوائل القوم ولبَّس عليهم إبليس أشياء ثم على من بعدهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن " .

هؤلاء الذين اتخذوا طريقة تفردوا بها ويسميهم ابن الجوزي ( أوائل القوم ) الذين جمعوا بين الزهد وبين التعمق والتشدد والتفتيش على الوساوس والخطرات مما لم يكن على عهد السلف الأول, هؤلاء هم الذين سنتكلم عنهم في الفصل القادم إن شاء الله.

المنهج
08-16-2004, 04:38 AM
المبحث الثاني
أوائل الصوفية

تطورت الصوفية حتى وصلت إلى الغلو, من البدع العملية إلى البدع القولية الإعتقادية, بعد أن دخلت عليها عناصر خارجية, وهي كأي تفرق يبدأ بسيطاً ساذجاً ثم ينتقل إلى التأصيل والتفريع ثم الإيغال في الضلال. ويمكن تقسيم هذا التطور إلى ثلاث مراحل: أوائل الصوفية ومن مشى على طريقتهم ثم تقيد الصوفية بمصطلحات خاصة ثم دخول الفلسفة الغنوصية وظهور نظريات الاتحاد ووحدة الوجود. هذه المراحل أو الطبقات ليست منفصلة عن بعضها وغير محددة بزمن معين وانتهت, بحيث أن كل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها, ولكن هذا التطور حصل في العصور الإسلامية فكان الغالب على بدايات التصوف عدم الغلو, ثم إن التصوف بلغ قمة الانحراف في القرن السابع على يد ابن عربي وابن الفارض وأمثالهما, وصوفية اليوم مزيج من الانحراف العملي والعلمي فر يزال يوجد من يردد أقوال الغلاة عن علم وعن غير علم.

إن من أعلام المرحلة الأولى من هو في القرن الثالث كالجنيد والسري السقطي , ومنهم في القرن الرابع كأبي طالب المكي وبداية القرن الخامس كأبي عبد الرحمن السلمي كما أنه ظهر مبكراً من يقول بالحلول كالحلاج ولكن هذا كان شاذاً بالنسبة لانتشار الغلو في القرون المتأخرة . فالقصد أن هذا التقسيم هو للغالب على كل مرحلة .

المنهج
08-16-2004, 04:39 AM
أوائل الصوفية

عرف التصوف في بداياته بأنه رياضات نفسية ومجاهدات للطباع , وكسر لشهوات النفوس وتعذيب للجسد كي تصفو الروح , وإذا كان هذا الصفاء الروحي يأتي بدون تكلف عند السلف نتيجة التربية المتكاملة فنحن هنا بصدد تشدد وتكلف لحضور هذا الصفاء , وبصدد تنقير وتفتيش عن الإخلاص يصل إلى حد الوساوس , وسنرى من أقوالهم وأحوالهم ما يؤيد هذا .

قال الجنيد – ويسمونه سيد الطائفة - : " ما أخذنا التصوف عن القيل والقال بل عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات " . ويصف معروف الكرخي نفسه فيقول : " كنت أصبح دهري كله صائماً , فإن دعيت إلى طعام أكلت ولم أقل إني صائم " ويقول بشر الحافي : " إني لأشتهي شواء ورقاقاً منذ خمسين سنة ما صفا لي درهم " . ويرى الجنيد عند شيخه السري السقطي خرف كوز مكسور فيسأله عن ذلك فيقول : أبردت لي ابنتي ماء في هذا الكوز ثم غلبتني عيني فرأيت جارية فسألتها لمن أنت ؟ فقالت : لمن لا يشرب الماء البارد وضربته بيدها فانكسر . ويروي الجنيد عن بعض الكبراء أنه إذا نام ينادي : أتنام عني! إن نمت لأضربنك بالسياط , وحكى الغزالي عن سهل بن عبد الله أنه كان يقتات ورق النبق مرة , ويشجع الغزالي على السياحة في البراري بشرط التعود على أكل أعشاب البرية والصيد !؟

المنهج
08-16-2004, 04:40 AM
ومن آداب الصوفية عند أبي نصر السراج : ( إيثار الذل على العز , واستحباب الشدة على الرخاء ) , ورتبوا أموراً لمن يريد الدخول معهم أو للمريد ومنها : اشتراط الخروج من المال كما يذكر القشيري في رسالته , وأن يقلل من غذائه بالتدريج شيئاً بعد شيء وأن يترك التزوج ما دام في سلوكه , و أما أبو طالب المكي فيطلب من المريد ألا يزيد على رغيفين في اليوم والليلة , والجنيد يطلب من المريد ألا يشغل نفسه بالحديث . كل هذه الأمور تخالف التوسط والحنيفية السمحاء وتخالف ما كان علية الصحابة ومن ميزات هذه المرحلة :
1- استحداث ما يسمونه ( السماع ) وهو الاستماع إلى القصائد الزهدية المرققة , أو إلى قصائد ظاهرها الغزل ويقولون : نحن نقصد بها الرسول صلى الله عليه وسلم , ومنشدهم يسمونه ( القوّال ) ويستعمل الألحان المطربة .
2- بدأ الكلام عن كيان خاص مميز يسمى ( الصوفية ) وظهرت كلمات مثل ( طريقتنا ) و ( مذهبنا ) و ( علمنا) يقول الجنيد : " علمنا هذا مشتبك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
ويقول أبو سليمان الداراني : " إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة " .
فلماذا (علمنا) ولماذا ( من نكت القوم ) .
3- صنفت الكتب التي تجمع أخبار الزهد والزهاد وتخلط الصحيح بغير الصحيح وتتكلم عن خطرات النفوس والقلوب والدعوة إلى الفقر وتنقل عن أهل الكتاب , مثل كتب الحارث المحاسبي , وأبي طالب المكي في ( قوت القلوب ) , وصنف لهم أبو عبد الرحمن السلمي في التفسير , وأبو نعيم الأصفهاني في ( حلية الأولياء ) . يقول ابن خلدون : " أصل طريقتهم محاسبة النفس والكلام في هذه الأذواق ثم ترقوا إلى التأليف في هذا الفن فألفوا في الورع والمحاسبة كما فعل القشيري في ( الرسالة ) وذلك بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط " .

المنهج
08-16-2004, 04:40 AM
ولنا على هذه المرحلة الملاحظات التالية :

1. هذا التعمق والتشدد في العبادات مع ترك المباحات لم يعهد عند السلف رضوان الله عليهم , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل اللحم ويحب الحلوى ويستعذب له الماء البارد , ولم يأمر صلى الله عليه وسلم أحداً من أصحابه بالخروج عن ماله , والتشدد في الدين كدوام الصيام والقيام هو داء رهبان اليهود والنصارى , وترك التزوج وإدامة الجوع فيه شبه بالتبتل الذي رده الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه , وبسبب هذه الرياضات فقد ابن عطاء الأدمي البغدادي عقله ثمانية عشر عاماً , وقال الذهبي معلقاً على ذلك : " ثبت الله علينا عقولنا فمن تسبب في زوال عقله بجوع ورياضة صعبة فقد عصى وأثم " .
وأما السياحة في البراري فهي من السياحة المنهي عنها , وهي من الرهبانية المبتدعة , وكأنهم لم يسمعوا بالحديث الذي رواه أبو داود عن أبي أمامة أن رجلاً قال : يا رسول الله أئذن لي في السياحة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " .

يقول ابن تيمية : " وأما السياحة التي هي الخروج في البرية فليست من عمل هذه الأمة " , وقول الإمام الذهبي : " الطريقة المثلي هي المحمدية , وهو الأخذ من الطيبات , وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف , فلم يشرع لنا الرهبانية ولا الوصال ولا صوم الدهر والجوع أبو جاد الترهب " . " وقد لُبِّس عليهم في ترك المال كله , وكانت مقاصدهم حسنة وأفعالهم خطأ والعجيب من الحارث المحاسبي والغزالي كيف حثوا على ذلك , وأما استشهاد الحارث بأن عبدالرحمن بن عوف يوقف في عرصة القيامة بسبب مال كسبه من حلال فهذا خطأ وجهل بالعلم وقصة حبس ابن عوف غير صحيحة , ولم ينه الله عز وجل عن جمع المال وإنما النهي عن القصد بالجمع " .

إن السلف عندما فهموا الإسلام فهماً صحيحاً لم يتعمقوا ويشددوا على أنفسهم , فهذا سيد التابعين سعيد بن المسيب يقول له مولاه برد : ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء , قال سعيد : ما يصنعون ؟ قال : يصلي أحدهم الظهر ثم لا يزال صافاً رجليه يصلي حتى العصر , قال سعيد : ويحك يا برد, أما والله ما هي بالعبادة , تدري ما العبادة ؟ إنما العبادة التفكر في أمر الله والكف عن محارم الله .

إن هذا الجسد مطية للنفس فإذا لم تعط هذه المطية حقها لم تستطع أن تحمل النفس بآمالها الكبيرة , ولكن عندما يحدث الزهد غير المشروع والتبتل والجوع وترك اللحم , الاقتصار على كسرة الخبز وشربة الماء و عندئذ تلزمه خطرات النفس ويسمع أشياء تتولد عن الجوع والسهر , وربما أدى به إلى أمراض نفسية , " والوصول إلى العبادة لا يكون إلا بالحياة الدنيا ولا سبيل إلى ذلك إلا بحفظ البدن " " ومجرد ترك الدنيا ليس في كتاب الله ولا سنة نبيه وما فيه ضرر في الدنيا مذموم إذا لم يكن نافعاً في الآخرة " .

المنهج
08-16-2004, 04:41 AM
إن الزهد الحقيقي هو الزهد في الدنيا حتى يستوي عنده ذهبها وترابها والزهد في مدح الناس أو ذمهم , فمن كان هكذا فهو من أطباء القلوب , فإن بدا منه ما يخالف الشريعة نَرُدَّ عليه بدعته ونضربها في وجهه . وقد مدح الخليفة العباسي المنصور عمرو بن عبيد المعتزلي على زهده فعلق ابن كثير : " الزهد لا يدل على صلاح فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد مالا يطيقه عمرو ولا كثير من المسلمين " .

المنهج
08-16-2004, 04:42 AM
2. قد يظن العوام الذين يرون عبادة هؤلاء أنهم أفضل من الصحابة , لأنهم لم يسمعوا أن الصحابة كانوا يفعلون مثل هذا والناس يعجبون بالغرائب والتشدد , ولا يعلمون أن الشريعة جاءت بالطريق الأوسط الأعدل , وقلة العلم بالآثار والسنن هي التي أوصلت بعض هؤلاء الناس إلى التشدد , وظنوا أن القصد من الشريعة هو العمل ولذلك فلا داعي للعلم , وإذا كان من الصعب تكامل الشخصية الإسلامية على مستوى جيل من الناس كما وجد عند الصحابة فلا أقل من اقتفاء آثارهم ما أمكننا ذلك ولا نتطرف في ناحية دون أخرى .

3. إن السماع الذي استحدثوه هو الذي أنكره الشافعي رضي الله عنه عندما زار بغداد وقال : " خلفت ببغداد شيئاً يسمونه التغيير يصدون به الناس عن القرآن " , ويقول ابن تيمية : " وهذا حدث في أواخر المائة الثانية وكان أهله من خيار الصوفية " ويقول أيضاً: " وهذه القصائد الملحنة والاجتماع عليها لم يحضرها أكابر الشيوخ كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم والكرخي , وقد حضرها طائفة منهم ثم تابوا وكان الجنيد لا يحضره في آخر عمره " .

4. قلنا أنه بدأ الكلام عن كيان خاص يسمى ( الصوفية ) وقد يقول معترض : إذا كانت القضية قضية أسماء مستحدثة فقد حدث الانتساب إلى الفقه الشافعي والمالكية ... أو الانتساب إلى الحديث , والجواب هو أنه إذا كانت الأسماء المستحدثة تنسب على علم شرعي يحبه الله ورسوله مثل تعلم الفقه والحديث , ولا يؤدي هذا الانتساب إلى تعصب حول شخص معين فلا مانع من ذلك " والانتساب قد يكون محموداً شرعاً مثل المهاجرون والأنصار وقد يكون مباحاً كالانتساب إلى القبائل والأمصار بقصد التعريف فقط , وقد يكون مكروهاً أو محرماً كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية " .

5. إن الكتب التي صنفت في هذه الفترة والتي ذكرنا بعضاً منها , هذه الكتب كان للعلماء فيها رأي , قال ابن الجوزي عن كتاب ( قوت القلوب ) : ذكر فيه الأحاديث الباطلة والموضوعة وقال عن ( حلية الأولياء ) لأبي نعيم : لم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وسادات الصحابة عليه وسئل أبو زرعة عن كتب المحاسبي فقال : إياك وهذه الكتب , فقيل له : في هذه عبرة , قال : من لم يكن له في كتاب الله عز وجل عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة .

6. في هذه المرحلة المبكرة يبدو أن هناك تأثيراً للنصارى في تكون القناعات بتعذيب الجسد كي تصفو الروح . روى أحمد بن أبي الحواري قصة لقائه براهب دير حرملة وقد سأله عن سبب رهبانيته فقال : البدن خلق من الأرض والروح خلقت من ملكوت السماء فإذا جاع بدنه وأعراه وأسهره نازع الروح إلى الموضع الذي خرج منه وإذا أطعمه وأراحه أخلد إلى الأرض وأحب الدنيا . حدث أبي الحواري شيخه أبا سليمان الداراني بمقالة الراهب هذه فقال الشيخ " ( إنهم يصفون ) وكأنه أعجب بكلام الراهب ولذلك علق الذهبي عليه بقوله : ( الطريقة المثلي المحمدية ) .

7. إن أهل هذه الطبقة من الصوفية صادقون في زهدهم وبعدهم عن الدنيا ولكن فيهم تعمق وتشدد ووساوس لم يأمر بها الشارع بل لا يحبها ونحن لا نستبعد أن يكون هناك من يريد إفساد عقائد المسلمين فإدخال العقائد الباطنية ويكون فعله هذا من وراء ستار كما أخذوا التشيع بالمعنى السياسي وأدخلوه في دهاليز الباطنية , ولذلك يبدر منهم أحياناً كلمات تجعلنا نتوقف عندها طويلاً كما يروى عن الجنيد أنه قال للشبلي : نحن حبرنا هذا العلم تحبيراً ثم خبأناه في السراديب فجئت أنت فأظهرته على رؤؤس الملأ " . مع أن بعض العلماء يستبعد كلمات تنسب إليه مثل قوله ( انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة ) يقول ابن تيمية : " فيه نظر , هل قاله؟ والجنيد الاستقامة غالبة عليه " .

هذه هي حال الطبقة الأولى فيها زهد مشروع خلط بغير المشروع مع أن أحوالهم في العبادة والأذكار والبعد عن الرياء أحوال عالية , ثم تطور الأمر بعد هذا بإدخال مصطلحات فيها حق وباطل أو تحتمل هذا وذاك وزاد الانحراف واتسعت الفرجة والبعد عن السنة وهو ما سنتكلم عنه الفصل القادم إن شاء الله .

* * *