المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل كان الحافظ الجوزجاني ناصبي



فهّاد
08-03-2004, 03:45 AM
لقد اتهم ابن حجر الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (شيخ النَّسائي) بأنه غالٍ في النصب. وأنا أقول: ليس كل من اتهموه بتهمة تثبت عليه. فالجرح لا يقبل ‏–‏مع التعديل‏–‏ إلا إذا كان مُفَسَّراً. فأين دليله على نصبه؟ وابن حجر لم يجد على كلامه دليلاً سوى تعنت الجوزجاني ‏–‏بنظر ابن حجر‏–‏ على الكوفيين. قلت: وهذا لا يعني النصب كما لا يخفى على أحد. ولإثبات أنه ناصبي فلا بد من إثبات أنه يناصب علي (ر) وأهل البيت العداء. أي لا بد أن تجد له قولاً يطعن في علي (ر). وإلا فالأمر مجرد عداوة شخصية بينه وبين الكوفيين (على فرض صحة كلام ابن حجر).

وقد طالعت ترجمته في "تهذيب الكمال" فلم أر إلا ثناءً عليه. قال الحافظ المزي في ترجمة الجوزقاني في تهذيب الكمال (2\248): قال أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال: «إبراهيم بن يعقوب (الجوزقاني): جليلٌ جداً. ‏كان أحمد بن حنبل يُكاتبه ويُكرمه إكراماً شديداً. وقد حدثنا عنه الشيوخ المتقدمون. وعنده عن أبي عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) جزءان مسائل». وقال النسائي ‏‏(متشدد يقال فيه تشيع): «ثقة». وقال الدارقطني: «أقام بمكة مدة، وبالبصرة مدة، وبالرملة مدة. وكان من الحفاظ المصنفين، والمخرجين الثقات». وقال أبو أحمد ‏بن عدي: «كان يسكن دمشق يحدث على المنبر. ومكاتبه أحمد بن حنبل، فيتقوى بكتابه، ويقرأه على المنبر». اهـ. ولم يذكر الحافظ المزي فيه أي جرح. قلت: ‏فهذا النسائي –تلميذ الجوزقاني– أعرف الناس به. وقد وثّقه بإطلاق رغم ما يقال عن تشيعه (أي تشيع النسائي)، ورغم تشدده في التوثيق، ورغم عدائه الشديد للنواصب، لدرجة تسببت بقتله. ولو كان الجوزجاني ناصبياً لما وثقه النسائي أصلاً.‏

وعلى فرض أنه ناصبي كما يزعمون، فعندما يجرح الشيعيَّ الثقة، يقول عنه زائغ أو مخذول أو مذموم أو مائل عن الحق، ولا يتهمه بضعف الحفظ. بل هو يحتج بحديثه في غير بدعته. وعلى سبيل المثال فإن الجوزجاني وثق "حبة بن جوين" الشيعي مطلَقاً، رغم أن الجمهور ضعفه. وقد قال عنه ابن حبان: «كان غالياً في التشيع، واهياً في الحديث». فلم يمنع غلو "حبة بن جوين" في التشيع، من توثيق الجوزجاني له. وهذا من إنصافه رحمه الله. وإذا أراد أن يبين انحراف الراوية بيّن ذلك دون أن يرد حديثه كله. فقد قال مثلاً في إسماعيل بن أبان الوراق: «كان مائلاً عن الحق، ولم يكن يكذب».

وقد نص الإمام الجوزجاني على هذا المنهج بنفسه، فقال في كتابه "أحوال الرجال" (ص32): «ومنهم زائِغٌ عن الحقّ، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه: إذ كان مخذولاً في بدعته، مأموناً في روايته، فهؤلاء عندي ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرف، إذا لم يُقَوِّ به بدعته، فيُتَّهم عند ذلك».‏ وهذا المذهب هو ما عليه جمهور المحدثين من أهل السنة والجماعة. وقد نقل ابن حجر هذه العبارة مُقِراً لها في لسان الميزان (1\11).

ولم يجد ابن حجر مثالاً على غلو الجوزجاني في جرح الشيعة إلا مقولته في الأعمش الكوفي (شيعي ثقة لكنه يدلس عن كذابين). فقد قال الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص192 - طبعة مؤسسة الرسالة 1405): «حدثني أحمد بن فضالة وإبراهيم بن خالد، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن زيد، قال: قال الأعمش حين حضرته الوفاة: أستغفر الله وأتوب إليه من أحاديث وضعناها في عثمان».‏ وهذا إسنادٌ رجاله ثِقات، ولكن حمّاد أرسل الخبر ولم يحضر احتضار الاعمش. فيكون حمّاد قد سمع الخبر من رجُلٍ لم يُسمّه. فلا يصلح هذا جرحاً في الأعمش، ولا يُطعَنُ به في الجُوزجاني. أم بالقوة يريدون أن يكون الجوزجاني كذاباً لأجل أنه يُظَنّ أنه اتخذ موقفاً سياسياً من الشيعة؟! ولم يستطع أحدٌ من هؤلاء إثبات تهمة النصب للجوزجاني، فأين ما يدّعونه؟

وإجمالاً فإن النواصب كان معروفاً عنهم الصدق والتدين. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (8\410): «فأكثر من يوصَفُ بالنّصْبِ يكون مشهوراً بصِدقِ اللهجة والتمسّك بأمور الديانة. بخلاف من يوصَفُ بالرّفضِ، فإن غالبهم كاذبٌ ولا يتورع في الإخبار».

ومثال ذلك مثلاً العابد الزاهد مُرّة بن شراحيل الهمداني. وقد كان ناصبياً، لكنهم وثقوه وأخذوا حديثه (في غير بدعته). ففي تاريخ ابن معين (رواية الدوري) (4\30): «سمعت يحيى يقول: مرة بن شراحيل هو مرة الطيب. وإنما سُمِّيَ الطيّب لعبادته». وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (10\80): «معروفٌ بمرة الطيب ومرة الخير. لُقِّب بذلك لعبادته‏». وقال: «سجد مرة الهمداني حتى أكل التراب وجهه». وقال عنه العجلي: «تابعي ثقة، وكان يصلي في اليوم والليلة خمسمئة ركعة». ونقل يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (3\239): «عن عمرو بن مرة قال: سمعت مُرة ينتقص علياً، فقلت له: تقول هذا لرجل من أصحاب النبي؟ قال: ما ذنبي إن كان خيره سبقني وأدركني شره؟». ولا ريب أن النصب معصية كبيرة. ولكن قالوا: صدقه لنا، وبدعته عليه. والذي نشير إليه هو صحة ما ذكره ابن حجر بأن أكثر من يوصَفُ بالنّصْبِ يكون مشهوراً بصِدقِ اللهجة والتمسّك بأمور الديانة، بخلاف الروافض.

ثم الناصبة قسمين: الناصبة اعتقدوا أن علياً (ر) قتل عثمان (ر) أو كان أعان عليه أو أقر بذلك، وعثمان خير من علي بلا أدنى ريب. فكان بغضهم له، ديانة بزعمهم. وهذه الطائفة لم تلبث قليلاً إلا وانقرضت. ثم انضم إلى النواصب من قُتِلَ أقاربه في حروب علي. فالنصب من هؤلاء دنيويٌّ، لا يكون إلا بدافِعٍ سياسي وردة فِعلٍ لغلوِّ الشيعة. فهو موقِفٌ شخصيٌّ لا ينسحب على بقية صفات المسلم. أما الشيعة الصحابة وأهل السنة فهي تبغض تديناً وعقيدةَ، وينسحب ذلك على صدقهم ونقلهم. وبهذا شرح ابن حجر سبب كثرة الصدق في النواصب، وكثرة الكذب في الروافض.

قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (8\410): «عن مطر بن حمران، قال: كُنّا عند أبي لبيد (لمازة بن زبار). فقيل له: أتحب علياً؟ فقال: أحب علياً وقد قتل من قومي في غداة واحدة ستة ‏آلاف؟!‏». فهذا شعور نفسي لا علاقة له بالدين. بعكس الشيعة فإن أصل عقيدتهم تضليل الصحابة. وهم يعترفون بأنهم أول من وضع الأحاديث الموضوعة وكذبوا على رسول الله (ص). قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد: «وضعت الرافضة في فضائل علي ‏‎(ر) وأهل البيت، نحو ثلاث مئة ألف حديث». قال ‏إبن القيم في المنار المنيف: «ولا تستبعد هذا. فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال». ‏