المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل الرسول شك ؟



ابن القيم
07-27-2004, 09:32 AM
قال قائل من النصارى : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الّذينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ (سورة يونس 10: 94) .وقال البيضاوي في تفسيره: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك من القصص على سبيل الفرض والتقدير فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك فإنه محقَّق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك، والمراد تحقيق ذلك، والإستشهاد بما في الكتب المتقدمة وأنّ القرآن مصدّق لما فيها. وفي تفسير الجلالين: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك من القصص فرضاً فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه.

فنقول أن لهذه الآية احتمالين .. أما أن تكون الآية موجهة إلى النبى .. أو تكون موجهة إلى المشركين الشاكين فى نبوة النبى .

الاحتمال الأول : الآية موجهة إلى النبى

لو قلت لك "لو كذبت عوقبت" فهل معنى هذا انك كذبت فعلا ؟! بالطبع "لا" .. فقد ُعلق حكم ’’العقاب‘‘ بفعلك ’’الكذب‘‘ .. أي لن ينفذ ’’العقاب‘‘ إلا فى حالة ’’الكذب‘‘ .. أما دون ذلك فالحكم معلق بدون تنفيذ .. وفى نفس الوقت لم يثبت انك قمت بالكذب .. وإلا كان الحكم قد نفذ فيك .

وهكذا فى حالتنا هذه .. فالرسول لم يكن شاكاً ولا سأل أحدا منهم .. بل روى عنه انه قال "والله لا اشك ولا أسأل" أورده الطبرى وابن كثير فى تفسيرهما .. ولكن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون .. فلا تظن أن معنى الآية شك الرسول فيما ينزل اليه .

فإن تعليق الحكم بالشرط لا يدل على تحقيق الشرط .. كما وضحت لك فى المثال السابق .. وفى القرآن قد يتعلق بشرط ممتنع لبيان حكمة كقوله تعالى "ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين*ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين* وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين* ومن آبائهم وذريتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم*ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون" فاخبرنا ’’الله‘‘ انهم لو أشركوا ’’الأنبياء‘‘ لحبط عنهم ما كانوا يعملون .. مع انتفاء الشرك عنهم .. بل مع امتناعه لانهم أنبياء معصومون من الشرك .. والا لو أصررت على موقفك هذا لوجب عليك أن تثبت أن الأنبياء أشركوا بالفعل .. فهذه كتلك .

الاحتمال الثانى : الآية موجهة إلى المشركين الشاكين فى نبوة النبى

وفى جزئية "ان المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون من قريش" قد تقول : الإحالة على أهل الكتاب، والقول بأنّ القرآن مصدِّق لما في الكتب الإلهية المقدسة، من غير ما تخصيص بفرقة خاصة منهم، ولا إرتكان على نصوص معينة من الكتاب، دليل كاف على صدقه وسلامته من التحريف وإلا ما اُتخذ شاهداً ومؤيداً ودليلاً.

لو أردت بالتصديق بالكتاب ما أنزله الله على أنبيائه .. فهذا لا خلاف فيه على الإطلاق .. بل وواجب على كل مسلم الإيمان بكل كتاب أنزله الله على نبى من أنبيائه .. وانهم جميعاً سابقين و مصدقين للقرآن .. أما لو تقصد التصديق بعقائدكم .. فهذا هو أساس الاختلاف .. فقد جاءت دعوة القرآن على مدار الثلاث وعشرون عاما ليدعوهم لترك هذه المعتقدات الباطلة المحرفة التى لم ينزل الله بها من سلطان .

أما عن الشهادة فنقول :’’الشهادة‘‘ إذا أضيفت إلى طائفة أو أهل مذهب أو بلد .. فإنها تقصد العدول الصادقين منهم .. وأما غيرهم ’’الكاذبين‘‘ فلو كانوا أكثر من غيرهم فلا عبرة فيهم ..لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق .. وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين .. مثل"عبد الله بن سلام" وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ومن بعده .. و"كعب الأحبار" وغيرهما.

ومنها : من فقد ’’شيئاً‘‘ لا يعنى بالضرورة فقدانه كل ’’شىء‘‘ .. فالشخص الأعمى على الرغم من فقدانه حاسة النظر الا انه لا يزال يتمتع بحاسة السمع .. فكذلك تحريف كتابكم .. فعلى الرغم انه محرف إلا انه لا يزال يحتفظ بالقليل الغير محرف .. وهذا هو ما نستشهد نحن به .. ونقارنه بما يوافق القرآن ؟

وبسبب هذا المبدأ فتجدنا كمسلمين دائما نأخذ النافع لنا من الآخرين ونلفظ الفاسد .. فقد نأخذ بحجة شخص صوفى فى الرد على منكر للسنه .. أو رد اشعرى على ملحد .. هذا بالطبع بعد تنقية الكلام من الشوائب ومالا يصح الأخذ به عندنا .. ولا يكون هذا الأخذ إلا للمتثبتين وأولى العلم منا .. وليس لكل من هب ودب .. حتى لا تكون فتنة .

واكبر دليل على قولى هذا .. أخذكم انتم بعض الحجج من ’’الملحدين‘‘ للرد علينا .. على الرغم باعترافكم بفساد تفكيرهم .. مع الفارق فى الأخذ بيننا وبينكم .. فانتم تأخذون الكلام كما هو بدون أن تلحظوا انه يوجد المثل فى دينكم .. كإنكاركم علينا النعيم الجسمانى فى الجنة وانتم لديكم من الفقرات ما يدل على نفس الشيء .. والأمثلة كثيرة على كلامى هذا سأرجئها لوقتها حتى لا يتشعب الموضوع .

وفى جزئية الشهادة ملحوظة جديدة .. فلو ان هذه الآية موجهة إلى كفار قريش .. أي أنكم ’’أيها الكفار‘‘ أن كنتم فى شك فى الرسول فاذهبوا إلى أهل الكتاب فانه مذكور عندهم .. فتقول : هذه من أقوى الأدلة على صدق كتابنا وعصمته من التحريف .

أقول لك بل هى دليل جديد على تحريف كتبكم .. فالقرآن اثبت أن الرسول مذكور عندكم قال تعالى "الذين يتبعون الرسول النبى الامى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين أمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى انزل معه أولئك هم المفلحون" .. فثبت هنا ذكر ’’النبى‘‘ فى كتبكم .. وانتم تقولون "لا" هو غير مذكور فى كتبنا .. ولا حتى يوجد أى تلميح عنه .. بل هو مدعى النبوة .. وهذا مخالف لكلام القرآن الذى استشهدت به سيادتكم من قليل لتثبت صحة كتابك .. إذن نخرج بهذا بان الكتاب المقدس الذى كان على عهد الأسبقين قد تم التغير فيه .. وإلا كنا وجدنا ما ذكره القرآن من ذكر النبى فى كتبكم .. فأنت تستشهد بان القرآن يصرح بعدم تحريف كتبكم .. والقرآن اخبرنا انه يوجد ذكر للنبى فى كتبكم .. ولكن للعودة إليكم ولعلمائكم لا نرى هذا .. فهل هذا هو نفس الكتاب الذى ذكره القرآن .. لا أظن ذلك .

إذن وجب عليك لتثبت صحة كتابك المقدس من القرآن .. أن تثبت وجود ذكر النبى فى الكتاب المقدس .. فهل أنت فاعل ؟
تفسير قوله تعالى فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك الشيخ مصطفى العدوي
https://www.youtube.com/watch?v=EVFMxh73Pv4