المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تابع : الخطوط الرئيسة...الجزء الثاني



المقتدي بالسلف
08-02-2004, 03:32 PM
تابع : الخطوط الرئيسة...الجزء الثاني


أمْرُ الشارع الحكيم بِحفظ اللسان

و قد عَقَدَ الإمام النووي - رحمة الله عليه - باباً في كتابه القيم ( رياض الصالحين ) بعنوان ( باب تحريم الغيبة و الأمر بحفظ اللسان ) ، و بعد أن ذكر رحمه الله الآيات التي تنهى عن الغيبة و تأمر بحفظ اللسان ، قال " إعلم أنه ينبغي لكل مُكلّفٍ أنْ يَحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة ، و متى استوى الكلام و تركُهُ في المصلحة ، فالسنّة الإمساك عنه ، لأنه قد يَنْجرّ الكلام المُباح إلى حرام أو مكروه ، و ذلك كثير في العادة ، و السلامةُ لا يَعْدلها شيءٌ " ا.هـ .

ثم أورد رحمه الله حديثاً عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه و سلم - قال ( مَن كان يُؤمن بالله و اليوم الآخر فلْيَقل خيراً أو لِيَصمُت ْ ) متفق عليه . قال الإمام النووي بعدما أورد هذه الحديث " و هذا صريح في أنه لا يَتَكلَّم إلا إذا كان الكلام خيراً ، و هو الذي ظهرت مصلحته ، و متى شكّ في ظهور المصلحة ، فلا يَتَكلّم " ا.هـ

أَعِد أخي الكريم - من فضلك - كلام الإمام النووي رحمه الله مرة ثانية و تَدبّره جيداً . فإذا تدبّرت الكلام جيداً ؛ بان لك تقصير أولئك القصاصون ، فَهُم يوردون الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، و بعضهم يَعْلمُ ذلك و الكثير منهم يَجْهله . و أخشى أن لا يكونوا معذورين بجهلهم ، لأن النبي - صلى الله عليه و سلم - أَمَر بأمْرين : الأول ( قول الخير ) ، و الأحاديث الضعيفة شر بلا شك . فإن قال القاصُّ : لا أعلم أنه صحيح أم ضعيف ؟ . قلنا : عليك بالأمر الثاني و هو ( الصمت ) . أمّا أن تُحدّث الناس بأحاديث و قصص لا سند لها بِغَرض الإثارة ، فهذا يُعرّضك للإثم و العقوبة .

قال سبحانه و تعالى مخاطباً نبيه - صلى الله عليه و سلم - { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } الإسراء : 36 . جاء في ابن كثير رحمه الله (...وقال قتادة لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعَلمتُ ولم تَعْلم ، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله ) ثم قال ابن كثير ( ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال... ) ، فيا سبحان الله ، المولى عز و جل ينهى خليله عن القول بلا علم ، فَـهَل يا تُرى قرأ أولئك القصاصون هذه الآية و تدبروا معناها ؟! .

و جاء في صحيح الإمام مسلم - عليه رحمة الله - عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: ( كفى بالمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحدّث بِكلّ ما سَمِع ) . أي يكفيه كذباً أنْ يُحدّث الناس بكل ما سمعه من الأخبار الصحيحة و المكذوبة . بل لو كانت صحيحة ، فعليه بالنظر في المصالح و المفاسد ، فإن كانت المصلحة راجحة ؛ تَكَلّم . و إنْ كان غير ذلك فعليه بالصمت . راجع مرة أخرى كلام الإمام النووي رحمه الله .

و جاء في الصحيحين حديث رهيب ، يجب على كل مسلم أن يجعله نُصْبَ عينيه ، فَـعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه و سلم - يقول ( إنّ العبد لَيَتكلّم بالكلمة ما يتبيّن فيها ؛ يَزِلُّ بها إلى النار أَبْعَدَ مما بين المشرق و المغرب ) متفق عليه . قال النووي رحمه الله ( و معنى " يتبيّن " يُفكّر أنها خيرٌ أم شر ) .

فهذه إخوة الإيمان ، بعض الأدلة من القرآن و السنة الصحيحة ، تُوضح بجلاء و تُركّز على أهمية حفظ اللسان ، خاصّة عند الحديث عن دين الله . لأن الخوض في الدين بغير العلم يُعتبر تَقَوّلاً على الله و على رسوله صلى الله عليه و سلم .

و القول على الله بغير علم هو أصل الشرك، لأنّ الشرك ظهر في الأرض ، بعدما زعم بعض الناس أنّ دعاء الأولياء الصالحين الأموات عند قبورهم لا يَضر ، و بالتدريج وقع الناس في الشرك. لذلك جعل الله القول عليه بغير العلم أكبر من الشرك في الحرمة ، لأنه السبب فيه ، قال تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) الأعراف : 33 .


لماذا هذا التركيز الشديد على أؤلئك القصاصين ؟

و الجواب : اعلم - حفظك الله - أنّ أهل السنة و الجماعة عندما يُنكرون شيئاً ، فإنهم يُنكرونه عن علم ، و السبب في ذلك هو أنّ أغلب هؤلاء القصاصين :

1- لا يُحدّثون الناس - إلا من رحم ربي- عن التوحيد و لا يُحذّرونهم من الشرك .

2- و لا يُربّون الناس على حب السنة و تطبيقها ، فترى أولئك القصاصون يتساهلون في تطبيق السنة تساهلاً عجيباً - إلا من رحم ربي- ، فتراهم حليقو اللحى و مُسبِلوا الإزار . بل إني لأعلم أحد الدعاة الذين تُوفّوا - أسأل الله أن يرحمه - كان من المدخنين . و الله المستعان .

3- و لا يُحذّرون الناس من البدع و أهلها، بل أكثرهم - إلا من رحم ربي - واقعون في البدع .

4- يُورِدون الأحاديث الضعيفة الموضوعة ، و هذا شر مستطير لا يعلم خطره إلا الله سبحانه و تعالى .


الأحاديث الضعيفة و الموضوعة كانت أحد الأسباب في ظهور الشرك


و قد ذكرتُ لكم أنّ الأحاديث الضعيفة و الموضوعة كانت أحد الأسباب في ظهور العقائد الباطلة بين المسلمين . و حتى أزيدكم من الطيب نفحة ، ها أنا ذا أنقل لكم كلاماً قيّماً للإمام ابن القيم - رحمه الله - يُدَعِّـمُ قولي السابق .

فَـبَعد أن بين ابن القيم مكائد الشيطان التي أوقع عُبّاد القبور - أي المتصوفة - في حبالها، فأصبحوا يدعون و يستغيثون الأموات ، قال رحمه الله " فإنْ قيل : فما الذي أوقع عُبّاد القبور في الإفتتان بها ، مع العلم بأنّ ساكنيها أموات ، لا يملكون لهم ضراً و لا نفعاً ، و لا موتاً و لا حياتاً و لا نشوراً ؟
قيل : أوقعهم في ذلك أمور :
منها : الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله... .
و منها : أحاديث مكذوبة مختلقة ، وضعها أشباه عُبّاد الأصنام : من المقابرية ، على رسول الله صلى الله عليه و سلم تُناقض دينه ، و ما جاء به ، كحديث ( إذا أعيَتْكم الأمور فـعليكم بأصحاب القبور ) و حديث ( لو أحسن أحدكم ظنّه بحجر نفعه ) ، و أمثال هذه الأحاديث التي هي مُناقضة لدين الإسلام . وضعها المشركون ، و راجت على أشباههم من الجُهّال و ضُلاّل . و الله بعث رسوله بِـقَتْلِ مَن حَسّن ظنه بالأحجار ، و جَنّب أمته الفتنة بالقبور بكل طريق ، كما تقدم ." ا.هـ إغاثة اللهفان ص332-333 .


أباطيل مبنية على حديث موضوع


و في الأحاديث الضعيفة تغيير لشرع الله سبحانه و تعالى ، و إليك هذا المثال ، فبالمثال يتّضِحُ المقال . حديث (إذا أعيَتْكم الأمور فـعليكم بأصحاب القبور ) ، و هذا حديث موضوع و مكذوب على النبي محمد - صلى الله عليه و سلم - و هذا الحديث الموضوع أتى بأباطيل كثيرة ، و خالف الشرع من أوجه عديدة :

أولاً : صادم هذا الحديث أصلاً عظيماً من أصول الدين ، و هو إفراد الله سبحانه و تعالى بالعبادة ، فالله يقول في القرآن
{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً } الجن : 18 ، و الحديث يدعو إلى دعاء غيره .

ثانياً : صادم هذا الحديث قاعدة مُؤصّلة عند أهل السنة ، و هي أنّ الميت لا ينفع و لا يضر ، و هذه القاعدة مأخوذة من الكتاب و السنة ، و لو كان الميت ينفع و يضر ، لـ نفع نفسه و لـ حماها مِن أن تتعرىّ يوم تغسيله ،قال تعالى { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُون نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ َ } الأعراف : 197 .

ثالثاً : َصادم هذا الحديث الموضوع قاعدة مُؤصلة عند أهل السنة ، و هي أنّ الأموات لا يسمعون شيئاً ، قال المولى عز و جل { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ . إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } فاطر : 13-14 .

رابعاً : هذا الحديث سَنَّ سُنّة باطلة ، و هي جواز زيارة القبور لـطلب الحاجات و كشف الكربات ، و هذا بلا شك أمر غير صحيح ، لأنّ زيارة القبور ما شُرِعت إلا للتذكير بالموت و بالآخرة و للدعاء للميت لا دُعاءه .
و الدليل على ما قلنا ، ما جاء في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ( زوروا القبور ، فإنها تُذكِّر الموت ) ، فهذا هو الدليل على التذكير بالموت .

و روى الإمام أحمد رحمه الله ، عن علي بن أبي طالب : أنّ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - قال ( إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإنها تُذكّركم الآخرة ) ، و هذا هو الدليل على التذكير بالآخرة .

و روى الإمام مسلم في صحيحه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : أنّ جبريل أتاه ، فقال : إنّ ربك يأمرك أنْ تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم . قالت قلتُ : كيف أقول لهم يا رسول الله ؟ . قال : قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين ، و يرحم الله المستقدمين منا و المستأخرين ، و إنا إن شاء الله بكم لاحقون ) .

و عن سليمان بن بُريدة عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يُعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا ( السلام على أهل الديار - و في لفظ : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين و المسلمين - و إنّا إنْ شاء الله بكم لاحقون . نسأل الله لنا و لكم العافية ) رواه مسلم . و هذا هو الدليل على الدعاء للميت مِن قِبَلِ الزائر .

و الناظر بعمق في هذين الحديثين ؛ يتبيّن له بجلاء بأن المشروع عند زيارة القبور هو السلام على الموتى و الدعاء لهم :
* لأنه جاء في الحديث ( قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين ، و يرحم الله المستقدمين منا و المستأخرين ) ، فالزائر يُسلّم على الميت و يدعو الله له بأنْ يَرحمه.
* ولأنه جاء في الحديث ( نسأل الله لنا و لكم العافية ) و لم يقل لهم النبي عليه الصلاة و السلام- و هو في موضع التبيين و التعليم - قولوا ( إسألوا لنا و لكم العافية ) . فَـهل قومي يعلمون ؟!


خامساً : هذا الحديث المكذوب على الرسول – صلى الله عليه و سلم – فَتَح الباب على مصراعيه لدعاء أصحاب القبور الموتى سواءً كانوا أئمة المتقين أو سادة الفاسقين . و الله المستعان .

سادساً : هذا الحديث الباطل يُعطي للقبور ميزة ، و يجعلها أرضاً مباركة يُستجاب فيها الدعاء . و هذا ضلال مبين ، أسأل الله أن يُعيذني و المسلمين أجمعين منه . و بالتالي سيعتقد الجهال بأن للقبور بركة مُتعدية ، و هذا سيؤدي إلى أن يتمسّحوا بالقبور و جدرانها ، و إلى أن يتبرّكوا بترابها و حصبائها . و هذا مشاهد عند الأضرحة . فَـهل قومي يفهمون ؟!

فهل أدركت أخي القارئ الكريم - حفظك الله و رعاك - مدى خطورة هذه الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، و هل استيقنت ما قُلتُه لك من أنّ هذه الأحاديث أَدخَلت العقائد الباطلة إلى أمة الحبيب المصطفى صلوات ربي و سلامه عليه .


من مضار الأحاديث الضعيفة و الموضوعة إعلاء مكانة أهل الضلال


و إنّ من أخطار و مضار هذه الأحاديث ؛ رَفْعُ أهل الباطل و الفساد ، و تلميع ذِكْرهم عند العباد ، و مِن أقوى الأمثلة على ما ذكرت لك أخي الفاضل ، تلك القصة التي استلمتُها - و لعلك قرأتها - عبر البريد الإلكتروني ، و فيها أنّ أبا يزيد البسطامي ناظر قسيساً في كنيسة ، فأسلم أهل الدير كلهم بما في ذلك القسيس . و العاميُّ من الناس قد تعجبه هذه القصة ، لأنها تسبّبت في نشر الإسلام ، و ما عَلِمَ المسكين أنّ مثل هذه القصة قد دُسّ فيها السم الزعاف القاتل .

فهذه القصة من نسيج خيالات أهل التصوف ، و هي ليست صحيحة السند ، و لو قُدّر أنها صحيحة السند ، فلا يجوز تناقُلها و حكايتها للعوام ، لأنّ فيها مدحاً و ثناءً لأهل البدع و الفساد من أهل عقيدة الحلول و الإتحاد ، و هذه العقيدة تحوي الزندقة و الكفر بالله ، ما الله به عليم .

و كأنّك - و الله أعلم - قد تساءلت هذه الأسئلة :

1- كيف أَثْنت هذه القصة على مبتدع ضال ؟ و مَن هو ؟ و ما حاله؟ .

2- ما هي عقيدة الحلول الإتحاد . و غيرها من الأسئلة .


و الجواب أن نقول : لقد أثنت هذه القصة المكذوبة على أبي يزيد البسطامي ، فهذه القصة يَعُدّها أهل التصوف كرامةً من كرامات هذا الشيخ .

و أبو يزيد هذا اسمه طيفور بن عيسى بن سروشان البسطامي . و جده - سروشان - كان مجوسياً فأسلم ، و هو من بلدة بين خراسان و العراق تُسمى ( بسطام ) .

و أبو يزيد طيفور كان له إخوان ، و هو الثاني بـحسب الترتيب : آدم ثم طيفور ثم علي ، و كلهم كانوا من الصوفية ، و لكن أبا يزيد كان أشهرهم ، و كان له أحوال و أقوال لم يُسبق إليه ، مثال ذلك قول أبو يزيد طيفور ( لقد خُضنا بحراً ، وَقَـف الأنبياء بـساحله ) .

و بعض المتصوفة يعتقد أنّ في رؤية طيفور هذا فضلٌ عظيم و أجر كبير ، و لعلك ستندهش عندما أنقل لك ما ذكره أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ( باب حكاية المحبّين و مُكاشفاتهم ) ، حيث ذَكَر قصةً دارت بين رجل يُكنى بأبي تراب و صديقٍ له ، جاء فيها :
قال أبو تراب يوماً : لو رأيتَ أبا يزيد ! .
فقال له صديقه : إني عنه مشغول ، قد رأيْتُ الله فأغناني عن أبي .
قال أبو تراب : ويلكَ تَغْتر بالله عز و جل ، لو رأيتَ أبا يزيد مرةً واحدةً ، كان أنفع لك من أنْ ترى الله سبعين مرة .

ثم عَلّق أبو حامد الغزالي على هذه القصة بقوله ( فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن يُنكرها المؤمن ) .

قال الشيخ الحلبي السلفي محمد بن جميل زينو - حفظه ربي و أطال عمره في طاعته - بعدما أورد القصة السابقة و قول الغزالي ، قال حفظه الله ( أقول للغزالي : بل يجب على المؤمن أن يُنكرها لأنها كذب و كفر تُخالف القرآن و الحديث و العقل ) . من كتاب للشيخ بعنوان ( مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد و المجتمع ) ج 2 / 214 .

و الحاصل أنّ أبا يزيد هذا كان و لا يزال عند المتصوفة من العلماء و الأولياء ، و كان من الدعاة إلى عقيدة الحلول و الإتحاد.
و عقيدة الحلول و الإتحاد( التي يعتقدها كثير من المتصوفة تتلخص في أنّ العبد إذا وصل إلى مقام معين من مقامات الولاية - أي صار ولياً من أولياء الله حقيقة - حَلّ الله سبحانه و تعالى فيه ، كما يَحِلُّ الماء في الكأس ، و أصبحت صفات ذلك العبد كصفات الله تماماً ، و هذه هي عقيدة الحلول.
و بعضهم يقول إنّ الله يَتّحد بعبده كما يَتّحد الماء باللبن، فيُصبح هو الله لا فرق بينه و بين الله في ذاته و صفاته و أفعاله ، و هذه هي عقيدة الإتحاد . و هذه المرحلة التي يتّحد فيها الله مع عبده أو يَحِلُّ فيه هي الغاية المنشودة عند أئمة المتصوفة ، بل عندهم مَن لم يصل إلى هذه المرحلة فإنه لم يصل إلى معرفة الله حقيقة . و السبيل عندهم لبلوغ هذه الغاية كما زعموا تمرينُ النفس بأنواع الرياضات و المجاهدات... ) نقلاً من كتاب ( شعر البرعي في ميزان الكتاب و السنة ) للشيخ : عمر التهامي

إذاً فصاحب هذه العقيدة يعتقد أنّ الله حَلّ فيه - عياذًا بالله - كما يحل الماء في الكأس ، و أول مَن دعا إلى هذه العقيدة رجل يُسمى حسين الحلاج ، و هو من أصل فارسي مجوسي ، و قد قتله علماء عصره من أهل السنة ردةً ، لأنه زعم بأنّ الله حل فيه ، و كان الحلاج يقول ( إنّ إلهكم الذي تعبدون تحت قدمي هذه ) .

و أصل عقيدة الحلول و الإتحاد مأخوذُ من عقائد الهنود الوثنية ، ثم انتقلت إلى النصارى ، و لذلك ترى أنّ النصارى يعتقدون أنّ الرب عز و جل قد حلّ في عيسى عليه السلام ، و هذا بلا شك كفرٌ و زندقة .

و جاء في كتاب ( اللمع ) لأبي نصر السراج الطوسي ص 382 أنّ أبا يزيد قال ( رفعني الله فأقامني بين يديه ، و قال لي : يا أبا يزيد إنّ خَلْقي يُحبون أنْ يَروك . فقلتُ : زيّني بوحدانيتك و ألبسني أنانيتك ، و ارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا : رأيناك . فتكونُ أنت ذاك و لا أكونُ انا هناك ) ا.هـ .

و قد ألّف أحد المتصوفة - و يُدعى أبو الفضل علي بن الحسين بن أحمد بن الحسن الهمذاني ت 427 هـ - كتاباً سمّاه ( النور من كلمات طيفور ) جاء فيه أنّ أبا يزيد قال:
" من ثلاثين سنة كان الحق مرآتي ، فَصِرتُ اليوم مرآة نفسي ، لأني لست الآن من كنته ، و في قولي : أنا و الحق إنكار لتوحيد الحق ، لأني عدم محض " .
و قال " سبحاني سبحاني ما أعظم شأني ، حسبي من نفسي حسبي " .
و قال أيضاً " عَجِبتُ مِمّن عَرَف الله كيف يعبده " .
و قال " سبحاني سبحاني أنا ربي الأعلى " و غيرها من الأقوال ، فأرجو مراجعة كتاب ( النور من كلمات طيفور ) .

أيها الأخ الفاضل ، كان ما سبق نذراً يسيراً جداَ - و أرجو أن لا يكون مُخلاً - عن أبي يزيد البسطامي ، و عن العقيدة التي كان يدعو إليها .

فهل بان لك أخي الكريم مدى الخطر الكبير و الشر المستطير من هذه القصة التي استلمتُها عن طريق الإيميل ، فإنّ العامي إذا قرأ هذه القصة فَـسَيَغْترّ بأبي يزيد البسطامي ، و سَيَظنّه من كبار الأولياء و الفضلاء ، و إذا وقع في يده كتاب للبسطامي - او لغيره فيه ثناء و استدلال بأقوال البسطامي - فَسَيظنّ انّ ما يقوله حقاً ، و لعل المادة المقروءة هي عقيدة الحلول و الإتحاد ، التي سيقتنع بها هذا العاميُ ، و تكون نهايته إذا لم يتب منها قبل موته الـ...؟!

و إني لأعجب من الشاعر عبد الرحيم البرعي حينما يمدح و يُثني على حسين الحلاج - صاحب عقيدة الحلول و الإتحاد - الذي قال ( إنّ إلهكم الذي تعبدون تحت قدمي هذه ) ، و يتباكى على قتل حسين الحلاج . فقال في قصيدة بعنوان ( قمر السماء ) من ديوانه المسمى ( رياض الجنة ) :

يتهافتون على الربا بضراوة و على التكاثر منه و الإنتاج

إلى أن قال :

سفكوا دماء الأبرياء ظلموا كما سفك الذين خلوا دم الحلاج


و في قصيدة بعنوان ( اذكر إلهك رب العرش ) أثنى البرعي على كل من البسطامي و حسين الحلاج ، فقال :

قال الحسين على معبودكم قدمي وضعته يا له من عارف كاسِ

و قائلٌ خِضْتُ بحراً زاخراً وَقفتْ بساحل منه رُسُلٌ سادةُ الناس


فإنا لله و إنا إليه راجعون


نصائح و توجيهات قبل الختام

و قبل الختام أقول : رأي - المتواضع - في هذه القصة أنها باطلة و مكذوبة ، و فيها مدح لدعاة البدع و الشرك بالله ، فلا يجوز تناقُلها حتى لا يَغْترّ بها العوام ، ثم إنّ سندها مجهول و غير معلوم - للناقل و القارئ إلا من رحم ربي - و إذا كان الحال كذلك فلا يجوز نقلها و لا تحديث الناس بها . لأنّ نبينا و إمامنا صلوات ربي و سلامه عليه قال : ( إنّ العبد لَيَتكلّم بالكلمة ما يتبيّن فيها ؛ يَزِلُّ بها إلى النار أَبْعَدَ مما بين المشرق و المغرب ) متفق عليه . قال النووي رحمه الله ( و معنى " يتبيّن " يُفكّر أنها خيرٌ أم شر )هذا المصير سينتظر كُلَّ مَن تَكلّمَ بكلامٍ لا يدري أَخَيْرٌ هو أم شر ، أَحَقٌ هو أم باطل .

و صدق من قال :

احـفـظ لـسانك أيـها الإنسان لا يـلدغـنك إنـه ثعبان

كـم في الـمقابر مـن قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان

و قال آخر :

يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل

فـعثرته بلسانه تذهب رأسه وعـثرته برجله تبـرأ عـلى مهـل


كما أني أنصح بإستماع الأشرطة العلمية المؤصلة لعدة مشايخ منهم :
العلامة المحدث ناصر الدين الألباني رحمه الله .
و الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله .
و فقيه العصر محمد بن صالح العثيمين رحمه الله .
و فضيلة الشيخ محمد بن علي الجامي رحمه الله .
و فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله .
و فضيلة الشيخ عبيد الجابري حفظه الله . و غيرهم


أما الشيخ عبد الحميد كشك - أسأل الله أن يرحمه - فمعلوم أنه في كثير من أشرطته لا يتحرزّ من مسألة نقل الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، و قصتنا هذه خير دليل على ما قلنا .

كما أني أنصح الأخ الكريم بتعلّم العلم الشرعي الصحيح ، القائم على الكتاب و السنة بفهم الصحابة و من اقتفى أثرهم ، قال ابن القيم رحمه الله :

الــعـلـم قـــال الله قـــال رســولــه قـال الصحـابة هـم أولي العرفان

ما العلم نصبك للـخـلافـة سـفاهـة بـيـن الـرسـول و بـيـن قول فلان


و عليك - أخي الكريم - بأخذ العلم من أهله العلماء الربانيين لا من القصاصين و غيرهم ، و اجعل كلمات الإمام الأوزاعي - عليه رحمة الله - دوماً بين ناظريك .

قال رحمه الله " اتقوا الله معشر المسلمين ، و اقبلوا نصح الناصحين ، و عظة الواعظين ، و اعلموا أن هذا العلم دين ، فانظروا ما تصنعون ، و عَمّنْ تأخذون ، و بِمَنْ تقتدون ، و مَن على دينكم تأمنون ...) تاريخ دمشق 6/362 .

و في الختام

أسأل الله العلي العظيم أنْ يَمُنّ علينا و عليكم بالعلم النافع ، و العمل الصالح ، و أنْ يُوفقنا و إياكم للخير و السداد ، و أنْ يُجنّبُنا الباطل و أهله .إنه ولي ذلك و القادر عليه .

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

سلفي بكل فخر
08-02-2004, 08:05 PM
جزاك الله خيرا و بارك فيك اخي .
مرحبا بك اخى و المنتدى نور
مشاركة قيمة اسال الله ان يجعلها فى ميزان حسناتك .